خامنئي يقرع طبول «السلامة»


فيصل العساف
ليس من الصعب استقراء خطوات النظام الإيراني القادمة. يكفي أن تستعير عقله المدبر بشروره وأطماعه التي أضحت مكشوفة أمام الذين لا يرون فيه «ثوراً أسود» يخشون أن يتم التهامهم بعده، وليسوا من عوالق النوايا المتطفلة ممّن تعودوا الاصطفاف في المكان والزمان الخطأ. صدام حسين استباح الكويت وشرد أهلها نتيجة خلاف سياسي، ولم يمنع ذلك بعض فئات البشر من الوقوف إلى جانبه. كان بعضهم يهتف بحياته في مخيمات لجوئهم بسبب تهجير الآخرين لهم عقب احتلال أرضهم! على ذكر صدام، يمكن القول إن الإيرانيين في شقهم «المتدين» يختلفون عنه من ناحية الهدف الذي بني في أساسه على الرغبة في الانتقام، والتصور بأن الوقت قد حان لتنفيذ هذا الدافع، لكنهم يشتركون جميعاً في اللعب على حبال العاطفة العربية، متكئين على أوجاعها المترامية المصالح.
لا يمكن غض الطرف عن التأثير المركّب لحضارة بلاد فارس البائدة، الذي مثّل حملاً ثقيلاً على كاهل الأحلام «الملالوية»، وشكل مصدر الإلهام لدستور التمرد واللاعقل الذي نص صراحة على مبدأ تصدير الثورة «الإسلامية»، حصان طروادة الذي سيمكنهم من دك حصون المغفلين. لكن هذا الوهم ظل- منذ البداية- يصطدم بالهيمنة الأميركية المطلقة وهي تمسك زمام العالم بكامل سطوتها وقوتها، لا يقف في وجهها سوى بعض اعتبارات العم سام، التي لا يتوانى عن إلقائها على قارعة طريق الحرية الذي يعبّده فوق حسابات من يخطئون التقدير. من هنا، يمكن الولوج إلى جوهر تلك العلاقة التبادلية التي تربط ما بين إيران وروسيا، أو الشيطان الأصغر بحسب تقسيمات العداء الإيرانية المفتعلة، فالإيرانيون نظروا إليهم باعتبارهم العدو الصريح للعقبة الكأداء التي يواجهونها، ولذلك اعتبروهم العتبة الأولى في سلم خطوات الطموح الكبير، بينما ظلت إيران تمثل بالنسبة إلى روسيا ورقة ابتزاز فقط، يرفعونها في وجه الغرب متى دعت الحاجة، تماماً كما يستغل حرس إيران الثوري الجماعات السنية المسلحة وهو يمسك في حبالها وحبائلها.
في هذا السياق، يمكن اعتبار الـ11 من أيلول- سبتمبر يوماً فارقاً تاريخياً، ليس بسبب الحدث الإرهابي وانهيار مركز التجارة العالمي وضحاياه ونزوع أميركا إلى الانتقام، وإنما لجهة الأطراف الأخرى- ومن بينها إيران- التي عقدت آمالها عليه، خصوصاً في ظل ما كان يعتقد بأنه انغماس أميركي في حروب عبثية، هو في حقيقته فرض للسيطرة جنى من خلاله الأميركيون ثمار عمل منظم، بدأ مع نهاية الحرب العالمية الثانية، وانتهى بانهيار الاتحاد السوفياتي وخروجه من دائرة حساب العظمة والاستقطاب.
حاول الإيرانيون كثيراً الاستفادة مما ظنوه «توهان» البوصلة الأميركية، وقدموا بين يدي جشعهم قرابين الأحزمة الناسفة، يلفونها على أعين المخدوعين ببشارات آخر الزمان في أطراف المعادلة الإسلامية، لكن غاب عنهم أن سعيهم ذلك لم يكن مشكوراً على الإطلاق، وأن الأرض التي فرشت أمامهم لم تكن سوى حقل ألغام واسع، في نهايته سد منيع، وأنهم مجرد سبيل يسلكه الأقوياء يحققون على ظهره مبتغاهم ثم يرمى بما كسبت يداه في مزابل الأوهام، كأن لم يكن.
إيران اليوم أمام مفترق طرق مؤداه واحد، لا مفر منه، بحر هائج في الداخل، جرّب عناوين التدين البراقة حتى لم تعد تغريه، وعدو متربص يستبيح كل ما يخرج منها بلا هوادة، أما المراكب فقد التهمتها نيران سنوات الضياع منذ اللحظة الأولى للثورة الخمينية.
في الواقع، أغلق مجال الملالي أمام التوسع في مشروعها النووي نهائياً، ويشهد العالم لحظات تمددها الأخيرة، أما السبيل الوحيد للخلاص فإنه تجرع سم الهوان والتقهقر، ثم رفع رايات الاستسلام للشارع الإيراني الذي استبدل الشيطان الأكبر بالمهدي المنتظر المخلص.
* كاتب سعودي
————- 
الحياة

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحيم حسن من السهل تحميل الاحزاب الكوردية في روآڤايي كوردستان مسؤولية الاخطاء وماآلت اليه الاوضاع كما انه من السهل اتهام الشارع الكوردي بالتقاعس واللامبالاة ولكن في الحقيقة الازمة التي تعصف بالمجتمع اكثر تعقيداً فهي نتيجة تراكمات واخطاء مشتركة بين الاحزاب السياسية والنخب الاجتماعية والثقافية والمجتمع نفسه.   لاشك ان الاحزاب الكوردية تعاني من ضعف واضح من حيث التاثير والحضور الشعبي….

إبراهيم اليوسف ها قد دخلت الاحتجاجات يومها السابع، واستطاع المحتجون المشغولون بأهلهم من المواطنين، من دون تفريق، أو بحث عن: وجاهة أو جاه، خلال أسبوع كامل أن يثبتوا أن المطالبة بحق المواطن في الرغيف حين تخرج إلى الشارع فهي أبعد من أن تكون صدى لمجرد جوع، لأنها تعكس أسئلتها الكبرى. أسئلة الكرامة، إنها نتاج تاريخ كامل من…

شادي حاجي بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام، تقف سوريا أمام لحظة مفصلية لإعادة تعريف شكل الدولة ونظامها السياسي. وبين أولويات الأمن وإعادة الإعمار واستعادة الاستقرار، يبرز سؤال لا يقل أهمية: ما هو شكل الحكم الذي يُراد لسوريا أن تتجه إليه؟ وهل يمكن الحديث عن بناء دولة ديمقراطية من دون حياة حزبية فعلية؟ صدر الإعلان الدستوري المؤقت بوصفه إطاراً…

د. محمود عباس تحريف قصيدة عدي بن زيد وتعويم الذاكرة الساسانية وفي السياق نفسه يمكن قراءة صعود البرامكة ثم نكبتهم سنة 187هـ / 803م في عهد هارون الرشيد. فالبرامكة، وإن جرى تقديمهم غالبًا بوصفهم عائلة فارسية من بلخ، كانوا في جوهرهم جزءًا من بقايا البيوتات الإدارية والسياسية والثقافية التي ورثت شيئًا من تقاليد الحكم في المجال الساساني الأوسع. ومن هنا…