حول سؤال الإبداع ضمن العمال الكردستاني

هوشنك اوسي

لا خلاف أن حزب العمال الكردستاني، قبل انطلاقة كفاحه المسلّح، سطّر ملاحم بطوليّة في المقاومة داخل سجن آمد-دياربكر، بخاصة سنة 1982، أو على قمم الجبال، بعد الانطلاقة المسلّحة سنة 1984 أيضاً. ناهيكم عما جرى في حقبة التسعينات. هذه الملاحم البطوليّة لم تنتج إبداعات تحاول محاكاتها أو ترجمتها وإخراجها من الإطار الحزبي – الآيديولوجي المحض إلى الفضاء الوطني والإنساني الرحب. 
زعيم الحزب عبدالله اوجلان، لطالما وجّه انتقادات شديدة، بهذا الخصوص، لكوادر حزبه، مع إبداء الامتعاض والتذمّر والكثير من الاستعلاء، مقدّماً نفسه على أنه المؤرّخ والأديب وعالم الاجتماع والناقد التشكيلي والسينمائي… الخ، وإن كوادر حزبه عديمو الخيال والموهبة والقدرة على التعبير. 
وذكر هذه الانتقادات في أماكن عدّة في المطبوعات الصادرة عن الكردستاني، وعلى سبيل الذكر لا الحصر “ملحمة الانبعاث (1992)”، “كيف نعيش (3 أجزاء – 1996-1997)”. ولكن، أوجلان نفسه، طيلة فترة سجنه (18 سنة)، لم يكتب عملاً أدبيّاً يرقى لأن يكون شبه رواية او شبه قصيدة، قياساً بما كتبه عناصر حزبه في حقل الأدب!. ومع ذلك، لم يطرح أوجلان على نفسه سؤلاً بسيطاً مفاده: كيف لبذرة الإبداع ان تنمو وتنتعش في ظل حياة حزبيّة عسكريّة شديدة الصرامة والستالينيّة على صعيد مراقبة حركة الخيال والفكر، كيلا يشذّ المنتمي الحزبي عن الخطاب التعبوي الآيديولوجي الدعائي المحض؟.
مناسبة هذا الكلام هي الحملة الشعواء التي طالت فرقة من الفتيات الكرديات الصغيرات اللاتي قدمن عرض رقصة “الزومبا” في إحدى المهرجانات التي نظمها حزب الاتحاد الديمقراطي في منطقة عفرين. على أن هذه الرقصة انحلال ومنافية للاخلاق الكردية، وتشويه للثقافة الكردية وللمجتمع الكردي…، علماً أن هذه الرقصة هي نوع من أنواع الرياضة لتخفيف الوزن وحرق الدهون. ناهيكم عن أن الغناء التراثي الشعبي الكردي، يحتوي على كمية هائلة من الايروتيك. وكذلك الشعر الكردي، قديمهُ وحديثه. 
السماح لهؤلاء الفتيات بعرض رقصتهن على خشبة مسرح مهرجان ينظمه العمال الكردستاني، من المفترض انه أمر جد عادي كون السلطة تزعم العلمانيّة وصدّعت رؤوس العالمين بحماية حقوق المرأة ومساواتها بالرجل. لكن المثير للذعر والقلق هي كمية العصبية والشحن الآيديولوجي والحزبي الذي شهدته مواقع التواصل الاجتماعي ضد هذه الرقصة. وهذا يعكس التربية الحزبية الستالينية في ما يتعلق بالفن الملتزم، وتلك التعريفات التقليدية “الاشتراكيّة” البائدة التي غرسها العمال الكردستاني في عقول جماهيره بخصوص قضايا وشؤون وشجون الثقافة الملتزمة والفن الملتزم!.
وبالعودة إلى حقل الأدب، بعد مرور ما يقارب الأربعة عقود من تجربة العمال الكردستاني السياسية والعسكريّة، لا يوجد حتى الآن كاتب واحد ضمن صفوف الحزب (روائي، شاعر، قاص) له حضوره الأدبي الوازن في المشهد الثقافي الكردي سواء في تركيا أو سوريا او العراق او ايران. والأسماء المعروفة الموجودة حالياً ضمن إعلام الحزب، أتت من خارجه، بداعي العمل، وقبض الرواتب. هؤلاء أيضاً، لم ينجزوا أعمالاً أدبيّة مهمّة تتعلّق بالترويج للنضال والمقاومة والتضحيات التي قدمها العمال الكردستاني، من منظور إنساني، وليس من منظور حزبي آيديولوجي فجّ. 
واللافت أن بعض الكوادر التي انفصلت عن الحزب تنظيميّاً، خلقت لنفسها بعض الحضور في حقول الثقافة والإبداع. وعلى سبيل الذكر لا الحصر: كمال نجم، فاطمة سافجي، هجار عيسى…، وآخرين.
