جناية استفتاء الاستقلال ونهاية التاريخ الكردي «5» أقصى التشاؤم بوصفه أول التفاؤل

ابراهيم محمود
ككُردي، متشائمٌ أنا وأي تشاؤم، حين تسألني عما يجري بين الكردي والكردي. ككردي متشائم وأي تشاؤم، حين تطالبني بتعريف مبسّط لصورة الكردي السائدة، ككردي متشاؤم  وأي تشاؤم، حين تطلب مني أن أصف ما يجري بين المعتبَرين ساسة الكرد في الجهات الأربع، ككردي، متشاؤم، وأي تشاؤم، حين تستفسر عن رأيي في مصير الكردي…سوى أنني إثر كل هذه التشاؤمات لا أسمح لأي كان في أن يقلّل من تفاؤلي عن أن شعباً إذا أراد حياة حرة إلا ويحققها.
مقصد الكلام، ما يدور من كلام راهن، حيث يتحسس كرد منا جيوبهم، وهم يدققون في حساباتهم البنكية أو المصرفية، وأي طريق يحدده الكردي لنفسه ولعائلته عند اللزوم، إذا اشتد حصار الأعداء على أرضه ووطنه، وهو يتأفف مما يجري، وعن أن الكرد كانوا مرتاحين حتى الأمس القريب، فلماذا هذا الإجراء: الاستفتاء في غير موعده” هل لدى هذا الكردي موعد مفكَّر فيه ؟ “، والأعداء من الجهات كافة، وليس من طاقة في محاربتهم، فأين المفر؟
هؤلاء الكرد ليسوا متشائمين بالتأكيد، لأن التشاؤم لا ينفصل عن تصور عقلي، إنما منخرطون في لعبة المال وعدم النظر إلى الأمام، وعدم تقدير موقف الأعداء مما يحصل في بيت الكردي ومحيطه، وبيت جاره، وفي الطريق الممتد بين بيته والحديقة والسوبرماركت….الخ، حيث الأخبار ترِدُ الكردي أول بأول ” تباعاً “، وهنا يكمن جبن الكردي، هزيمة الكردي في نفسه، ضعفه أمام حساباته، كما لو أن حساب جيبه أكبر من حساب الوطن الذي ينتمي إليه، ناسياً أو متناسياً أن من المستحيل أن ينهض الكردي في حسابه القومي، وتفكيره القومي، وتماسكه القومي المشروع، إن لم يتحرر من تلك الصورة القميئة، المشوهة، البائسة التي تسمّيه في عقر داره النفسية، ولأعدائه الأعداء دور كبير في إنتاج هذه الصورة، لأعدائه الذين هم في نسبة كبيرة منهم نتاج توهمه عن أنهم لا يقهرون .
من المعروف أنه في أقصى حالات اليأس أحياناً تنهض قوة احتياطية في نفس المرء وهي تباغته هو بالذات، طالما أنه لم يحسب حساباً للقوة الكامنة داخله، ولا بد أنها القوة التي لا تعنيه هو نفسه فقط، أي باعتباره فرداً، وإنما تكون مجموع القوى التي يلتحم فيها الجميع، وإلا فإنه علينا في الحالة هذه، معرفة كيف تتشكل الثورات، ومن أين تبدأ، وإلى أين تمضي وتتوقف، ومن هم الذين يشكّلون لحمتها، وكل منهم ما كان يتصور أن الذي يتحرك بثقة، وتفاؤل هو نفسه الذي كان قبل قليل من الزمن، وهذه تعتبَر أخطر خطوة يحسب لها الأعداء حساباً، ويتخوفون منها: الاستجابة للقوة الكامنة في الفرد، وتحويل اليأس إلى أمل، أو التشاؤم إلى تفاؤل، حين نكون إزاء النهر الجماهيري أو الشعبي، ولا بد أنه سيربك الأعداء، لا بل سيخيفهم ويجبرهم على ضرورة مراعاة حساباتهم قبل الإقدام على أي خطوة رعناء تكلفهم الكثير.
لا شيء يحرّك الأعداء، ليقدموا على خطوة مدمّرة، أكثر من نظرتهم إلى من يريدون النيل منهم، واسترداد حقهم: الكرد هنا، إذ يرونهم شيعاً، ولا شيء يخيف أعداء الكرد اليوم أكثر من مخاوفهم من أن لا يعود كرديُّ اليوم كرديَّ الأمس وهو يجيد التحدث بلغات شتى، لغاتهم، ولغات أخرى، أكثر من  متابعتهم له في ظهوره الموحد وهو يتكلم بلغة لطالما حوربت، ويثبت نظره على هدفه القومي، لطالما أراق أعداء الكردي  دماء ألوف مؤلفة من بني جلدته، بغية الحيلولة دون التفكير فيه فكيف بالتحرك نحوه.
لا شيء يفزع أعداء الكرد مجتمعين أكثر مما يتلمسونه في الكرد اليوم وهم في محاولتهم لأن يكونوا كرداً لحسابهم، وبحسابهم، وليس خدَماً” مَوال ” كما كانوا حتى الأمس القريب جداً . 
حين يفكر الكردي في وضعية كهذه، لا يعود الكرديَّ المهزوم، المنكسر، ولا يعود الكردي الذي يتحسس نقوده في جيبه، إنما يتحسس وطناً يتشكل على مقياس حلمه الوطني والقومي الكبير،  وأن الذي أعطى الإشارة بالاستفتاء، لا بد أنه تخلى عن أشياء كثيرة، قد تكلّفه الكثير، سوى أن هذا الكثير لا يعتد به مقابل فكرة عظيمة، خالدة بقيمتها: الوطن الموعود والمشروع.
المطلب إذاً: كيفية الاستجابة للقوة المختزنة في الداخل، والتحرك ومن ثم الالتحام بنهر الشعب، أم إن دبق الأعداء الذي يجلب الذباب اللاسع والمميت أحياناً، أطيب حلاوة من عسل وطن، هو حلم تاريخي حلال، يشفي عللاً كثيراً، كما يخرج بالكردي إلى واجهة التاريخ .
فهل لدى الكردي إرادة تحطيم صورته المشوهة والذليلة التي ركَّبها أعداؤه فيه ؟
تلك هي المسألة، وذلك هو الرهان .
أرأيتم لكم أنا متفاؤل جرّاء تشاؤمي الشديد والسالف الذكر؟
دهوك، في 24-7/ 2017 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…

عنايت ديكو بعد الانتصارات الكوردستانية اللافتة في الانتخابات العراقية، وصعود نجم الحزب الديمقراطي الكوردستاني مجدداً، حاولت تركيا وإيران، إلى جانب الجماعات الشيعية والسنية العروبوية في العراق، تطويق هذا الانتصار القومي والتاريخي الذي تحقق لـ هولير، لما يحمله من دلالات استراتيجية تعيد الاعتبار للمشروع الكوردي بوصفه رقماً صعباً في معادلات الإقليم. ونتيجة لهذه الاستحقاقات وتأثيرها المباشر على كوردستان سوريا،…