قرارات القائد الأخرق

ماجد ع  محمد
“الغباء هو فعل نفس الشيئ مرتين وبنفس الأسلوب ونفس الخطوات وانتظارنتائج مختلفة”
ألبرت آينشتاين
جاء في نوادر الأمثال أن من أكثر الناس حُمقا هو عجل بن وائل، وذلك لأنه قيل لعجل يوماً: ما سميت فرسك؟ ولكي يثبت السيد عجل وجهة نظره ولكي يتلاءم الاسم الذي في باله مع الواقع القائم، ولكي يكون قوله موائماً للتسمية، قام فقأ السيد عجل عين فرسه، وقال للسائل: سميته الأعور؛ وعلى غرار سلوك العجل ماضياً، فكم من قائدٍ في الوقت الراهن ولكي يُرسّخ ما يقوله لأتباعه ويصبه في أذهان أنصاره، وحتى يثبت وجهة نظره مستعدٌ على أن يفعل ما هو أقبح بكثير من تصرف عجل بن وائل، وخاصة ابان الثورة السورية التي انطلقت شرارتها في 2011.
وبهذ الخصوص فياما عمد نظام البعث السوري إلى تفخيخ مقراته لكي يثبت للعالم صحة مقولته بأن الارهابيون يفجرون مقاره، وعلى سبيل الذكر وليس الحصر، تفجير فرع الأمن العسكري بحلب، وتفجير فرع كفرسوسة بدمشق، وقد فعل ذلك حتى يكسب التعاطف من قِبل مؤيديه وكذلك من المجتمع الدولي الذي يجفل من مفردة الإرهاب كيفما أتت، إضافةً إلى تشويه سمعة الثوار، كما تعمّدت بعض الفصائل ضرب الأحياء الشعبية بالهاونات فيما بعد، أولاً ليفرغوا الأحياء من قاطنيها لكي يسهل عليهم الدخول إليها، وثانياً ليؤكدوا للعالم بأن النظام يقصف المدنيين، علماً أن حقيقة قصف النظام للمدنيين لا تحتاج إلى إضافاتهم الخرقاء، وكذلك لجأت وحدات الحماية الشعبية في المناطق الكردية في سورية إلى نفس الآلية القميئة التي لجأ إليها النظام وبعض الفصائل المسلحة.  
كما أن القائد الذي لا يعرف متى عليه أن يتقدم، متى يتراجع، متى يخبو خطابه ومتى يصعد، متى يكون العقل سيده، ومتى يكون هو سيّد مشاعره، متى يُشغل آليات الحماس وتأجيج عواطف العامة، ومتى يكون قادراً على تغيير خطابه ليتلاءم مع الواقع والزمن وظروفه، ومتى يكون جاهزاً للقتال، ومتى يكون حاضراً للسلم، من كل بد أن كل التفصيلات المذكورة أعلاه لن تكون موجودة في قاموسه السياسي آنئذٍ، وفوقها كل كفاحه  سيخلو من الاستراتيجيا، إنما جل عمله سيكون قائماً على التكتيكات المُهلكة للطاقات والعزائم، ومن ثم الذبذبة الداعية لفقدان التوازن، وهذه الفئة من متزعمي القيادة حقيقةً إما هي كائنات منقادة كما تقاد الروبوتات من قبل صنّاعها، أو هي عبارة عن كائنات مجبولة من اسمنت الأدلجة وأهواء الطيش، وهكذا كائنات على الأغلب كل تحركاتها وأنشطتها ستكون صنو الخسارة، وما من فلاحٍ يُذكر لمن يتبعهم أو يعمل تحت أمرتهم أو يجاهد بمعيتهم.
حيث أن المنطق الإنساني يقول بأن ليست البطولة في أن تدعو كقائد لجهة سياسية أو عسكرية أنصارك للموت حتى ترفع أنخاب النصر على أجداثهم أجمعين، أو ينتصر عدوك عليك وعليهم بسبب طيشك ولامبالاتك فقط لتقول لأتباعك متفاخراً تالي هزيمتك الحتمية بأنك تحدّيت من هم أقوى منك، إنما البطولة هي أن تسعى جاهداً للبقاء حياً وأن لا تفرّط بقطرة دمٍ واحدة مجاناً، حتى تظل شوكةً حيّة في بلعوم مَن يعادي وجودك المادي والمعنوي. 
على كل حال فالذي دفعنا لإسقاط فحوى ما يقوله أينشتاين في أعلى المقالة على الواقع الراهن، فهو بسبب استمرار بعض الجهات العسكرية تجربة المجرب الذي أثبت فشله عشرات المرات من قبل، وتحديداً ما يتعلق بالمعارك الخاسرة سلفاً، ومنها تلك التي فُرضت على منطقة عفرين وأهلها من قبل قيادة مجهولة من مندوبي قنديل في عفرين، خصوصاً إذا علمنا بأن تلك القيادة كانت قد أخفقت في كل المعارك التي قادها حزبهم في المناطق الكردية بتركيا منذ عقود من الزمان، ولنفترض بأن تلك التجربة مضى عليها وقت لا بأس به وقد أكلت الرطوبة أرشيف القيادة في عمق الكهوف، ولكن أما كانت تجربة الثورة السورية في متناول أبصارهم؟ والمعلوم للقاصي والداني أن طيران النظام وسلاح الجو الروسي هو الذي أدى لحسم معظم المعارك لصالح نظام الأسد، بالرغم من أن الكتائب المسلحة تلقت دعماً كبيراً جداً بالمال والعتاد والسلاح من قبل عدة دول، فحيال هذه التجارب المنظورة أما كان قادة قنديل يعرفون سلفاً بأنهم خاسرون أمام طيران حلف الناتو، وهم يفتقرون إلى كل ما يتعلق بصد الغارات الجوية أو مواجهتها أو حتى اتقاء ضرباتها؟ أم أن من يصدرون قرارات السلم والحرب في قنديل هم أناسٌ دون عجل بن وائل منزلةً عقلية وفكرية، وذلك باعتبار أن ضرر عجل بن وائل اقتصر على خيلٍ واحد، بينما ضرر قادة قنديل من وراء حُمق القرار الذي اتخذوه شمل  كل منطقة عفرين بما فيها من البشر والشجر والحجر.  

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…

المحامي عبدالرحمن محمد لقد سقطت الكثير من المصطلحات الخاطئة والخطيرة، مثل ما سمي بشمال وشرق سوريا، وشعارات أخوة الشعوب، والأمة الديمقراطية، وغيرها من الطروحات الايديولوجية الطوباوية والوهمية.وكما سقط النظام المجرم، سقط معه الكثير من الاوهام والاقنعة. لم يعد هناك مجال للخداع والكذب والمزايدات والمتاجرة بالقضية الكوردية.لقد سقط القناع عن وجوه الكثيرين، وظهرت الحقيقة للجميع، وسقطت الانانية الحزبية الضيقة والمصالح الشخصية….

بنكين محمد على امتداد العقود الماضية، لم يكن الحلم الكردي مطلبًا طوباويًا أو نزوة سياسية عابرة، بل كان تعبيرًا مشروعًا عن حق شعبٍ في الوجود والكرامة والاعتراف. غير أنّ هذا الحلم، الذي صاغته التضحيات والآلام، وجد نفسه في السنوات الأخيرة عالقًا بين شعارات كبيرة وبراقة، من قبيل الأمة الديمقراطية و أخوة الشعوب ، دون أن يترجم ذلك إلى مكاسب قومية…