نقد أخوي في ذكرى تأسيس الحزب

جان كورد
ربما لا تمرّ  أي ذكرى لها وقعٌ شديد على أفئدة الكورد السوريين مثل ذكرى تأسيس أوّل حزب ديموقراطي لهم  في 14 حزيران من عام 1957م، فمشاعر الابتهاج والاحتفال بهذه الذكرى تمتزج لديهم بمشاعر الحزن والأسى بعد مرور  61 عاماً على ذلك اليوم الذي اجتمع فيه عدة رجالٍ مؤمنين بضرورة النضال بأسلوبٍ عصري من أجل شعبهم، هذا الشعب الذي كان ولا يزال يعاني من شتى أنواع الظلم والغبن والتمييز. وأقول “مشاعر الحزن” لأن الحزب الذي أسسوه وخدم فيه مناضلوه عقوداً عديدة في مختلف مراحل الحياة السياسية الشافة، وضحوا في سبيل تنظيمهم الذي منهم من اعتبره مقدساً، لم يحقق لهم أي هدفٍ من أهدافه المعلنة في مناهجه وبرامجه، سوى أنه ظل على قيد الحياة كمريضٍ في غرفة الانعاش لا يستطيع الوقوف على قدمية ولا يموت. ليس هذا فحسب، وإنما وصل عدد التنظيمات التي نجمت عن انشقاقاته وخلافات زعمائه  إلى ما يقارب عدد سنوات عمره، وهي نزاعات تعود قي معظمها إلى أسباب من خارج التنظيم ذاته، وقلبلٌ منها بسبب سوء إدارة العمل السياسي – التنظيمي للحزب من قبل قادته أنفسهم. 
لقد نفّذ حزب البعث العربي الاشتراكي الحاكم منذ 1963 وإلى اندلاع ما سميناه مجازاً ب”الثورة السورية” في عام 2011 كل مشاريعه العنصرية حيال الشعب الكوردي، من تهجبير وتعريبٍ وتدمير للبنى الاقتصادية في المناطق الكوردية في شمال البلاد، وقام بعملية توطين لعشائر الغمر في أكثر من (40) مستوطنة عربية في الجزيرة، على غرار مزارع الكيوبتز الاسرائيلية، تحقيقاً لمشروع “الحزام العربي” بطول مئات الكيلومترات وعرض العشرات منها على الحدود العراقية – التركية – السورية، وأنهى عملية “الاحصاء الاستثنائي” التي بموجبها تم تجريد مئات الألوف من المواطنين الكورد من الجنسية السورية، ومنع تدريس اللغة الكوردية في المدارس، وحظّر على الكورد الانتساب إلى الكليات العسكرية، ومارس كل صنوف التمييز القومي بحقهم في سائر نواحي الحياة السياسية والثقافية والاقتصادية، وزجّ بقوافل المناضلين الكورد في المعتقلات وأرغم كثيرين منهم على الهجرة من البلاد السورية، ورغم ذلك وجد “الحزب الكوردي” باختلاف تنظيماته ورموزه نظام العائلة الأسدية على طول الخط، حتى انتفاضة شعبنا في عام 2004، بل بعد الانتفاضة أيضاً لمدةٍ طويلة نظاماً “تقدمياً” يجب عدم التعرّض له أو معارضته إلاّ في مجال التذكير بسوء سياسته حيال القضية الكوردية، أمّا في سائر المجالات الأخرى، فقد ظل “حزب الكورد” أمبناً ووفياً لدمشق، حتى أنه اعتبر الكورد الرافضين لهذه المواقف الخاطئة “متمرّدين” على الخط الوطني الناصع البياض للحركة الكوردية السورية. 
هذا الحزب العريق، ما كان ليتمزّق هكذا ويضعف بين شعبنا ويسمح لمنافسيه بالسيطرة على الساحة الكوردية إلى درجة تعاونهم الصارخ مع أعداء الأمة الكوردية في وضح النهار، لو أن قادته آمنوا فعلاً بالديموقراطية ومارسوها في حياتهم الحزبية ودعموا كوادر حزبهم المخلصين في التصدي للمشاريع العنصرية التي مارستها الحكومات المتعاقبة على دست الحكم في سوريا. ولكن لا ننكر أن قيادة الحزب قد تعرّضت في بعض المراحل إلى الاعتقالات الرهيبة والطويلة الأمد، وتركت خلفها فراغاً استغله العملاء والخونة ليتسللوا منه إلى مواقع المسؤولية والسيطرة على دفة التنظيم وتحويله كلياً كجدول ماءٍ صغير صوب ساقية النظام الحاكم، إلاّ أن معارك سياسية حقيقية تتسم بالشدة في سبيل انتزاع الحق القومي للشعب الكوردي لم تحدث على الساحة الكوردية السورية، في حين أن التطوّع في الدفاع عن أجزاء كوردستان الأخرى كان سمة تاريخ الحزب الديموقراطي الكوردي في سوريا على طول الخط، وهذا ما كان له إيجابيات وسلبيات لا مجال للتطرّق إليها الآن. 
اليوم، بعد أن نال أعداء الكورد من شعبنا في كل مجال، حتى أن اللغة الكوردية صارت في معظمها لدى العامة “عربية” تحت أنظار قادة الحزب الذين لا نشك في وعيهم القومي – السياسي، وحيث تم تدمير مدينة كوباني التي كان موقف الحزب منها موقف المتفرّج الذي لا حول ولا قوة له، في ذات الوقت الذي كنّا نتهم الجيش التركي باتخاذه موقف المتفرّج على الطرف الآخر من الحدود، دون أن يقدّم أي عونٍ للكورد الذين كانوا يقاتلون تنظيماتٍ إرهابية هاجمتهم في عقر دارهم، وبعد أن عبث الغزاة بمنطقة جبل الكورد التي مركزها مدينة عفرين على غرار غزوات المغول والتتار في التاريخ، أمام أنظار العالم المتمدّن وفي ظل الجيش التركي الذي لا يزال فصيلاً من جيوش حلف الناتو الزاعم وجود قيمٍ ومثلٍ ومبادىء عظيمة له، نجد حزبنا الكوردي العريق بلا حراك سياسي عملي على الساحة السورية، لا يختلف في ممارساته عما كان عليه أثناء انتفاضة شعبنا المجيدة في عام 2004 في الجزيرة ضد النظام المستبد به. 
فماذا يمكن القول عن هذا الحزب في ذكرى تأسيسه قبل 61 عاماً، والدموع تترقرق في عيون الكورداغيين والكوبانيين المؤمنين بعدالة قضيتهم، من جراء معاناتهم الكبيرة، ويشاركهم في حزنهم كل المناضلين الأوفياء على أرض كوردستان؟ 
أقولها بمرارة: 
إنها ذكرى عزيزة على قلوبنا ونأمل لشهداء الحزب ومؤسسيه الراحلين الخلود، ولكل مناضليه منذ أوّل يومٍ وحتى الآن حياةً في العزة والكرامة، ونأمل منهم قبول نقدنا هذا بصدورٍ رحبة، والقيام بواجباتهم على أحسن وجه، حتى يخرج هذا “الحزب الكوردي / الكوردستاني” من غرفة الانعاش التي طال أمده فيها مع الأسف.  
kurdaxi@live.com
          ‏15‏ حزيران‏، 2018

