إيران… وسقوط حكم المرشد

إميل أمين*
مثير جداً شأن التاريخ، ذلك أنه وإنْ كانت أحداثه لا تتكرر حرفياً إلا أنها تتشابه ولا شك عبر الأزمنة والعصور، ولعل أصوات الجماهير الإيرانية التي خرجت في مدينة قُم الإيرانية في الساعات الأخيرة تطالب المرشد الإيراني على خامنئي بأن يتنحى، لم تكن إلا رجع صدى لا يتلكأ ولا يتأخر لما هتفت به الجماهير المصرية في يونيو (حزيران) 2013 عندما طالبت بسقوط حكم مرشد الإخوان المسلمين، ويبدو أن هذا هو مصير الأنظمة الثيولوجية، سواء كان ذلك في أوروبا القرون الوسطى أو في الشرق الأوسط.
خلال ساعات قليلة يبدأ نظام الملالي مواجهة المرحلة الأولى من العقوبات الاقتصادية الأميركية، وخلال ثلاثة أشهر سوف ينقطع الحبل السُّري المصرفي والبنكي الذي ملأ جيوب الملالي طوال أربعة عقود، وقتّر على الإيرانيين تقتيراً كبيراً، ما جعل الجماهير تكفر بكل الشعارات التي روّجتها ثورة الخميني منذ عام 1979 وحتى الساعة.
المشهد الأميركي يكاد يصيب إيران في مقتل من دون إطلاق رصاصة واحدة، إذ باتوا غير قادرين على معرفة النيات الحقيقية للرئيس ترمب وفي أي مسلك يمضي، فهل هو يعد خطة لتغيير النظام الإيراني دفعة واحدة كما أوصت من قبل مجموعة الدراسات الأمنية التابعة لمجلس الأمن القومي، أم تتطلع إدارة الرئيس الأميركي إلى أن يغير النظام من توجهاته في الداخل والخارج كما يشير إلى ذلك جيمس ماتيس وزير الدفاع الأمريكي.
عما قليل تضيق نافذة الأمل أمام حكام طهران، ويكاد المرء المتتبع لما يجري في الكواليس الخلفية للسياسات الأميركية وبخاصة الاستخبارية القطع بأن ترمب يعمد إلى الحرب النفسية في التعاطي مع الإيرانيين، كبديل متقدم وأوّلي عن الحرب.
قبل بضعة أيام أعلن ترمب أنه على استعداد لمقابلة الإيرانيين ربما ليضع النظام أمام المواطنين في الداخل، بأكثر من صدقية توجهه إلى فتح مسارب أمل لحكومة طهران لتغيير رؤاها، وقد يكون الدليل على صدقية هذا الاستنتاج أنه عاد بعد أقل من ثلاثة أيام على تصريحاته الأولى ليؤكد أنه غير مهتم بالمرة بمقابلة الإيرانيين.
مخطئ من يظن أن الرئيس ترمب يتصرف على نحو عفوي أو ارتجالي، بل بالعكس تماماً، إذ يوماً تلو الآخر يثبت أن هناك عقولاً استراتيجية تتجاوز مقدراته الفكرية والسياسية هي التي ترسم الرؤى والآفاق لأميركا ما بعد إيران الحالية، إن جاز التعبير، سيما وأن الكثير من التصريحات في الداخل من الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء تمضي في اتجاه واحد، وهو استحالة استمرار نظام الحكم الديني الإيراني لأربعة عقود أخرى، فيما تشير مؤسسات استخبارات الظل، وفي المقدمة منها «ستراتفور» في الداخل الأميركي إلى أن السهم قد انطق والتغيير قادم قبل الوصول إلى 2019 الموعد والموقع لإيران مغايرة.
الناظر إلى الفلسفة السياسية للتعاطي مع الأزمة الإيرانية يمكن أن يجزم باستفادة الأميركيين من درس غزو العراق، ذلك أن إسقاط صدام لم يوفر الغطاء الشعبي اللازم لدعم الأميركيين في الداخل، بخلاف الحالة الإيرانية التي يعمل فيها الأميركيون جاهدين على التفرقة بين الشعب الإيراني وبين حكومته.
الذين قُدّر لهم الاستماع إلى خطاب ترمب الذي أعلن فيه انسحاب بلاده من الاتفاق النووي يتذكرون جيداً الغزل الشعبوي الذي نسجه ترمب حول الشعب الإيراني، واصفاً إياهم بأنهم شعب له تاريخ وثقافة عريضة ويوماً كان من الأصدقاء وحكماً سيعود كذلك عند لحظة استراتيجية فارقة بعينها، حين ينجلي كابوس الحوذات العلمية الذي جثم على صدور الإيرانيين.
هذا الحديث تلته تصريحات عدة لترمب ولغيره من المسؤولين وبخاصة وزير خارجيته بومبيو، طوال فترات المظاهرات التي بلغت حد الانتفاضات، كلها تدعم حق الإيرانيين في الحياة الإنسانية والتمتع بخيرات بلادهم عوضاً عن الأزمات التي يعيشونها.
كان آخر المتحدثين في هذا الشأن بصوت مرتفع السيناتور الجمهوري تيد كروز، الحصان القادم ولا شك في سباق الرئاسة الأميركية خلال العقد المقبل، والذي طالب بحماية المتظاهرين الإيرانيين الذين يواصلون مظاهراتهم في الشوارع العامة.
أخطر ما في المشهد الإيراني الداخلي اليوم هو فك الارتباط العقائدي بين الملالي وبين الشارع الإيراني، فقبل بضعة أسابيع ارتفعت الهتافات في الشوارع الإيرانية تطالب بـ«موت فلسطين»، في رفض واضح وفاضح لاستغلال القضية كمطية ديماغوجية لإثارة حماسة وحمية الإيرانيين، لكن فاتهم أن الشعوب ومن جديد بل قبل الجيوش تمشي على بطونها.
الأيام الخمسة الفائتة ارتفع شعار آخر أكثر زعزعة لأركان النظام الإيراني، ففي شوارع المدينة الدينية قُم ذات التقدير والإجلال خرج المتظاهرون ينددون ويهتفون بسقوط «حزب الله» والمناداة بالموت له.
حجة متظاهري قُم، كما رددوها وكتبوها، هي أن ميليشيا «حزب الله» يسترزقون على حساب الفقراء الإيرانيين، حيث تُخصص لهم موازنة سنوية يشرف عليها بيت المرشد الإيراني خامنئي، وبعيداً عن أي رقابة حكومية، وتكاد تصل إلى مليار دولار.
بات شعار مطالبة المرشد بالتنحي عن السلطة يتردد في أرجاء إيران، مصحوباً بفكر جديد مفاده أن الملالي جعلوا الدين سلّماً وأذلوا الشعب، وفي الجوار كان البعض في مدينة كرج الإيرانية يسارع إلى الهتاف: «لا تخافوا كلنا معكم… والموت للديكتاتور».
يقول الراوي إنه شاهد جوزيف غوبلز وزير الدعاية النازية الأشهر، ينصرف حزيناً من الشوارع الإيرانية الخلفية، بعد أن ثبت فشل شعاره العتيد «اكذب… ثم اكذب، حتى يصدقك الناس»، في إطالة أمد نظام الملالي.
*كاتب مصري
————- 
الشرق الأوسط

