انتصار ثورة الاستفتاء العظمى والحرب المفتوحة على كردستان!

إبراهيم اليوسف
 
قد يستغرب المتابع لما أكتبه- هنا- منذ بداية إقرار الاستفتاء، ومروراً بتطبيقه، وما نجم عنه، أن أكتب الآن- أيضاً- عن الاستفتاء نفسه، وقد حصلت مجريات كثيرة في مهاد الاستفتاء: كردستان الجنوبية، وماعدت أسميها: كردستان العراق، مادام أنه غدا عراق إيران، وتركيا، والطائفية،  لأن قرار شعب كردستان كان في صالح الاستقلال، وهذا يعني أن كردستان الآن، مستقلة، حتى وإن تأجل الإعلان عن ذلك، ، أو “جمد”، وقد جاء ذلك، ليس نتيجة نبوءة لما يجري من حقد طائفي، إقليمي، ضد وجود الشعب الكردي- فحسب- وإنما نتيجة قراءة لمقدمات سابقة، كانت بمثابة جرس الإنذار الذي التقطه الرئيس مسعود البارزاني، وراح يكثف  جهوده من أجل تنفيذه، مدفوعاً برؤيته النافذة!.
لم يدر الرئيس مسعود البارزاني انتباهاً إلى الأصوات التي حاولت أن تثنيه عن تنفيذ مشروع الاستفتاء، وكان همه الوحيد”جبهته الداخلية” لإيمانه، وقناعته، بأنها الأجدى، والأكثر أهمية، من منظوره، لاسيما وإنه ليس قائداً سياسياً- فحسب- وإنما هو قائد عسكري، وعلى دراية تامة بأن المعادلة الداخلية جد مهمة، لذلك فقد راح يعمل على استيعاب الأطراف المختلفة، كافة: إسلامين، واتحاد وطنيين، وسواهم، مهما كان ثمن ذلك، فلا منقصة في التنازل أمام أهل البيت الواحد. فقد كان يعلم أن هناك تحديات كثيرة تنتظر سفينة كردستان، وكانت يده على قلبه أن تشتعل الحرب من كركوك، في يوم الاستفتاء، إلا أن تأخر حصول الجهات التي أشعلت الحرب على كردستان على موافقة مخططها جعله يطمئن، أن الحرب التي لا مناص منها، لن تؤثر على حرب كردستان العظمى: الاستفتاء.
كثيرون، أخطؤوا عندما راحوا يصورون الأمور أن الرئيس البارزاني يعتمد على- ضوء أخضر- منح له، من هذا البلد، أو ذاك، لاسيما عندما رفض الانصياع لرسائل ورسل الدولة التي ترى نفسها وصية على العالم بأسره، وما هي في الحقيقة إلا حارسة، وراعية مصالحها في المنطقة- هذه الدولة التي تعاملت بثأرية على ضوء الجاري إلى الآن مع موقف الرئيس البارزاني- وهو ما ينطبق على موقفه الصارم من أغلب دول العالم التي تتقاطع مصالحها مع إبقاء الأمور في كردستان على حالها، لهذا السبب الداخلي لديها، أو لذاك السبب المنفعي، المباشر أو غير المباشر. وقد جاءت موافقة أمريكا لإيران وتركيا بالتحرك لاحتلال كركوك، بعد أن تم استجرار بعضهم من البيت الداخلي الكردستاني، إما نتيجة ثقافة كراهية مزمنة تجاه هولير، أو نتيجة ضلوعهم في مخطط معاد لتطلعات كردستان، ليكون ذلك أكبر رد على الذين روجوا لمفهوم الاستقواء الكردستاني، بالعامل الخارجي، وتأكيداً على عدم مساومة الرئيس البارزاني على قضيته، وحلم أبيه، والكردستانيين باستعادة كركوك وبعض أجزاء وطنه التي ظلت خارج حدود كردستان.
ومن بين هؤلاء الذين أخطؤوا من كان يتوهم أن الرئيس مسعود البارزاني قد قام بهذه الخطوة لصرف أعين من حوله عما سموها ب- المشاكل الداخلية- التي كان في إمكانه وضع حلول لها، إن كانت مطامحه محض شخصية كما ادعى هؤلاء، وليس عبر الإقدام على مشروع كبير- بل جد خطير- تطلب فيه رأسه، ورؤوس أفراد أسرته، أولاً، وهو العارف، ما الذي يمكن أن تؤول إليه الحرب من أمور، بل هو العارف بضغائن كل من يتم توجيههم من قبل بعض الدول المحتلة لكردستان، لاسيما إيران وتركيا، وقد كانت هناك ثمة حلول كثيرة لإرضاء كل من إيران وتركيا، إلا أنه لم يكن ليهمه إلا إرضاء ضميره القومي، والإنساني، والوطني، وضمائر أبناء شعبه، والتاريخ، باعتبار أن الخطوة التي قام بها، تسجل له، من قبل كل دارس منصف، غير مشوش الرؤى، أو غير مسلوب الإرادة، والذات.
لقد أثار الكثيرون من النخب الثقافية من البلدان العربية أو الإسلامية  مسألة رفع بعضهم- وهم أقل من أصابع اليد الواحدة- في إحدى التظاهرات الاحتجاجية التي تمت في الخارج، العلم الإسرائيلي، بالرغم من أن هذا العلم لم يكن ليرفع من قبل الجهات المنظمة، وإنما من قبل بعض- غير المعروفين-  ولربما كانوا من الكرد اليهود، وقد تناسى هؤلاء أن من حق أي كان رفع علمه في أية تظاهرة، وأن العلم الإسرائيلي غير ممنوع الرفع في أوربا، ناهيك عن أن بعض هؤلاء كان يثير مثل هذه النقطة- كما حالة روائي عربي”كبير” منفصم في رؤاه ومواقفه- وهو نفسه كان قد زار رام الله، قبل أيام من نشره للمقال الذي كتبه، وسار تحت  ظل العلم الإسرائيلي، متشرفاً به. ما يهمني قوله هنا: إن إسرائيل لم تتحرك عملياً لتقديم أي شكل من المساعدة للكرد، حتى بعد العدوان الثلاثي: الإيراني- التركي- العراقي، وهو يجسد أول تحالف للسنة والشيعة بعد ألف وأربعمئة سنة، ليكون ضد الكردي. شريك الجغرافيا والتاريخ والحضارة. شريك الألم والأمل. أجل. لقد اكتشف أمر هؤلاء المتذرعين برفع العلم الإسرائيلي، وهم يعلمون أن لهذه الأخيرة أتباعها، ومصالحها في إيران، كما أن لها مصالحها مع تركيا، ومع بغداد التي لم تحرك دبابة واحدة منذ احتلال القدس1948-ماعدا مشاركتها في حرب تشرين1973- حين عادت هي الأخرى، مهزومة…!