بينما يمكننا ان نجد عشرات الكتّاب والأدباء الحزبيين الكرد الذين انتجوا تراكماً إبداعيّاً مهمّاً، أثناء نشاطهم الحزبي، سواء داخل الاتحاد الوطني الكردستاني أو الديمقراطي الكردستاني أو الحزبين الشيوعيين العراقي والسوري، والاحزاب الكرديّة السوريّة. 
في صيف 2007، حين زرت جبال قنديل، عرّجت على مركز الثقافة والفن والتنوير في الحزب. والتقيت ببعض المقاتلات والمقاتلين الذين يحاولون كتابة شيء في الرواية والشعر. وصار كل مقاتل/ة يحاولون ان يعرضوا عليّ نتاجهم، كي ابدي رأيي فيه. كنت سعيداً جداً بهذا اللقاء الحميم وهذه الثقة. ولكن كنت حزيناً جداً حيال وجود طاقات إبداعيّة مخنوقة او تعيش حالة اختناق حزبي آيديولوجي من العسير الفكاك منه. ولعل نقطة التقاطع المشتركة بين كل ما تم عرضه عليّ، هو تمجيد الحزب وزعيمه، وليس تمجيد الحالة الانسانيّة في المقاومة الكرديّة، بمعزل عن الخطاب الحزبي. وشتّان ما بين الاثنين. أولئك المقاتلون والمقالات، كانوا بمثابة الطيور التي في قفص. منها ما أدمنت العيش فيه. ومنها ما يئست من محاولة التحرر منه. ومنها ما تخاف المجازفة في محاولة التحرر منه.
صيف 2009، وأثناء تواجدي في اسطنبول، التقيت بالمخرج الكردي الشاب كاظم أوز. وكان المخرج انتهى من فيلمه الروائي الأوّل “باهوز”، والذي يحاكي تجربة حزب العمال الكردستاني ضمن الجامعات التركيّة. هذا الفيلم تعرّض لحملة تحريض مزدوجة من العمال الكردستاني ومن السلطات التركية حيث تم منع عرضه في المهرجانات الكردية والتركية على حد سواء. وإذا كان مفهوماً لماذا رفض الاتراك هذا الفيلم، فمن غير المبرر رفض العمال الكردستاني له، بخاصة انه يحاكي تجربة الحزب ويسوّق لها. وسبب الرفض كان مشهد إيروتيكي، (فتاة جامعية تخرج من سرير صديقها وهي عارية) ورغم ان الفتاة وصديقها يلتحقان بالمقاتلين في نهاية الفيلم إلاّ ان الكردستاني لم يرضَ عنه وعن مخرجه. مشهد آخر، كوميدي، قيل انه سخرية من جلسات النقد الذاتي التي ينظمها الحزب، هو ايضاً كان سبب حنق وغضب الكردستاني على الفيلم. بالنتيجة، تم استدعاء المخرج لجبال قنديل للتحقيق معه.
كذلك فيلم “من ديت – Min dît” للمخرج مراز بيزار، تم محاربته من قبل الكردستاني، رغم ان الفيلم ينتقد جماعات الدولة الخفية في تركيا، وكيف كانت تخطف وتغتال الوطنيين الموالين للكردستاني.
ختام القول: يفتخر حزب العمال الكردستاني بترسانته من المؤسسات العسكرية والإعلامية والمالية والتنظيميّة الضخمة، وبمقاوماته في السجون وساحات المعارك، إلا أنه لم ينتج طيلة هذه العقود الاربع، روائياً او شاعراً أو سينمائيّاً واحد مهماً، له وزنه وحضوره كرديّاً أو إقليميّاً أو دوليّاً، يسعى عبر إبداعه إلى ترجمة المقاومة التي شهدتها السجون والجبال وتقديمها للعالم في قالب إنساني محض، بعيد من البروباغندا الرخيصة والمبتذلة. من دون أن ننسى ان العديد من الروائيين والشعراء الكرد من المنتمين السابقين للحزب، بدأوا يلتمسون طريق الحضور في حقول الثقافة والإبداع، بعد تركهم صفوف الحزب، حتى ولو أن بعضهم، يمشون في خط موازٍ لخط الحزب، إلاّ أنهم خارجه تنظيميّاً، ولا يطيقون العودة إليه، بعد أن ذاقوا طعم الحريّة خارج سجن الحياة الحزبيّة.
 
موقع قناة كردستان 24
http://www.kurdistan24.net/ar/opinion/f76a5f46-b0fa-4f04-b3a7-2ba2202af1d2

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…