لاعبو «سينور» ماذا لو لعبوا في أحد الأندية الأوروبية؟

إدريس سالم
   انتهينا من بطولة كأس العالم 2018 في روسيا، تلك الأوبرا التي يعزفها الجميع، وبما أني أتحدّث عن هذه اللعبة الشعبية العالمية، فأنا كنت في صغري، ألعب كرة القدم، كحارس مرمى في أيام التعليم الابتدائي، شغلت موقع الحراسة، للإعاقة الجسدية التي في قدمي اليمنى، دائماً وأبداً سأشجّع نادي برشلونة الكتالوني وليس الإسباني، وذلك للوجع القومي المشترك بين كوردستان وكتالونيا، فكلا القوميتين تعانيان من سطوة الاستبداد والقمع والتمييز العنصري، أما الآن فأتابع كرة القدم بشكل غير دائم عبر التلفزيون والانترنت، ولا أتابع إلا بعض المباريات في البطولات الأوربية المهمّة، فالأهم عندي وبشكل خاصّ دوري أبطال أوروبا.
لا شيء ينقصهم سوى أن يكتشفهم لاعب أو مدرّب أو نادي أوروبي أو أكاديمية رياضية، مثلما اكتشفوا الأسطورة الأرجنتينية «ليونيل ميسي» العظيمة، فهم يستحقون ويحقّ لهم أن يلعبوا في أحد الأندية الأوروبية.
كلّ لاعب من فريق «سينور» له حلم يتمنّى لو يتحقّق، فمنهم مَن يحلم أن يرتدي القميص رقم (7) ويلعب مكان كريستيانو رونالدو في نادي ريال مدريد؛ ومنهم مَن يحلم أن يرتدي القميص رقم (10) ويلعب مكان ليونيل ميسي في نادي برشلونة؛ ومنهم مَن يحلم أن يرتدي القميص رقم (21) ويلعب مكان باولو ديبالا في نادي يوفنتوس؛ ومنهم مَن يحلم أن يرتدي القميص رقم (1) ويلعب مكان مانويل نوير حارس مرمى بايرن ميونخ..
الحلم والتمنّي يكبران ويزدهران، فهل يتحقّقان؟ هل يصبح أحد منهم أفضل لاعب في أحد الأندية الأوروبية أو حتى العربية؟ هل يتحوّل من العدم إلى أشهر لاعب على الأرض؟ هل يحصل أحد منهم على جائزة أفضل لاعب أو الكرة الذهبية أو القفّاز الذهبي؟
بِلال محمود محمد، خليل سالم، وبَرْور محمد نماذج غير حصرية للموضوع الذي أتناوله، أعمارهم متقاربة، كلهم في العشرينيات، ولكلّ منهم حلم رياضي يتمنّى لو يتحقّق، لا ينقصهم شيء سوى أن يتخلصوا من واقعهم الاجتماعي والاقتصادي، وأن يكتشف أحد ما لياقتهم البدنية ومهاراتهم وقدراتهم، فكيليان مبابي الفرنسي ودانيال أرزانى الاسترالي وموسى واجو السنغالي وإيان سميث الكوستاريكي ليسوا أفضل منهم، فالفرق الوحيد بينهم وبين لاعبو «سينور» هو الثقافة والبيئة والاقتصاد.
في مستنقع الشرق الأوسط لا قيمة للمواهب والقدرات والشهادات، أما في أوروبا وأمريكا هناك حقيقة واحدة، ولا أحد يستطيع نكرانها، وهي أنهم متفوقين في ممارسة اللعبة بشكل احترافي في جميع مراكز اللعبة، من حراسة ودفاع ووسط وهجوم، وفي ما يقوم به اللاعب من تمريره وتسديده، وهذا يرجع تاريخياً إلى أنهم هم السابقون في لعب كرة القدم، ويتعلّمونها من الصغر، ويعشقونها عشقاً، فأصبحت عادة، كأكلهم وشربهم ونومهم وعملهم، وقد يلعبونها في الشارع في بعض الدول التي قد تكون غير مهيّأة أو فقيرة أو في أكاديميات للدول الغنية.
أثناء طريق العودة من الحديقة، كنّا في نقاش رياضي بسيط، فداعبت مع بِلال قليلاً، وقلت له عنواناً خبرياً رياضياً طويلاً: «نادي ريال مدريد يتعاقد مع المدافع الكوردي بِلال محمد». لقد كان أثر هذا العنوان عميقاً في قلبه وروحه، حيث ظهرت ابتسامة مخنوقة مليئة بالرغبة والحسرة على وجهه، قائلاً: «أتمنّى ذلك!»، كان سعيداً بهذا الكلام، كما لو كان حقيقة ويريد أن يعيشها. لنسأل أنفسنا ماذا سيحدث في الشارع الكوردستاني لو تعاقد نادي ريال مدريد مع بِلال محمود محمد وارتدى قميص رونالدو، وتعاقد برشلونة مع خليل سالم وارتدى قميص ميسي، ويوفنتوس مع بَرْور محمد فارتدى قميص ديبالا؟ ما الذي سيتغيّر كوردياً؟ وهل سيتأسّس يوماً ما بطولة كوردية لكرة القدم، وينضم الاتحاد الكوردي لكرة القدم إلى الاتحاد الدولي (FIFA)؟
فريق «سينور» الكوردي بلاعبيه ومدربه المتواضع، فريق يحمل صفة (لاجئ)، يعمل أفراده في الأعمال المتنوّعة والمخيفة بخطورتها وصعوبتها، بعضهم يستفيق من النوم قبل شروق الشمس بثلاث أو أربع وأحياناً إلى خمس ساعات قبل شروق الشمس، والتوجّه إلى الحقول والبساتين والأراضي الزراعية، في السهول والجبال التركية، للعمل والعيش ومساعدة الأهل، صيفاً وشتاءً، وبعضهم يعمل داخل المدن في أعمال مختلفة كالبناء والنجارة..الخ، ينظّمون مع الفرق الأخرى بين الفترة والأخرى البطولات الرياضية لكرة القدم، وعلى نفقاتهم الخاصة، وسط المعاناة الكثيرة، التي لا تُعد ولا تُحصى، نادراً جداً ما يخسرون، متفاهمون أثناء اللعب، يتدرّبون – على نفقاتهم – أثناء عودتهم من أعمالهم، لديهم حارس يملك شبكة عنكبوتية متينة، ودفاع يتنقّل من خطّ الدفاع إلى خطّ الوسط وأحياناً الهجوم، لديهم تجاه بعضهم المحبة والاحترام والاهتمام.
للتاريخ وللجيل القادم أقول: 
الحركة السياسية الكوردية ظلمت الشباب، وحطّمت أحلامهم، واستخدمت إرادتهم وطموحاتهم لأغراض دنيئة جداً، شرّدت مستقبلهم، ودفنت حقوق الكورد وقضيتهم. عندما تقرأ في النظام الداخلي وبرامج الحركة السياسية وأحزابها الفقرات والبنود المتعلقة بدور الشباب ستشعر بمدى أهمية الشباب لدى هذه الحركة، وعندما تقرأ الواقع تدرك الهامش والمعاناة والكوارث التي يلقاها الشباب، أيّ إن الشباب أصبحوا شمّاعة بيد الحركة الكوردية «الجهل أكبر وأخطر من الشيطان».
أخيراً:
وهو الكلام الذي أوجّهه إلى كل لاعبي فريق «سينور» الكوردي، إن الأشياء والأفعال العظيمة تشعرك أنك حي دائماً، تشعر بها للحظات قليلة حتى ولو كانت المدة طويلة. كنسيم الهواء الهادئ على البحر في أواخر الليل، تتمنّى لو أنها تستمرّ لأعوام كثيرة، تتمنّى أن تظلّ عظيمة كما هي، وأن تظلّ هادئة كما هي، ولكن هذا لا يحدث في الغالب، لماذا؟ لماذا لا تستمرّ الحياة بصفوها العظيم؟ لماذا لا تظلّ كل اللحظات الجميلة دائمة للأبد؟ لماذا يحدث شيء يعكر صفوها؟ لماذا نفرح لفوز الفريق أو النادي الذي ننتمي له؟ ولماذا نتألّم عند الهزيمة أو الفشل؟
إن الأحلام التي تتعلق في السماء، الخيال الذي يأتي وراء البحار، كل هذا عظيم لدرجة كبيرة. كل الذكريات كانت سعيدة بالنسبة لك، حتى الحزينة منها عندما تتذكّرها تبتسم ابتسامة الحنين والتحسّر، أحلامك كانت فوق السحاب ولطالما حلمت أنك ستصل إليها فإنك ستصل، وأنت بقمّة عظمتك وقوتك.
مرسين
26 يوليو، 2018

