استقلال اقيم كردستان لماذا كل هذا اللغط ؟

حواس محمود
تثار قضية الكرد في المنطقة دوما ليس بصفتها قضية شعب على أرضه التاريخية وانما كونها تؤدي الى تقسيم دول المنطقة وبخاصة الدول التي تعاني من هذه القضية والتي تتضمن أراضيها أجزاء كردستان الأربعة ، والمقصود بالدول : العراق تركيا ايران سورية . 
هناك امر غريب ومثير للدهشة الفكرية والقانونية ، وهو ان هذه الدول ومعها الكثير من الأصوات الثقافية والسياسية تتعامل مع هذه القضية كعامل انقسامي دون النظر الى المعاناة التي عاناها الشعب الكردي في الاجزاء الأربعة طيلة اكثر من قرن من الزمان ، وهنا ينبثق تساؤل كبير ومحير لكل كردي وهو طالما ان هذه الأصوات لم تهتم بما تعرض له أبناء وبنات الشعب الكردي ولم تحاول ان تقوم بممارسة النقد للسلطات الحاكمة ( والتي اذاقت الشعب الكردي ويلات المجازر والانفالات والتهجير القسري ومنع التكلم باللغة الأم – الكردية – وإجراءات أخرى كثيرة كالإعدامات والسجون ومنع السفر والمضايقات الأمنية وفصل الطلاب والطالبات من المدارس والجامعات ومنع عيد نوروز القومي المصادف 21 آذار من كل سنة ) 
فلماذا اذن تحتج على خطوته الراهنة بإجراء الاستفتاء ومن ثم الاستقلال عن العراق ؟ !، كان يمكن للكردي الموضوعي أن يصدق الحجج التي يدفع بها مثقفو الدول المذكورة لو كان هؤلاء قد حاولوا الدفاع عن الكرد وحقوقهم المواطنية ضمن الدولة الواحدة اما وقد ذيق الكرد كل الوان العذاب وضروب القهر واشكال التمييز اللغوي والقومي فإن الامر اشبه بمن يحفر في الصخر إزاء عملية اقناع الكرد بأن استقلال جزء كردستاني هو مضر بوحدة البلد سيما وان البلدان المذكورة اثبتت انها بلدان فاشلة على كل المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ، وفشل لا بل اعدم وجود دولة المواطنة ، فان كان الكردي قد حرم من المواطنة في الدولة الاستبدادية التي يعيش في كنفها فكيف له ان يستمر وهو مضطهد قوميا ؟ إضافة الى ذلك ما هي عوامل الجذب التعايشي- ان جاز التعبير – ضمن اطار الدولة المركزية بكل سلبياتها وفي ظل استفحال الصراعات الطائفية والمذهبية والدينية وبروز داعش كتنظيم إرهابي مار س ويمارس الإرهاب والقتل والعنف في اقصى درجاته ضد كل مختلف معه ايدويولوجيا – مذهبيا – دينيا وحتى قوميا 
اعلان الاستفتاء 25 الشهر الجاري اعلان مشروع ومحق لشعب كردستان العراق اما عملية التخويف من ان الكرد سيتعرضون للمضايقات والمحاصرة من الدول الإقليمية المحيطة فهذا يعتبر كلمة حق يراد بها باطل ، الموقف الموضوعي لا يكون بهذا الشكل ، انما يكون بالاعتراف بالخصوصية الكردية والحرص على البقاء ضمن الدولة الواحدة بطريقة تعايش شعبين ضمن بلد واحد وبمساواة كاملة دون وجود أي تفريق او تمييز وبغياب التمييز القومي والصراعات الدينية والمذهبية وبغياب العنف والعنف المضاد وابعاد التدخلات الإقليمية وبخاصة التدخل الإيراني والتركي في شؤون سورية والعراق . 
ستظل القضية الكردية تؤرق دول المنطقة وستنزف كل طاقاتها وستبقى شعوبها تعاني العوز الاقتصادي والفساد الإداري والدكتاتورية السياسية والعسكرية وسنستمر بالتعرض للانقسامات الاثنية والدينية والطائفية ، لأن البنية التي قامت عليها هذه الدول بنية هشة قائمة على تفرد مجموعة او عصابة التقت مصالحها معا لامتصاص خيرات هذه البلدان ، وسيرت دولها بأسلوب استبدادي متخلف جدا وبعيد جدا عن اطر التنمية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ، انها اتقنت فن الضرب الكاذب للشعارات القومية وبخاصة في سورية والعراق او الإسلامية كما في ايران او العلمانية كما في تركيا . 
يشار هنا الى موقف متميز وواقعي للتيار السني العراقي شاهدته من خلال فيديو على اليوتيوب حول احقية الكرد بالاستقلال وهذا الموقف تعجز عنه العديد من التيارات والشخصيات التي تدعي الديموقراطية والعلمانية وهو موقف لم يكن متوقعا من هذا التيار في ظل اللغط والكلام الكثير عن هذا الحدث التاريخي الكبير 
وما هو اكثر غرابة من مواقف دول المنطقة والأصوات الثقافية الناقدة لخطوة الاستفتاء وبالتالي الاستقلال ما عدا استثناءات قلية جدا لمن امتلك ضميرا حيا لقول الحق والحقيقة ، أقول ما هو اكثر غرابة هو الموقف السلبي لبعض الأحزاب والتيارات والأشخاص الكرد من هذه الخطوة الجريئة فهذا لا يمكن تفسيره الا بأنها متأثرة بمصالح مادية بحتة مع الدول المسيطرة على أجزاء كردستان ، وهي بهذا الموقف تضرب الحق الكردي المشروع ( والمتناسب مع المرحلة التاريخية الراهنة وانتشار الفوضى الهائلة في الدول التي تتضمن أقاليم كردستان ) في الصميم 
لأن الفرصة الآن تاريخية ونادرة فان فاتت الفرصة فقد يحتاج الكرد الى قرن إضافي جديد للعودة من جديد لإقامة دولة كردستان ، باعتبار ان التجربة السابقة كانت كافية الى حد لا يمكن معه ان يقنع الاخر الكرد بالبقاء معه ضمن اطار الدولة الواحدة في ظل الظروف والتطورات الراهنة . 
ولكن ومع كل ما ذكر فإن الامر يتطلب من قيادة إقليم كردستان الحذر ودراسة الخطوة ان تم تنفيذها أي الاستقلال بشكل جيد ، وأعتقد أن الحاجة ماسة لاستراتيجيين وخبراء سياسة وباحثين ومثقفين كرد من الأجزاء الأربعة لكردستان لكي يتباحثوا الأمر فيما بينهم ، بعيدا عن أجواء التهليل العاطفي والشعاري لأن الخطوة كبيرة ومهمة ويكتنفها الخطورة ولو بأشكال مخفية ومراوغة في ظل الاعتراضات الإقليمية والتحفظات الأميركية .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

