ترتيبات الدستور السوري الجديد ومخاوف تجاهل الكُرد*

مصطفى أوسو
من جديد تأتي الأحداث والتطورات المرتبطة بالأزمة السورية المستمرة والمتفاقمة منذ عام 2011، وهذه المرة من بوابة ترتيبات تشكيل “اللجنة الدستورية السورية”، التي هي إحدى مخرجات ما سمي بـ “مؤتمر الحوار الوطني السوري” المنعقد في مدينة “سوتشي” الروسية في 30 كانون الثاني/يناير العام الجاري، لتؤكد غياب أي دور أو إرادة لطرفيها المتصارعين (النظام والمعارضة)، وارتهانهما بالكامل للقوى الخارجية الداعمة/المؤيدة والمشغلة لهما. 
فبعد كل ما رافق هذا المؤتمر من ردود الأفعال السلبية المختلفة والمقاطعة ورفض النتائج من قبل كلا الطرفين المذكورين، سواء بشكل مباشر (الهيئة العليا للمفاوضات قاطعته)، أو بشكل غير مباشر (النظام قام بحذف الفقرة الخاصة بـ “اللجنة الدستورية” من بيانه الختامي قبل نشره في الإعلام الرسمي)، عاد كل طرف منهما ليشكل قائمة مرشحيه ويرسلها إلى للأمم المتحدة، بعد أن سبق ذلك لقاءات عدة بين كل من: (روسيا، إيران، تركيا)، التي نظمت ورعت وشاركت فيه من جهة، وبينها وبين المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا “ستيفان دي مستورا” من جهة أخرى.
ورغم أن القرار السوري لم يكن في يومً من الأيام بيد الشعب السوري المغلوب على أمره، كما أنه لم يلبي بأي شكل من الأشكال طموحات السوريين وإرادتهم في العيش بأمان وحرية وكرامة، بسبب السياسة الاستبدادية والعنصرية والديكتاتورية للأنظمة التي استولت على الحكم/السلطة في البلاد بقوة الحديد والنار، وصادرت جميع الحقوق والحريات الديمقراطية فيها، فإن ما تشهده الساحة السورية في المرحلة الراهنة من صفقات وعمليات البيع والشراء والمقايضة بين بعض القوى الإقليمية والدولية، وبمشاركة بعض السوريين الذين يسمون أنفسهم “المعارضة”، وأيضاً القيام بترتيبات وضع دستور جديد لسوريا، ما هي إلا محاولات حثيثة ومستمرة لتحقيق هذه الدول مكاسبها وفرض مصالحها على حساب مصالح الشعب السوري المنكوب، يدل على هذا الكلام، التطورات الميدانية المتسارعة لمصلحة النظام السوري على أكثر من محور وجبهة بدلالاتها السياسية المختلفة، وباتفاق بين تلك الدول المذكورة، ومن ضمنها التي تقوم بتشغيل ما تسمى بـ “المعارضة”.
وهنا قد يقول قائل: أن “اللجنة الدستورية السورية” التي يُعمل على تشكيلها، والخاصة بالدستور المستقبلي لسوريا، ستَعمل بإشراف الأمم المتحدة وتحت رعايتها المباشرة. وهذا كلام صحيح تماماً، ولكن المتتبع لأوضاع هذه “المؤسسة الدولية” ومواقفها حيال مختلف الأحداث والتطورات العالمية، ومنها تطورات الأوضاع السورية المستمرة منذ أكثر من سبع سنوات، يدرك تماماً  أن هذه المؤسسة غير مستقلة في قراراتها وتخضع في عملها لإرادة ومشيئة بعض الدول – الكبار منهم خاصة – أو أنها على الأقل غير قادرة على ترجمة وتطبيق “ميثاقها”، وخاصة تلك البنود المتعلقة فيها بـ “الحفاظ على السلم والأمن الدوليين وحق الشعوب في تقرير مصيرها”، لأنها تفتقد الآليات اللازمة لذلك بمعزل عنها، وهذا ما ظهر واضحاً وجلياً في أكثر من مناسبة ومحطة لها. 
وقد يقول آخر: إن المسودة الروسية للدستور السوري، التي تسربت إعلامياً وكًثُر الحديث عنها، إيجابية إلى حد كبير، وأنها تشكل نقلة نوعية مهمة بالنسبة للمجتمع السوري، وهذا أيضاً صحيح أن كانت هذه المسودة الروسية المسربة فعلاً موجودة، ولكن هذه الإيجابية التي يتم الحديث عنها، ستصطدم حكماً بمصالح روسيا مع شريكيها الرئيسيين – تركيا وإيران – في الترتيبات السورية الجديدة، ولعل ما جرى في منطقة “عفرين” قبل أشهر خير دليل.
عموماً الدستور في أي مجتمع، هو القانون الأساسي الذي ينظم العلاقة بين جميع أفراده من جهة، وبينهم وبين الدولة من جهة أخرى، من حيث: (الحقوق والواجبات والسلطات وحدودها والانتخابات وشكل الدولة ونظامها السياسي..)، ومن هنا فإن كتابته يجب أن يكون بمشاركة جميع مكوناته (القومية، الدينية، المذهبية..)، وأن يَضمن حقوقهم جميعاً بشكل عادل ومتساو بدون طغيان أحد منهم على الأخر، لكن المشكلة الأساسية في الترتيبات الحالية لوضع الدستور السوري الجديد، هي إن مواقف العديد من الأطراف الفاعلة فيها (تركيا وإيران) سلبية – أن لم نقل أنها عدائية – تجاه مكون أساسي من مكونات الشعب السوري، وهو المكون الكُردي وقضيته القومية في سوريا، وإذا أضفنا إلى ذلك مواقف طرفي الصراع في سوريا (النظام والمعارضة)، المتقاطعة بدرجة كبيرة معها، فأنها هي الأخرى تثير المخاوف التي ذكرناها من أن هذه الترتيبات الجارية لرسم ملامح سوريا المستقبل لن تكون ملبية لطموحات الشعب السوري عموماً والشعب الكردي في سوريا بشكل خاص، بسبب الذهنية القوموية والعنصرية السائدة وما يمكن تسميتها بـ “فوبيا” القضية الكردية في المنطقة، ما قد تؤسس لمرحلة تكون أخطر مما نعيشها حالياً، سمتها الأساسية والبارزة عدم الاستقرار واستمرار الحروب والكوارث في سوريا والمنطقة عموماً.
إن هذا الواقع السلبي المحيط بالأزمة السورية، يثير الكثير من الهواجس والمخاوف على مستقبل الشعب الكردي وقضيته القومية والوطنية الديمقراطية في سوريا، وخاصة في ظل انقسام وتشتت الأحزاب الكردية وتناحرها، ما يفرض عليها لكي تستطيع مواجهة تحديات المرحلة الجديدة، والتي منها: “ترتيبات كتابة الدستور”، العمل على توحيد صفوفها وبناء مرجعية كردية شاملة، لها خطابها السياسي الواضح والشفاف الموجه لكافة القوى الداخلية والإقليمية والدولية المتدخلة بالأزمة السورية، وفتح باب الحوارات والمفاوضات معها جميعاً وفق المصلحة القومية العليا للشعب الكردي بعيداً عن المصالح الحزبية والشخصية الضيقة وإدعاءات الشرعية والتمثيل من هذا الطرف أو ذاك، والذي أدى إلى إلحاق أضرار جسيمة بالشعب الكردي وقضيته القومية في سوريا.
وعلى العموم فإن قطار الزمن لم يفت بعد، وكما يقال: (أن تأتي متأخراً خيراً من لا تأتي أبداً)، وفرصة الدقائق الأخيرة أمام الأحزاب السياسية الكردية في سوريا، لا تزال قائمة، فأما أن تقوم باستغلالها بشكل جيد وتُنقذ ما يمكن إنقاذه، أو أنها ستدخل ومعها الشعب الكردي في سوريا وقضيته القومية في متاهات المجهول.
نُشرت في العدد (81) من صحيفة (Buyer) في 15 تموز/يوليو 2018