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

المحامي عبدالرحمن نجار بضغط القوى الدولية ودعوة أقليم كوردستان العراق أنعقدكونفرانس في 26 نيسان 2025 بمدينة القامشلي أجتمع فيه مجلس الوحدة الوطنية بقيادةحزب الإتحاد الديمقراطي، وقيادة المجلس الكوردي، من أجل وحدة الصف الكوردي خاصة بعدرحيل نظام البعث.فتم الإتفاق على خطاب سياسي “الفيدرالية،اللامركزية”!. قلنافي حينها أنه مصطلح ناقص مخالف للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، أما المصطلح الصحيح هو:”الفيدرالية القومية وفق اللامركزية…

ماجد ع محمد   صحيحٌ بأن المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وإيران في إسلام آباد بباكستان تلكأت مرةً أخرى، ولكن هذا لا يعني بأنهم وصلوا إلى طريقٍ مسدود، ما دام أن الخصمين اللدودين إلى الآن مهتمان بالتهدئة، كما أنه معروف عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه مزاجي ورجل صفقات، حيث إن عيونه في كل الأوقات مفتوحة على الجانب الاقتصادي، وهذه…

د. محمود عباس   الأمم الصغيرة ومكانتها في النظام العالمي الجديد.   لم يعد النظام العالمي الجديد حكرًا على الأمم الكبرى وحدها، ولا باتت المكانة الدولية تُمنح فقط لمن يملك المساحة الأوسع أو الجيوش الأضخم. فخلال العقود الأخيرة، أثبتت تجارب متعددة أن أممًا ودولًا صغيرة استطاعت أن تفرض لنفسها وزنًا يتجاوز حجمها الجغرافي والديمغرافي، لا لأنها…

عاكف حسن في كل مرحلة سياسية معقدة، يظهر مصطلح يلمع أكثر مما يشرح، ويُستخدم أكثر مما يُفهم. في حالتنا، اسم هذا المصطلح هو: “الاندماج الديمقراطي”. هذه ليست نظرية سياسية بقدر ما هي وصفة سحرية جاهزة، خرجت من فضاء أفكار عبد الله أوجلان، لا من رحم التجربة السياسية والاجتماعية لروجافا. ومن هنا يبدأ الالتباس: مشروع لم يُصغَ على قياس طموحات الناس…