حزب العمال الكوردستاني و رسم الدوائر المغلقة

قهرمان مرعي
خريطة شرق أوسط وهمية على الورق يتوسطها دوائر صغيرة مغلقة لا تُرى بالعين المجردة , لاحدود لها ولا ملل ولا نحل فيها , الحياة تتبدى في الطبيعة الممتدة نحو الأفق حيث شمس الشرق التي لا تغيب عن كانتوناتهم وكوميناتهم ورسومهم الهندسية المتداخلة , العيش خارج الزمن , خارج الجغرافيا  , أمة ديمقراطية , وأبوة إستبدادية.
بحق إنهم يتخبطون في أزمة التحولات ,  لكنهم في الحقيقة حريصون على السوية الوظيفية لها , تبين من خلال فلسفتهم المتبدلة , التي صدعت الرؤوس ,إنهم يستعدون ويهيئون أنفسهم بالتمتع في العيش الإفتراضي خارج نواميس الكون وفطرة المخلوقات ( التاريخ , الحاضر , المستقبل , وما يحتوي من  إختلافات عرقية وثقافية وحضارية ).
أمتهنوا السير عكس رغبة شعب كوردستان وتمظهروا خلاف عاداته وتمادوا بالترهيب في كسر إرادته وفرض واقع خارج سياق المحسوس , مما إحدث مزيد من الشرخ والانقسام في صفوف الشعب الذي يتشدقون القول صباحاً مساءاً بإسمه, في حين يهيئون الفكرة المشاعية وفق ( النظام الأمومي ) كإستعاضة ظاهرية عن ( النظام الأبوي المتسلِّط) و من طرف واحد , تحت (عمامة) و(عباءة ) و( قبعة) العيش المشترك مع غاصبي كوردستان , كأن الشعب الكوردي في أجزائه المقتسمة وخلال قرن كامل من نضاله المشروع وفي صراعه على الوجود لم يرفع تلك الشعارات ( الأخوة والعيش المشترك مع الشعوب الأخرى ) بل على العكس كان رد الأعداء , مزيد من التعسف والإجرام والإنكار .
 نتذكر جيداً الشعارات التي كانت تتصدر جرائد بعض الأحزاب الكوردية ولوقت قريب (عاشت الأخوة العربية الكوردية) و( على صخرة الإخوة العربية الكوردية تتحطم مشاريع الإمبريالية والصهونية والرجعية ) وكذلك بالنسبة للترك والفرس , فلم تتحطم سوى نفوسنا وأوطاننا وآمالنا , والفارق بيِّن بين هذا وذاك , مجرد شعار بموازاة قول وفعل , تسبب في إلحاق الأذى الجسيم بأبناء شعبنا وبناته وعرقلة حل قضيتنا القومية في كل بقعة من أرض كوردستان يضعون أحمالهم من ( الصور والأعلام والأسماء المستعارة والمصطلحات المختذلة ) .
فلولا الشعور والنضال القوميين للحركة التحريرية الكوردية  والكفاح المسلح الذي امتد نحو قرن كامل , لما إلتحق أحد في صفوفهم من أبناء وبنات الشعب الكوردي عندما لوحوا شعار الإستقلال , في صراع مرير{ وقودها الناس والحجارة } كان من حيث النتائج تدمير الذات الكوردستانية والفشل المريع , في جزء يعتبر من حيث الأهمية الساحة الكبرى , فكان التحول الدراماتيكي نحو الساحات البديلة لتنفيذ أجندات الأنظمة المعادية من جديد وبالضد من حرية شعب كوردستان من خلال الوقوف في وجه تطلعاته في كل محطة من شأنها أن تساهم في تحقيق تقريرمصيره بنفسه . 
