لنضع النقاط على الحروف

الأمازيغي: يوسف بويحيى

قبل شهرين من الآن كانت لي مجادلة مع احد الاصدقاء الكورد على مفهومي “القدس” و “القلب” بخصوص كركوك ،كتبت الكثير من الملاحظات من أقوال الملا مصطفى البارزاني و مسعود بارزاني و جلال طالباني ،بالصدفة قرأت على منشور رائع على صفحة الأستاذ Lewend Hisên و كأنه قرأ ما في عقلي طبق الأصل.
عبارة “كركوك قلب كوردستان” تعني أن لا حياة للشعب الكوردي بدونها و بدونها لا يمكن الحديث عن مشروع تأسيس دولة كوردستان ،علما أن لا حياة بدون قلب ،كما لا يمكن أبدا التنازل عن عضو كالقلب و لا المراهنة عليه.
هذه القولة الراسخة التي تحمل في طياتها أبعاد تاريخية و مستقبلية تخص القضية الكوردية بشكل شامل ،يكفي فقط معرفة قيمة “كركوك” كي تعلم جيدا و تتضح لك صورة القضية الكوردية و المشروع القومي في إقليم كوردستان العراق.
كان لهذه القولة حدث تاريخي طريف جدا يدل على بساطة الرأي العام الكوردي أنذاك و مذى تشبته بالأرض و كوردستان ،جاء عندما إقترح المقبور “صدام حسين” على الملا “مصطفى البارزاني” التنازل على “كركوك” مقابل منح الحكم الذاتي للإقليم ،بينما طلب البارزاني الخالد مهلة أيام للتفكير ،ذهب إلى إحدى قرى “كركوك” في خرجة كالعادة فإذا به يجد رجلا كورديا راعي أغنام (بل جبل كوردي) لم يتعرف عليه و لم يكن يعلم ابدا أنه “مصطفى البارزاني” ،سأله البارزاني قائلا : ما رأيك في أن البارزاني سيتنازل لصدام على “كركوك” مقابل الحكم الذاتي؟؟ ،فأجابه الرجل : وهل “كركوك” ملك لأب البارزاني كي يمنحها لصدام!!! ،ٱبتسم البارزاني من حديث الراعي و ٱنصرف بعد أن القى عليه التحية متشكرا على كل شيء.
مباشرة من “كركوك” بعد حادثة الراعي رفض البارزاني رفضا قاطعا التنازل عنها قائلا “كركوك قلب كوردستان” ،كما ارسل في الفور وفدا إلى “صدام” لرفضه مقترح “كركوك” ،و بقيت قلبا في قلوب الكورد الحقيقيين إلى يومنا هذا.
من جهة اخرى أن لقب “القدس” على شيء غير القدس يفيد التقديس في حالة إن كان المتحدث داعية دينية أو قومي عربي ،أما من لا تتوفر فيه هذه الشروط فيجب التشكيك في نية قوله و تلقيبه للشيء بالقدس بالخصوص إن كان هذا الشيء أرضا و هذا الشخص سياسيا.
“جلال طالباني” لم يكن داعية دينية ،و لم يكن قوميا عربيا ،و الأجدر كان سياسيا ،يعني يتوجب على الجميع ان يشكك في قولة “كركوك قدسنا” او بالاحرى “كركوك قدس كوردستان” ،علما ان القدس ارض متنازع عليها عالقة بين إسرائيل و فلسطين التي باعها العرب بما فيها في المزادات العالمية للإمبريالية الصهيونية و الأمريكية و الأروبية (بغض النظر هل هي ارض عربية أم لا…).
تصريح “كركوك قدس كوردستان” رسالة واضحة تفيد تنازل القائل عليها و دمجها ضمن المناطق المتنازع عليها التي دونت كبند دستوري لعب نقطة قوة في يد العراق أنذاك و حاليا ،كما بطأت طموح الشعب الكوردي في تحقيق الإستقلال ،خيانة “جلال الطالباني” للشعب الكوردي في التنازل عن كوردستانية “كركوك” و ما تلا بعد ذلك إعلانه الحرب الأهلية الكوردية على العشيرة البارزانية لم تترك اي شك في التشكيك في نية توجهه السياسي ،زيادة إلى منح منصب رئاسة العراق لجلال طالباني تطرح ألف تساؤول و اكثر من قراءة علما أنه لو كان بنفس مكانة “مسعود بارزاني” لما منح له ذلك ،كما ان حقبته الرئاسية لم يستفد من خلالها إقليم كوردستان بشيء يذكر بمساعدته كرئيس (علما ان مسعود بارزاني تنازل له عن تولي رئاسة العراق).
