أنؤجّل الاستفتاء لنرضي أعداءنا؟

إدريس سالم
ما أول شيء يجب القيام به إذا ما أقحمت نفسك في مأزق ما؟
الإجابة الواضحة لهذا السؤال ليست في التوقف الفوري عن الاستمرار في المأزق، لأن الذي يعمل على أي شيء يخصّه دون دراسة مسبقة فحتماً سيجد نفسه في نهاية المطاف في حفرة مظلمة لا ثقوب فيها، والرئيس مسعود بارزاني وقيادة إقليم كوردستان درسوا مشروع الاستفتاء واستخلصوه بشكل شرعي من سياستاهم الحكيمة وتجاربهم المريرة السابقة مع المجتمع الدولي والحكومة الاتحادية. ففكرة إجراء الاستفتاء ليست فكرة شاذة وغريبة أو قضية مثيرة للجدل من حيث عاملي التوقيت والظرف غير المناسبين، الغرابة ستتحول إلى شذوذ قاتلة لو فكّر الإقليم في تأجيل الاستفتاء أو إلغائه تحسّباً لعاملي التوقيت والظرف غير المهيّأ وإرضاء دول الجوار كإيران وتركيا ممَن على شاكلتهم. 
يقول الكاتب والصحفي الإيراني أمير طاهري: “… إن كان مقصد أحدهم من وراء الاستقلال الكوردي تأمين أدوات إقامة الدولة الكوردية المستقلة، فإن المحافظات الثلاث المكونة لإقليم كوردستان لا ينقصها أي من هذه الأدوات؛ فهناك رئيس للإقليم، وهناك رئيس الوزراء، ومجلس الوزراء، والبرلمان المنتخب، والجيش، والشرطة، وحتى السفارات الافتراضية الممثلة للإقليم في مختلف العواصم الأجنبية الرئيسية. كما أن الإقليم يملك رمزيات الدول المستقلة ذات السيادة، من العلم الوطني والنشيد الوطني”.
إذاً هو يؤكد على أن الكورد أخذوا كامل حقوقهم، والواجبات التي تقع على عاتقهم في الوقت الراهن هو التعايش مع دولة موبوءة حتى النخاع بالقتل على الهوية بمساعدة ثعابين سامة تلفّها وتنمو فيها رؤوساً لا ذيول لها. ليسأل طاهري نفسه هذا السؤال وهو من قومية تضطهد الكورد يومياً وبشكل همجي وتحارب السنّة أينما كانوا “هل الإيرانيون حكومة وشعباً يقبلون أن يحكمهم شخصية سنية معتدلة أو امرأة شيعية؟”، فإن قبل شيعة إيران على العيش المشترك الأخوي الآمن والمسالم مع السنّة، عندها فالشعب الكوردي في الإقليم سيقبل بالعيش مع العراقيين من مبدأ دولة المواطنة ومحاصصة عادلة. 
إن الدول الأوروبية الفاعلة على مستقبل الشرق الأوسط وكذلك دول ذاك الشرق والمنظمات الدولية التي تطلب من رئيس إقليم كوردستان مسعود بارزاني تأجيل أو إلغاء الاستفتاء يبدو تماماً أنها غير مكترثة بمصداقية التجربة السياسية في العراق وتعنّتهم لتنفيذ ما على عاتقهم من وعود وعهود، ومستمرة في دعم النظام الطائفي في العراق «نظام يُدار في أروقة القم الإيراني» بحجة محاربة الارهاب «أين كانوا يوم مارس صدام حسين الإرهاب على الكورد؟». 
صحيح أن إقليم كوردستان منفصل أو لنقل أنه شبه مستقل، لكنه يعرف مواضع الخلل والعلل في نظام الحكم في العراق، وحاول منذ 2005 أن يساهم في حلها بالحوار الوطني المفتوح والسري، لكن الأمر الذي جعل القيادة العراقية لا تعطِ أي اكتراث لذاك الحوار واستمرارها في ممارسة سياستها الخاطئة والفاشلة هي اعتقادها أن هناك الكثير من الدول تقاتل نيابة عن العراق، وأنهم سيحمونها من أي شرّ، وستتوقف في وجه طموحات الكورد في الاستقلال، ومن هذه الدول إيران، التي تعمل ليل نهار على جعل العراق دولة دينية شيعية لا مكان للمدنية والتعددية والديمقراطية فيها، وتدمير وتخريب كل البنى التحتية التي تتعلق بالسنّة.
إن إصرار حكومة الإقليم على الاستفتاء جاء في وقت أحكم فيه حكومة حيدر العبادي الطائفية الحصار على الموظفين الذين لا حول لهم ولا قوة، وأعدادهم يتجاوز المليون أو ربّما أكثر، بالإضافة إلى حصار بغداد على المحاصيل الزراعية، وعدم دفع ميزانية قوات البيشمركة، وممارسات نوري المالكي غير الإنسانية «همّه الأول إرضاء إيران وليس الشعب العراقي» وإزاء هذا الحصار الخانق على الشعب الكوردي لم يكن أمام القادة الكورد إلا البدء بإجراءات الانفصال القانونية والشرعية، خصوصاً بعد التقاعس الدولي من الضغط على الحكومة الطائفية في بغداد في إزالة هذا الحصار غير الإنساني، لذلك نجد الكورد يقفون صفاً واحداً مع القيادة «عدا بعض النفسيات الضعيفة من الكورد من عملاء ملالي إيران وسفّاحي دمشق»، لذا لا يوجد لدى الكورد ما يخسرونه عدا حياتهم، وهي أهون لديهم من الموت البطيء جوعاً وتجديد معاناة الأنفالات والتهجير القسري وجرائم الجينوسايد وبأشكال وأساليب مبتكرة. 
وليعلم كل مَن يقف ضد حرية الكورد في الاستقلال أن تعقيدات المشكلة الكوردية لا تأتي من الاستفتاء أو من استقلال جزء منه، بل تعقيداتها في مقسّميها، الذين يفتقرون إلى أدنى القيم الإنسانية «كيف تحسّ بإنسانيتك، وأنت تنكر حقاً على غيرك، وتتمتع به؟». فأين هي مواقف المنظمات الدولية ومجلس الأمن عندما قام صدام حسين بحملة الأنفال واستخدم الأسلحة الكيميائية ضد المدنيين الآمنين في حلبجة؟ لماذا يعتبرون هذا الاستعداد الجماهيري للاستفتاء بأنه معضّلة ومأزق خطير وبأن الوقت غير مهيأ ويجب العدول عنه؟ «أيخافون من القوميات التي في بلادهم من الانتفاض ضدّهم ومطالبتهم بحقوقهم؟» عليهم أن يدركوا جيداً أن المأزق الحقيقي هو البقاء ضمن دولة يحكمها ميليشيات طائفية شيعية وشوفينية «تشرعن لنفسها ما لا يُشرعَن»، التي تحاول بكل الوسائل لجرّ العراق مرة أخرى إلى صراع وحرب طائفية، فالانفصال مهما كانت نتيجته فهو أفضل من البقاء في بلد يقتل أبنائه الأبرياء يومياً على خلفيات دينية عرقية، وإرضاء الأجندات وحماية مصالحها ونفوذها. 
خلاصة الحديث وهي حقيقة مرة ويجب أن ندركها لنتخلص منها، هو أن في الحروب لا حرمة للدماء ولا قوانين تنظمها، بل هناك خطط وأدوات وأجندات تسيّرها كيفما شاءت، وما يمكننا حقاً فعله هو فصل الجذع عن الرأس بأمور كثيرة، وأهم ما نريد قوله هو أن الكورد يريدون تثبيت الانتماء لوطنهم كوردستان وليس للوطن العربي، بقاعدتي الحق المقدس والحرية في العيش الآمن، فإما أن يموت كل الكورد أو يعيشوا على أرضهم. 
كاتب وصحفي كوردي