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

جان دوست ما يمكن أن يعتبرها البعض صحوة وعودة وعي ومراجعة بعد هزائم قسد وانهيار نظام الإدارة الذاتية في سوريا، لم تصل ارتداداتها بعد إلى بيئة حزب العمال الكردستاني في سوريا. ما زال هؤلاء مؤمنين ب-“فلسفة” أوجلان ومعتقدين أن “تكتيكات” حزب العمال ناجحة في كل زمان ومكان. صعب على هؤلاء تصديق أن “فكر القائد” يعيش مراحله الأخيرة وأن الوظيفة انتهت…

خالد جميل محمد لم يَعُدِ الترويجِ للقُبحِ أمراً عَارِضاً، بل بات ظاهرةً ومقياسَ عصرٍ ينتشي بفسادِه، ويتباهى بالزيف والنِّتاجات الردئية، (في الأخلاق، السياسة، العلاقات، الأدب، الكتابة، الفنّ، الثقافة والإعلام..)، ويكافئ منتجي القُبحِ الماضِين في تدمير قيم الجَمال الحقيقي، جملةً وتفصيلاً، حتى صار منتجو الجَمال الحقيقي يشعرون بالخجل ممّا لديهم من إبداع ثمين، ويُفرَض عليهم التواري لِئَلّا يكونوا عرضة للاستخفاف بهم…

في لحظة تاريخية دقيقة تمر بها القضية الكوردية في روجافا/كردستان سوريا، حيث تتقاطع التحديات الداخلية مع التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، لم يعد التشتت خياراً، ولم يعد الانقسام تفصيلاً يمكن تجاوزه. إن ما يواجهه شعبنا اليوم يتطلب مستوى غير مسبوق من الوعي والمسؤولية الوطنية. لقد أثبتت التجارب أن غياب الرؤية الموحدة وتعدد المرجعيات السياسية يضعف الموقف الكوردي، ويفتح الباب أمام التدخلات…

عبدالجبار شاهين أحياناًعندما ننظر إلى واقعنا السياسي اليوم يصعب تجاهل شعور متراكم بأن الامور لم تعد مجرد اختلافات سياسية عادية. هناك شيء أعمق تشكل مع الوقت نوع من الانقسام الذي تسلل إلى طريقة التفكير نفسها وليس فقط إلى المواقف. كثير من الناس خاصة الاجيال التي نشأت في ظل هذا المشهد أصبحوا يعرفون انفسهم أولا من خلال الانتماء السياسي قبل…