إنَّ معاداة المشروع الوطني الكوردستاني وإنجازمقومات الدولة المستقلة وفي جزئه المكتمل إقليم كوردستان العراق لا يأتي من فراغ , له إرتباط وثيق بما يجري في كوردستان سوريا ,  الإقليم الذي يعتبر بوحدته الجغرافية , العمق الحيوي بمجالاته المتعددة  لنواة الإستقلال و الدولة المرتقبة , والمحاولات الجارية  بما يسمى ب ( الكورديور) الممر الإيراني إلى البحر المتوسط  يأتي في هذا الإتجاه من خلال خلق مزيد من المنغصات المؤلمة والدخول في لعبة الصراع الإقليمي كمتعهد ثانوي لقاء أجر بخس , يتلقاها من محوره الغير متجانس عرقياً ومذهبياً . فهل التصريحات التي يتناوبها قادة قنديل في كل حين تفيد بأن لا خيار لهم سوى ما  يصدر من ولي أمرهم , الفقيه , في ( قم ) وإن قصة مجتمع المشاعة في طوره نحو التشيُّع وبُتنا قاب قوسين وأدنى أن نشاهد حشود المغفلين من أهل ( بيت الشعب ) يخرجون في  مسيرات اللطم نحو المراقد وهم تائهون في جهاتهم من حيث الزمان والمكان      
إنهم نسوا تماماً إنهم يختبئون في معاقل البيشمركة الأبطال الذين رفعوا راية (آلا ره نكين) عالياً وسطَّروا ملاحم البطولة في الزمن الصعب , بروح قومية , فطرية , إنسانية , لا تشوبها شوائب الإيدولوجيا الخادعة ولا الشعارات الزائفة , ولا الإنقياد الأعمى , بالرغم من مرارات الإنقسام الذي يترافق كظل دائم في معظم الفصول للجسم السياسي والحركي القومي الكوردستاني .    
الدوائر المغلقة التي تفننوا في الإختباء فيها سواء في إقليم كوردستان العراق (مخمور , شنكال , جيايى قنديل , حفتانين . خواكورك , زاب ,….. ) أو في كوردستان سوريا ( الجزيرة , كوباني , عفرين ) وفي كل حارة وقرية ومدينة , الهدف منها محاصرة الشعب الكوردي في المقام الأول وجعله رهينة , لصالح مخططات الأنظمة المعادية لتطلعاته المشروعة , وبالتالي تطويقه  بالمنع والحرمان وإستنذاف قدراته البشرية من خلال الفرمانات والسياسات الكيدية والممارسات الغرائبية , حيث الآلة الإعلامية تبث الديماغوجيا بأبشع صورها الدعائية والخطاب الأحادي الملزم والممجوج , بإدعاء الديمقراطية والمشاركة الشعبية وإدارة المجتمع الأيكولوجي .؟ فعلى مستوى ما يسمى ب الـ ( كومون ), أثبتت الأيام أن المزايا وتبادل المنافع مع النظام لا يتعدى الاستفادة من فتاتها سوى أنصارهم المغيبون عن الوعي والإدراك , فهم يضيقون الخناق على أنفسهم بالعزلة والإنتحار البطيء ويجرون خلفهم كل شيء جميل في حياة الشعب الكوردي من خلال تشويه الصورة ومجافاة الحقيقة, وسيأتي اليوم الذي تدور بهم الدوائر , حيث لا ينفع الندم .