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

امين كلين عفوا ياسادة الافاضل : يتحدثون عن تشكيل المرجعية الكردية في سورية ، في الدول الديموقراطية مجلس النواب هو المرجع الاساسي لانه منتخب من الشعب ( ليس معينا ، فالمعين لايصبح مرجعا ) قبل عام وتيف ( 26 نيسان 2025 ) اتفقت أطراف كردية كثيرة على عقد كونفراس شامل وشكلوا وفدا برأسين ( دليل عدم التوافق ) وتحت قيادة…

جان دوست ما يمكن أن يعتبرها البعض صحوة وعودة وعي ومراجعة بعد هزائم قسد وانهيار نظام الإدارة الذاتية في سوريا، لم تصل ارتداداتها بعد إلى بيئة حزب العمال الكردستاني في سوريا. ما زال هؤلاء مؤمنين ب-“فلسفة” أوجلان ومعتقدين أن “تكتيكات” حزب العمال ناجحة في كل زمان ومكان. صعب على هؤلاء تصديق أن “فكر القائد” يعيش مراحله الأخيرة وأن الوظيفة انتهت…

خالد جميل محمد لم يَعُدِ الترويجِ للقُبحِ أمراً عَارِضاً، بل بات ظاهرةً ومقياسَ عصرٍ ينتشي بفسادِه، ويتباهى بالزيف والنِّتاجات الردئية، (في الأخلاق، السياسة، العلاقات، الأدب، الكتابة، الفنّ، الثقافة والإعلام..)، ويكافئ منتجي القُبحِ الماضِين في تدمير قيم الجَمال الحقيقي، جملةً وتفصيلاً، حتى صار منتجو الجَمال الحقيقي يشعرون بالخجل ممّا لديهم من إبداع ثمين، ويُفرَض عليهم التواري لِئَلّا يكونوا عرضة للاستخفاف بهم…

في لحظة تاريخية دقيقة تمر بها القضية الكوردية في روجافا/كردستان سوريا، حيث تتقاطع التحديات الداخلية مع التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، لم يعد التشتت خياراً، ولم يعد الانقسام تفصيلاً يمكن تجاوزه. إن ما يواجهه شعبنا اليوم يتطلب مستوى غير مسبوق من الوعي والمسؤولية الوطنية. لقد أثبتت التجارب أن غياب الرؤية الموحدة وتعدد المرجعيات السياسية يضعف الموقف الكوردي، ويفتح الباب أمام التدخلات…