العبادي يخبّط يخبّص..

م. محفوظ رشيد 

عُيّن حيدرالعبادي رئيسا للحكومة العراقية خلفاً للمالكي الغارق في الفساد والاستبداد بعد توافقات عسيرة ومريرة, الشيعي- الشيعي أولاً, الشيعي- الكوردي ثانياً, الِأمريكي- الايراني ثالثاً, على أمل تطبيق الدستور وقيادة العراق ليستعيد عافيته وموقعه الطبيعيين إقليمياً ودولياً..لكن انحيازه الطائفي للمشروع الشيعي الذي تقوده إيران جعل منه أداةً لتنفيذ أجنداتها, وتسخير كل طاقات وعلاقات العراق من أجلها..
    وصل به الحد بزجّ البلاد في حرب أهلية (طائفية-عرقية) على نهج صدام في استباحة المحرمات الوطنية والإنسانية من قتل وتدمير وتشريد إنطلاقاً من نزاعات إنتفامية واقصائية ذات رجعيات تاريخية دموية متخلفة(كما حصل في المناطق المشمولة بالمادة الدستورية140 ومناطق العرب السنة، والتي من شأنها دفع العراق والمنطقة إلى المزيد من التفكك والتناحروالإنحطاط، والمزيد من الهدر في المقدرات والثروات، واضاعة فرص الأمن والسلام..
وما تحركاته الأخيرة وزيارته المكوكية للعواصم المجاورة إلّا دليل على إخفاق سياساته وتفاقم أزماته وإنسداد مسالكه وعقم طروحاته، كما أن استنجاده واستعانته بالخارج للتدخل في شؤون بلاده تعدّ واضح على السيادة وانتهاك صارخ للوطنية بكل معانيها، تُصنّف تحت عنوان الخيانة وتبعاتها وعقوباتها…
    ثم إن رفضه للحوار الداخلي واللجوء إلى الحلول العسكرية باتفاق مع الدول الإقليمية في التعامل مع الملف الكوردي يحاول من خلاله إعادة التاريخ المأساوي مهزلة ووبالاً هذه المرة, فتجارب الطغاة السابقين له (قاسم وعارف وصدام) أثبتت فشلها وعقمها بالرغم من استخدامهم لأبشع وأفظع الوسائل والأسلحة المحرمة دولياً (في كوردستان) كالأنفال والكيماوي في ظل ظروف دولية كانت أكثر مواءمة لها, فقد ماتوا جميعهم ولم يجنوا من اجرامهم سوى الخزي والعار، وكوردستان مازالت حية باقية تنتصر يوماً بعد يوم…
   وكذلك يتغابى العبادي ويتجاهل إرادة الدول العظمى وقدراتها في التحكم بمصير العالم وتنفيذ مشاريعها المقترحة، ومنطقة الشرق الأوسط بحكم أهميتها الجيوسياسية فهي مرشحة للتفكك والتقسيم ضماناً لمصالحها الاستراتيجية، وكوردستان ستكون حرة مستقلة (شاء أو أبى) وصمام الأمان في الترتيبات الجديدة للمنطقة, لاسيما بعد تكثيف الحلفاء بقيادة أمريكا لحضورها العسكري والتعاون والتنسيق مع  قوات البشمركة الكردية في محاربة داعش دفاعاً عن المنطقة والعالم من الإرهاب، وقد أثبتوا كفاءتهم في المقاومة والحماية، وجدارتهم في ترسيخ مبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وإرساء مبادئ التسامح والتعايش والعدل والمساواة من خلال تجربتهم العملية الرائدة في إدارتهم الذاتية(الفدرالية) في مناطقهم وهذا موضع دعم وتقدير لدى الرأي العام العالمي..    
    كما أن حماقة العبادي في تبسيط الخلافات والتناقضات الاستراتيجية القائمة بين أطراف الصراع الإقليمية والدولية، وإزاحتها ولو مؤقتاً لدعم حربه المعلنة ضد كردستان، تؤكد قراءته الخاطئة والساذجة للأحداث والمواقف المعلنة تجاه الاستفتاء، فالصراعات (الشيعي- السني، العربي- الفارسي، العربي- التركي، الأمريكي- الإيراني، الأمريكي- الروسي،..) على أسس دينية أو سياسية أو اقتصادية لا يمكن حلها وحسمها في كردستان (بالرغم من موقعها المترابط وملفها المتشابك مع كافة الأطراف المعنية التي جعلته ميداناً لتصفية الحسابات وعقد الصفقات على حساب تطلعاتها ومقدراتها). 
    وستبقى تلك القضايا قابلة للتفجير في أية لحظة وإعادة الأمور إلى المربع الأول, كما أن تحسس وتعنت بعض الجهات تجاه اتفاقات العبادي في عواصم خصومها تنذر بنقل المواجهات إلى عمق تلك الدول (فعلى سبيل المثال تشكيل مجلس التنسيق السعودي- العراقي يغضب ايران كثيراً، فهي تعتبر العراق تحت ولايتها وأي تنازل للعرب السنة يعتبرخروجاً عن الطاعة يستدعي العقاب، وكذلك دعوة العبادي لخروج ميليشيات ايران من العراق مسايرة للطلب الأمريكي لاقت رفضاً شديداً من طهران، لابل أسرفت في تعدادها وتسليحها وتحركها خارج أوامره), وكذلك تجاوزه للخطوط الحمراء الإيرانية (تجاه تركيا والسعودية) والأمريكية (تجاه كوردستان وروسيا) سيجعل الأمور تسير لا كما يشتهيه, لذلك فهو في تخبّط وتخبيص, فالعوده إلى الحضن(المحور) العربي يعني مواجهة المشروع الإيراني الشيعي والذي يعتبر العبادي جزء منه, وهكذا فالتعمق في أي مسار يكون على حساب المسارات الأخرى وستعرضه للضغوط، وهذا ما أجبره بالتفكير بتصدير أزمته وافتعال الخلافات مع كوردستان وشن الحرب عليها للتغطية على عجزه وفشله في التصدي للقضايا والمسائل الوطنية على الصعيد الداخلي والخارجي وحلها, وهذا ما يجعل مصيره وحكومته على كف عفريت, ويدفع بالمنطقة إلى المزيد من الصدامات والكوارث..
 والخطأ الجسيم والقاتل الذي يقترفه العبادي هو تجاوزه للخطوط الحمراء الوطنية وسد الأبواب أمام جميع المبادرات والمحاولات للعودة إلى الحوار الوطني لمعالجة كافة الخلافات العالقة بين هولير وبغداد بعد اعتماده الحرب الشعواء ضد جزء من العراق بأرضه وشعبه متجاوزاً كافة الخيارات التي يقرها الدستور العراقي, وضارباً عرض الحائط  جميع قواعد وأواصر الأخوة والشراكة في الوطن، مجبراً كوردستان على فضها وإعلان استقلالها مهما تكلفها الثمن والضحايا..وغداً لناظره قريب..
27/10/2017
————–  انتهت   —————

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…

عنايت ديكو بعد الانتصارات الكوردستانية اللافتة في الانتخابات العراقية، وصعود نجم الحزب الديمقراطي الكوردستاني مجدداً، حاولت تركيا وإيران، إلى جانب الجماعات الشيعية والسنية العروبوية في العراق، تطويق هذا الانتصار القومي والتاريخي الذي تحقق لـ هولير، لما يحمله من دلالات استراتيجية تعيد الاعتبار للمشروع الكوردي بوصفه رقماً صعباً في معادلات الإقليم. ونتيجة لهذه الاستحقاقات وتأثيرها المباشر على كوردستان سوريا،…