 لكن في الجانب الآخر , على المجلس الوطني الكوردي أن يعي جيداً مخاطر المرحلة ويسعى لكسر الطوق المفروض عليه منذ منتصف عام 2012 بمزيد من الحراك السلمي و العمل على نقل الصورة الأكثر وضوحاً من خلال إيجاد وسيلة إعلامية خاصة  ( تلفزيون ) على مدار الساعة  , لمواجهة إنعكاسات السياسات الكارثية التي يتبعها فرع حزب العمال ( به, يه,دى) على أوضاع مجتمعنا في كوردستان سوريا قياساً ما قبل الثورة :
– على المجلس الوطني الكوردي التخلي عن فكرة الشراكة التي يتوخاها كحل لوحدة الموقف والتكامل , لمواجهة المخاطر التي تواجه شعب كوردستان سوريا و قضيته القومية المشروعة عسكريا وسياسياً , لأن بنية الحزب الأم ( بى,كى,كى ) وطبيعتة الشمولية لا تقبل الفكرة من أساسها, ولم يسبق له قبول المختلف وفق شروط التدافع السلمي والتنافس الإيجابي , بل على العكس تزامن فكرة العنف لديه منذ نشوئه وترافق الصراع الدموي مسيرته تجاه مناوئيه من مختلف أطراف الحركة السياسية , في معظم إجزاء كوردستان , والهدف من ذلك كله إخلاء الساحة و الإستفراد بالقرار وتحميل جمهور الشعب تبعات إنتكاساته وبالتالي تلبية متطلبات الصراع السلبي مع غاصبي كوردستان لخلق مزيد من التبريرات لتلك الأنظمة بمعاداة الشعب الكوردي بالتنسيق والتآمر تجاه حل قضيته والمثال الأبرز , الموقف التركي والأيراني والعراق العربي والنظام الأسدي من حقوق الشعب الكوردي في سوريا المستقبل كدولة إتحادية (فيدرالية) بحجة سيطرة (به , يه , دى) عسكرياً وإدارياً وبالشراكة مع النظام ,على المناطق الكوردية , بالرغم أن الحزب المذكور يعلن جهاراً , إنه يعمل خارج إطار القضية القومية .
– على المجلس أن يعلم جيدأً أن شراكة ( به . يه .دى) يعني شراكة النظام وأعوانه  وأن طبيعة النظام ما قبل الثورة وما بعدها قد أختلف جذرياً , فالنظام الحالي أصبح متعدد الرؤوس  و المرجعيات والمصالح فلم يعد كرسي رأس الهرم يتسع لشخص واحد وبحكم إمتهان الإجرام أصبح أكثر شراسة ودموية وأن تظاهره بالهدوء في أماكن تواجده في المدن الكبرى ( قامشلو – حسكة ) ناتج عن حاصل المعادلة لصالحه وأنه وأعوانه الاقليميين والدوليين بما فيهم تركيا ,  لا يتوانون لحظة عندما يحين زمن الانقضاض أو التسليم كما حصل في حلب ( الأشرفية, شيخ مقصود ومناطق الريف الغربي والشمالي ) وكذلك ريف منبج والمدينة في مستقبل الأيام .وأن المانع الوحيد حالياً هو التواجد الأمريكي في بعض مناطق الجزيرة وكوباني وريف الرقة لمواجهة داعش  .
– أن الوجود الأمريكي في المنطقة الكوردية هو لمواجهة ما يسمى بإرهاب (داعش) والتحضير لمعركة تحرير مدينة الرقة بالتزامن مع تحرير مدينة الموصل , وتركها بعد ذلك لسلطة القوى المحلية , وليس البقاء فيها كمنطقة نفوذ بمواجهة التمدد الروسي ( مدينة حلب,عفرين مثالاً) , لأن حليفتها تركيا الأطلسية تتنازع معها الموقف من خلال عدم التعاون وتفضيل المجموعات المسلحة المحلية ( قوات سوريا الديموقرطية  والمتمثلة بـ يه. به.كى) ويبقى التهديد التركي بإجتياح مناطق النزاع وارداً , بحجة مقاومة المشروع الكوردي .
– ما دام الامريكان لم يعالجوا موضوع دخول بيشمركة (روزآفا) إلى كوردستان سوريا أو اية منطقة أخرى لمواجهة خطر داعش , فلن يرتبوا دخولهم بعد تحرير الرقة , لإنتفاء السبب أولاً و لرفض حليفتهم المحلية , قوات ( يه.به.كى) دخول البيشمركة ثانياً بحجة عدم جواز وجود قوتين بينما تبدي إستعدادها للتعاون مع عدوتها المفترضة تركيا , في حين تعج سوريا بالقوات من مختلف الأجناس .