بعد جميع خيانات “جلال طالباني” لبنود مشروع المقاومة الكوردية السياسية و المسلحة من فترة الملا “مصطفى بارزاني” إلى حقبة “مسعود بارزاني” لخصها هذا الأخير بمقولة “لست أنا الذي يخذل شعبه” كانت ردا و رسالة على “جلال الطالباني” و من معه بطريقة ذكية من تحت طاولة الأخوة.
اليوم بعد إجتياح الحشد الإيراني و قوات العراق إتضحت للجميع الرؤية عن ماذا كان يقصد مبدع اللغة العربية و السياسي البارع “جلال طالباني” من كلمة “كركوك قدسنا” ،بعد أن باعت عائلته ما تبقى مما لم يكن يستطيع بيعه في حياته كما باع العرب قدس فلسطين ،في حين مازالت كركوك قلب كوردستان في قلوب الكورد الحقيقيين و لابد لها ان تعاد إلى كوردستان مهما حصل.
العجيب أن في أوج الصراع الإيراني و العراقي كان “صدام حسين” يمجد و يحبب مواقف “مصطفى البارزاني” و ٱبنه “مسعود بارزاني” على أنهما ليسا إنفصاليين و لا يحاربان من أجل إدخال القوى الخارجية إلى كوردستان و العراق قاصدا منه الملشيات الإيرانية ،في حين ان “صدام” كان يعبر عن خباثة “جلال طالباني” و سياسته البراغماتية التي تواطئ و تراهن على كل شيء بما في ذلك الأرض ،على حد قول صدام “مسعود يشبه أباه ليسا إنفصاليين اما جلال إنفصالي صرف” قاصدا بأن البارزاني دائما يناضل على كوردستان و وحدة العراق من باب الأخوة و الصداقة التاريخية و حسن النية و ضمان الأمن و السلام بين الشعب العراقي و الكوردي ،شهادة تاريخية من عدو الكورد و البارزانيين على أخلاقية النهج البارزاني تثبت عظمة هذا النهج الشعبي الكوردي.
فكرة الإصرار على الإستفتاء كانت ضربة قاضية لأعداء كوردستان الخارجية و الداخلية ،علما ان ورقة الإستفتاء تفيد بعدين أولهما وطني كوثيقة تثبت على أن المناطق المتنازع عليها مناطق كوردستانية و لا احد يستطيع تغيير حقيقتهن التاريخية ،و ثانيهما تدويل القضية الكوردية عالميا على أنها قضية شعب و أمة و وطن ،عناد الزعيم “مسعود بارزاني” لكل القوى العالمية و الإقليمية على عدم التراجع او تأجيل الإستفتاء ليوم واحد كانت نقطة مدروسة ،علما منه أن القوى الغاصبة كانت تهيئ و في إستعداد للهجوم على كوردستان ،فمهما لم يقام الإستفتاء فالهجوم وارد و النتيجة نفسها التي نحن عليها ،المهم ان الهجوم حدث و ترك الإستفتاء مكسبا كبيرا للكورد ،علما ان نجاح الإستفتاء الكوردي بمثابة خسارة كبيرة للقوى الإقليمية و العالمية مهما حدث في “كركوك”.
الإنجاز التاريخي للإستفتاء هو بمثابة نصف الإستقلال و النصف الثاني سيأتي مع المستقبل ،فكوردستان قريبة جدا إلى الإستقلال.
نعم صدقت ايها الأمين “لست أنت من يخذل شعبه”.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس لم يكن البيان الذي أصدرته وزارة الثروات الطبيعية في حكومة إقليم كوردستان مجرد رد إداري على اتهامات أطلقتها وزارة النفط في بغداد، بل كان في جوهره محاولة لوضع النقاش في إطاره الحقيقي، بعيدًا عن السرديات السياسية التي تُصاغ أحيانًا لتغطية أزمات أعمق في بنية العلاقة بين المركز والإقليم. فالقضية المطروحة اليوم ليست مسألة تقنية تتعلق بتصدير النفط…

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…