جان دوست ما يمكن أن يعتبرها البعض صحوة وعودة وعي ومراجعة بعد هزائم قسد وانهيار نظام الإدارة الذاتية في سوريا، لم تصل ارتداداتها بعد إلى بيئة حزب العمال الكردستاني في سوريا. ما زال هؤلاء مؤمنين ب-“فلسفة” أوجلان ومعتقدين أن “تكتيكات” حزب العمال ناجحة في كل زمان ومكان. صعب على هؤلاء تصديق أن “فكر القائد” يعيش مراحله الأخيرة وأن الوظيفة انتهت…

خالد جميل محمد لم يَعُدِ الترويجِ للقُبحِ أمراً عَارِضاً، بل بات ظاهرةً ومقياسَ عصرٍ ينتشي بفسادِه، ويتباهى بالزيف والنِّتاجات الردئية، (في الأخلاق، السياسة، العلاقات، الأدب، الكتابة، الفنّ، الثقافة والإعلام..)، ويكافئ منتجي القُبحِ الماضِين في تدمير قيم الجَمال الحقيقي، جملةً وتفصيلاً، حتى صار منتجو الجَمال الحقيقي يشعرون بالخجل ممّا لديهم من إبداع ثمين، ويُفرَض عليهم التواري لِئَلّا يكونوا عرضة للاستخفاف بهم…

في لحظة تاريخية دقيقة تمر بها القضية الكوردية في روجافا/كردستان سوريا، حيث تتقاطع التحديات الداخلية مع التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، لم يعد التشتت خياراً، ولم يعد الانقسام تفصيلاً يمكن تجاوزه. إن ما يواجهه شعبنا اليوم يتطلب مستوى غير مسبوق من الوعي والمسؤولية الوطنية. لقد أثبتت التجارب أن غياب الرؤية الموحدة وتعدد المرجعيات السياسية يضعف الموقف الكوردي، ويفتح الباب أمام التدخلات…

عبدالجبار شاهين أحياناًعندما ننظر إلى واقعنا السياسي اليوم يصعب تجاهل شعور متراكم بأن الامور لم تعد مجرد اختلافات سياسية عادية. هناك شيء أعمق تشكل مع الوقت نوع من الانقسام الذي تسلل إلى طريقة التفكير نفسها وليس فقط إلى المواقف. كثير من الناس خاصة الاجيال التي نشأت في ظل هذا المشهد أصبحوا يعرفون انفسهم أولا من خلال الانتماء السياسي قبل…