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

جان دوست ما يمكن أن يعتبرها البعض صحوة وعودة وعي ومراجعة بعد هزائم قسد وانهيار نظام الإدارة الذاتية في سوريا، لم تصل ارتداداتها بعد إلى بيئة حزب العمال الكردستاني في سوريا. ما زال هؤلاء مؤمنين ب-“فلسفة” أوجلان ومعتقدين أن “تكتيكات” حزب العمال ناجحة في كل زمان ومكان. صعب على هؤلاء تصديق أن “فكر القائد” يعيش مراحله الأخيرة وأن الوظيفة انتهت…

خالد جميل محمد لم يَعُدِ الترويجِ للقُبحِ أمراً عَارِضاً، بل بات ظاهرةً ومقياسَ عصرٍ ينتشي بفسادِه، ويتباهى بالزيف والنِّتاجات الردئية، (في الأخلاق، السياسة، العلاقات، الأدب، الكتابة، الفنّ، الثقافة والإعلام..)، ويكافئ منتجي القُبحِ الماضِين في تدمير قيم الجَمال الحقيقي، جملةً وتفصيلاً، حتى صار منتجو الجَمال الحقيقي يشعرون بالخجل ممّا لديهم من إبداع ثمين، ويُفرَض عليهم التواري لِئَلّا يكونوا عرضة للاستخفاف بهم…

في لحظة تاريخية دقيقة تمر بها القضية الكوردية في روجافا/كردستان سوريا، حيث تتقاطع التحديات الداخلية مع التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، لم يعد التشتت خياراً، ولم يعد الانقسام تفصيلاً يمكن تجاوزه. إن ما يواجهه شعبنا اليوم يتطلب مستوى غير مسبوق من الوعي والمسؤولية الوطنية. لقد أثبتت التجارب أن غياب الرؤية الموحدة وتعدد المرجعيات السياسية يضعف الموقف الكوردي، ويفتح الباب أمام التدخلات…

عبدالجبار شاهين أحياناًعندما ننظر إلى واقعنا السياسي اليوم يصعب تجاهل شعور متراكم بأن الامور لم تعد مجرد اختلافات سياسية عادية. هناك شيء أعمق تشكل مع الوقت نوع من الانقسام الذي تسلل إلى طريقة التفكير نفسها وليس فقط إلى المواقف. كثير من الناس خاصة الاجيال التي نشأت في ظل هذا المشهد أصبحوا يعرفون انفسهم أولا من خلال الانتماء السياسي قبل…