كما كان زمن الإعلان عن الاستفتاء جد دقيق، ومناسباً، فقد جاء بعد يأس حكومة الإقليم  في نجاح  تثبيت حقها الدستوري عبر جهودها الدبلوماسية مع حكومة بغداد، و اتباع كل سبل التفاهم مع حكومة المركز-هذه- لتنفيذ التزاماتها صوب الإقليم، إذ راحت هذه الأخيرة تمعن في فرض حصارها على  الإقليم، تنفيذاً لمخطط من قبل بعض الجيران، وشركاء التاريخ، الذين كانوا أول من أعلنوا الحرب على الاستفتاء، مع أنه يتم في حدود دولة أخرى، وليس ضمن حدود دولها، وباتت كل من إيران وتركيا تفرضان حصارهما على الإقليم، والتباهي ب” تجويع” و”خنق” الكرد، وقد جاء ذلك من قبل من يتباكي من حكام هاتين الدولتين على الحصار أو الحرب على أي مسلم في دول المعمورة، مع أن أكثرية شعب كردستان مسلمون.
لم أتحدث- هنا- عن البطولات التي أحرزها البيشمركة، ونحن، الآن، في اليوم العاشر من احتلال كركوك، إذ إن هذه البيشمركة والتي تمثل الجزء الأكبر من القوام العددي لهذه القوة الكردستانية- لا كلها- للأسف، مقابل قوة جيش يعتبر امتداد    حوالي مئة سنة من تاريخ العراق- الذي تأسس في العام1921-وهكذا بالنسبة للحضورالعسكري الإيراني، والتركي، غير أن هذه القوى التي تتحرك- بارتياح، ضد الكرد، تنهزم في كل معركة، بالرغم من أنها تمتلك أقوى، وأحدث الأسلحة الممنوحة لها من أمريكا وغيرها، بينما قوات البيشمركة في موقع الدفاع عن الذات، وهو ما أحدث الهلع في أوساط المتآمرين، داخلياً، وخارجياً، لأن موسم قطاف حصادهم لم يكن في الموعد الذي تصوروه، وأوله:  الضغط على”هولير” لفرض تنحي الرئيس مسعود البارزاني. إذ إن هذا الهدف يوازي لديهم أهمية اغتصاب المناطق المتنازع عليها، باعتبارهم يريدون كسر شوكة المقاومة الكردية في اللحظة الحالية، وهو ما يلتقطه البيشمركة، وكل شرفاء شعبنا، لاسيما بعد أن ردت بغداد” أن لا وقف لإطلاق النار قبل تنحي الرئيس البرزاني”، وهو تدخل خارجي في شؤون كردستان، كما أن مشروع سعي بعض الجيران الأشارى، لإبعاد الرئيس مسعود يعني إدراكهم لخطورة بقائه على حالة توزع  واحتلال كردستان وشعبها، باعتباره رمزاً قومياً كردستانياً، بلا منازع!
من هنا، فإن الالتفاف حول مشروع الرئيس مسعود، بالرغم من كل ما يمكن تسجيله هنا وهناك، على أبعاضهم، في الإقليم، نتيجة ظروف المرحلة، والحالة. وهو مشروع حلم كردستان، في الأصل، وبعيداً عن التشويش والتضليل المغرضين، أو الساذجين، ليعني المقاومة في سبيل استقلال كردستان، كما أن أي وقوف في وجه هذا المشروع- أية كانت دواعي وأسباب مثيري الأحاجيج و الذرائع- فهي تصب في خدمة المشروع الذي يستميت لأجله مرتزقة- الحشد الشعبي- والذي يدأب المدعو قاسم سليماني على تنفيذه، وهو في المحصلة محاولة لمواصلة مشروع استئصال الوجود الكردي. بعد أن تم الانتقال إلى الاعتماد على وسائل وأدوات أخرى، عقب فشل كل الوصفات الشوفينية، العنصرية، التي طبقت على الكرد، في أجزاء كردستان كلها…
إن نجاح الاستفتاء أكبر من أي انتصار، ولا يعوضه احتلال أي جزء كردستاني، بقوى مستعارة، لذلك فإن الدول الغاصبة لكردستان، تقدم التنازلات، في الاتجاهات كلها، شريطة إلغاء نتائج الاستفتاء الذي” لا يلغى” و يعد- وثيقة ملكية كردستانية- ليس لهذا الجزء من كردستان، بل لكردستان كلها، أنى أخل الشركاء- في أي جزء كردستاني- بالعلاقة المكفولة، والمفروضة، لا الافتراضية، مع الكرد، بموجب الدساتير والقوانين الدولية. من هنا، أن نقف إلى جانب- الاستفتاء- الذي لا توجد قوة  مخولة بمحوه ، أو إلغائه، يعني حفاظنا على النصر، وقد صار ملكاً، أو وثيقة عظمى، في متناول الكردستانيين، ولهذا فإن من كان وراء فرضه بات مطلوباً من لدن الجهات الغاصبة لكردستان، ولهذا- أيضاً-  نقرأ هذه الهستيريا، في الاستعداء على الرئيس مسعود-الذي يتخذه الكردستانيون رمزاً مقاوماً عملاقا في هذه الأيام العصيبة- وهوما يحتم علينا الوقوف إلى جانبه الآن- أكثر- لأن ما قام به يعني إحدى أعظم الثورات في تاريخ الكرد..!
26-10-2017
 