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

جان دوست ما يمكن أن يعتبرها البعض صحوة وعودة وعي ومراجعة بعد هزائم قسد وانهيار نظام الإدارة الذاتية في سوريا، لم تصل ارتداداتها بعد إلى بيئة حزب العمال الكردستاني في سوريا. ما زال هؤلاء مؤمنين ب-“فلسفة” أوجلان ومعتقدين أن “تكتيكات” حزب العمال ناجحة في كل زمان ومكان. صعب على هؤلاء تصديق أن “فكر القائد” يعيش مراحله الأخيرة وأن الوظيفة انتهت…

خالد جميل محمد لم يَعُدِ الترويجِ للقُبحِ أمراً عَارِضاً، بل بات ظاهرةً ومقياسَ عصرٍ ينتشي بفسادِه، ويتباهى بالزيف والنِّتاجات الردئية، (في الأخلاق، السياسة، العلاقات، الأدب، الكتابة، الفنّ، الثقافة والإعلام..)، ويكافئ منتجي القُبحِ الماضِين في تدمير قيم الجَمال الحقيقي، جملةً وتفصيلاً، حتى صار منتجو الجَمال الحقيقي يشعرون بالخجل ممّا لديهم من إبداع ثمين، ويُفرَض عليهم التواري لِئَلّا يكونوا عرضة للاستخفاف بهم…

في لحظة تاريخية دقيقة تمر بها القضية الكوردية في روجافا/كردستان سوريا، حيث تتقاطع التحديات الداخلية مع التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، لم يعد التشتت خياراً، ولم يعد الانقسام تفصيلاً يمكن تجاوزه. إن ما يواجهه شعبنا اليوم يتطلب مستوى غير مسبوق من الوعي والمسؤولية الوطنية. لقد أثبتت التجارب أن غياب الرؤية الموحدة وتعدد المرجعيات السياسية يضعف الموقف الكوردي، ويفتح الباب أمام التدخلات…

عبدالجبار شاهين أحياناًعندما ننظر إلى واقعنا السياسي اليوم يصعب تجاهل شعور متراكم بأن الامور لم تعد مجرد اختلافات سياسية عادية. هناك شيء أعمق تشكل مع الوقت نوع من الانقسام الذي تسلل إلى طريقة التفكير نفسها وليس فقط إلى المواقف. كثير من الناس خاصة الاجيال التي نشأت في ظل هذا المشهد أصبحوا يعرفون انفسهم أولا من خلال الانتماء السياسي قبل…