– في مواجهة ذلك كله على المجلس الكوردي وضع إستراتيجية العودة الجماهيرية من مختلف الشتات وأماكن اللجوء وخاصة الجوار الأقليمي والكوردستاني لمواجهة التحديات ما بعد (داعش) أو ما يسمى بمحاربة الإرهاب , بينما النظام وحلفه الاقليمي والدولي المؤسسين للفكرة والمدعومين للفعل الإرهابي من خلال تسهيل التمويل والتمكين من التوسع والسيطرة , بقوا طوال الوقت بمنئى من الصراع المباشر مع تلك االقوى التكفيرية  , بينما دفع الشعب السوري وثورته الضريبة الكبرى والتكاليف الجسام في محاربته .  
– على المجلس الكوردي مراجعة وتقييم تحالفاته السياسية مع المعارضة السورية والعمل بالتوازي مع ما هو حاصل الآن بإعتباره شريك أساسي في عملية التفاوض مع القوى الدولية المؤثرة في القضية السورية لإيجاد تمثيل خاص , كونه يمثل إرادة شعب له تمايزه الثقافي, يسعى لإيجاد حل توافقي لقضيته القومية المشروعة في إطار سوريا تعددية (فيدرالية).
في 23/3/2017
جريدة يكــيتي العدد 237 آذار 2017م- 2630ك 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

جان دوست ما يمكن أن يعتبرها البعض صحوة وعودة وعي ومراجعة بعد هزائم قسد وانهيار نظام الإدارة الذاتية في سوريا، لم تصل ارتداداتها بعد إلى بيئة حزب العمال الكردستاني في سوريا. ما زال هؤلاء مؤمنين ب-“فلسفة” أوجلان ومعتقدين أن “تكتيكات” حزب العمال ناجحة في كل زمان ومكان. صعب على هؤلاء تصديق أن “فكر القائد” يعيش مراحله الأخيرة وأن الوظيفة انتهت…

خالد جميل محمد لم يَعُدِ الترويجِ للقُبحِ أمراً عَارِضاً، بل بات ظاهرةً ومقياسَ عصرٍ ينتشي بفسادِه، ويتباهى بالزيف والنِّتاجات الردئية، (في الأخلاق، السياسة، العلاقات، الأدب، الكتابة، الفنّ، الثقافة والإعلام..)، ويكافئ منتجي القُبحِ الماضِين في تدمير قيم الجَمال الحقيقي، جملةً وتفصيلاً، حتى صار منتجو الجَمال الحقيقي يشعرون بالخجل ممّا لديهم من إبداع ثمين، ويُفرَض عليهم التواري لِئَلّا يكونوا عرضة للاستخفاف بهم…

في لحظة تاريخية دقيقة تمر بها القضية الكوردية في روجافا/كردستان سوريا، حيث تتقاطع التحديات الداخلية مع التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، لم يعد التشتت خياراً، ولم يعد الانقسام تفصيلاً يمكن تجاوزه. إن ما يواجهه شعبنا اليوم يتطلب مستوى غير مسبوق من الوعي والمسؤولية الوطنية. لقد أثبتت التجارب أن غياب الرؤية الموحدة وتعدد المرجعيات السياسية يضعف الموقف الكوردي، ويفتح الباب أمام التدخلات…

عبدالجبار شاهين أحياناًعندما ننظر إلى واقعنا السياسي اليوم يصعب تجاهل شعور متراكم بأن الامور لم تعد مجرد اختلافات سياسية عادية. هناك شيء أعمق تشكل مع الوقت نوع من الانقسام الذي تسلل إلى طريقة التفكير نفسها وليس فقط إلى المواقف. كثير من الناس خاصة الاجيال التي نشأت في ظل هذا المشهد أصبحوا يعرفون انفسهم أولا من خلال الانتماء السياسي قبل…