نشر في جريدة كردستان العدد571

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

التقرير السياسي لشهر تموز 2026 الإطار الإقليمي والدولي وتحولات المشهد الجيوسياسي تواصل الإدارة الأمريكية، في سياق سياساتها المعاصرة، إعادة هندسة أولوياتها الاستراتيجية في أكثر من بقعة حول العالم، بما يؤشر إلى ميلاد ظاهرة جديدة ارتبطت باسم رئيسها “دونالد ترامب”، تقوم على كسر الأعراف الدبلوماسية التقليدية لصالح مقاربة الصفقات المباشرة. وتلقي مذكرة التفاهم لوقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران بظلالها الثقيلة…

د. محمود عباس من المرحلة الانتقالية إلى حكمٍ بلا نهاية. قيل لفرعون: من فرعنك؟ قال: لم أجد من يردّني. وفي سوريا اليوم، تتكرر الحكمة بوجه أكثر خطورة؛ فحين ترفع بعض الشرائح السنية المتطرفة شعارات من نوع: «سوريا لنا إلى الأبد» و«نحن بنو أمية»، فهي لا تعلن شراكة وطنية، بل تبشر بفرعونية جديدة تستبدل طاغيةً بآخر، ومظلوميةً بهيمنة. فالشعب الكوردي ليس…

شكّلت المنظمة الآثورية الديمقراطية، منذ انطلاقتها، أول مدرسة قومية سياسية بين أبناء شعبنا السرياني الآشوري، إذ مثّلت أفكارها ومبادئها تحولاً نوعياً وثورة فكرية على البنى الطائفية والعشائرية التي كانت سائدة آنذاك. وقد حملت مشروعاً سياسياً وطنياً وقومياً يستند إلى قيم الحرية والحداثة، الأمر الذي جعلها تواجه مقاومة من مختلف القوى الاجتماعية والدينية التي رأت في مشروعها تهديداً لمصالحها ونفوذها. وكان…

اكرم حسين يظلّ الطرح الهام للدكتور عبدالحكيم بشار في مقاله “نحو مراجعة جذرية للوضع الكردي في سوريا”، بحاجة إلى آليات تنفيذية واضحة، وإلا تحوّل إلى نخبوية فكرية لا تتجاوز صفحات التواصل الاجتماعي . فالسؤال الأكثر إلحاحاً اليوم ليس “هل نحتاج إلى مراجعة؟” لأن ذلك قد بات بديهياً، بل “كيف ؟ ومن سيقوم بهذه المراجعة؟”. إن تجارب المراجعات في الحركة الكردية،…