الاستبداد …آفة

مروان بركات
ليس الاستبداد ظلمٌ وطغيانٌ وحسب، بل إنما أصلٌ لكل فسادٍ سياسي، واقتصادي، واجتماعي وأخلاقي. إنه آفة ما بعدها علة، تنخر في إرادة الأمة وعزمها وتضعفها في مختلف الميادين والمجالات ويترك أثراً سيئاً في كل زمانٍ ومكان. وهل هناك أعجز وأضعف من أمةٍ وهي أسيرة أشخاص ؟!!  ومن المعروف تاريخاً أنّ الذهنية الاستبدادي هي بوصلة الانحراف لا تشير إلاّ إلى المسارات الخاطئة التي تنتج جيلاً مدجّناً وتابعاً ومصفِّقاً غير قادر على تحمّل المسؤولية الجماعية والوطنية، وبالتالي تؤدي إلى مراحل هابطة من الضياع الفكري والأخلاقي للمجتمع الذي تحكمها.  يقول الغزالي: ( يستحيل أن يَتَكَوّن في ظل الاستبداد جيلٌ محترم، أو معدنٌ صُلب، أو خلقٌ مكاف).
وهو ـ أي الاستبداد ـ سبب رئيسٌ لهجرة العقول والكوادر العلمية وأصحاب الكفاءات والطاقات الشبابية، ولا يخفى على أحدٍ كم من عقولٍ نيّرة هربت منه وأبدعت في بلادٍ حيث الحرية وهذا من أسوأ الأمور التي تبتلى بها المجتمعات، والمؤكد تاريخياً أن (العلم والاستبداد ضدّان) بالمطلق لا يلتقيان.  ومن المعروف أن هناك عداء تاريخي بين المنظومات المستَبدة والثقافة النقدية التي هدفها سدّ مواقع الخلل والاهتزاز، ولا تؤمن بالشراكة السياسية والمجتمعية التي هي أصل الصواب في اتخاذ القرارات وإدارة المجتمع في أحسن وجه، إذ يمكننا القول: أن النقد كفرٌ في مذهب الاستبداد الذي هو أسوأ المذاهب في إدارة المجتمعات والأمم على الإطلاق.  يقول الكواكبي صاحب كتاب طبائع الاستبداد: (إن الاستبداد لغةٌ هو غرور المرء برأيه، والأنفة عن قبول النصيحة أو الاستقلال في الرأي و في الحقوق المشتركة).
وتصبح آفة الاستبداد أكثر خطورة إذا ما نافق رجال الفكر والعلم بالوقوف إلى جانب المنظومات الاستبدادية للترويج لها ولأفكارها الخاوية، وخلط الحقائق أمام العامة بغيةً لتحقيق مصالحهم الفردية.  يقول ابن خلدون: (الاستبداد والظلم يُحوّل الناس إلى شخصيات ضعيفة فيها كذبٌ ومكرٌ وتملقٌ). وهل من أمةٍ يمكن لها أن تتغلب على مشاكلها وتنتصر في ميدانٍ من الميادين بالكذب والتملق..؟!!! 
 لاشك أن للمثقفين دورهم الريادي في تنوير المجتمعات والشعوب وتحريرهم من ظلم وقهر الاستبداد وإيقاف عجلته التي تسير بالمجتمع إلى الجهل والتهلكة والضياع؛ لذلك هم المستهدفون بالدرجة الأولى من قبل المنظومات الاستبدادية، ولكن مهما كانت المنظومة المستبدة متفردة في حكمها وناكلةً بالعقول النيّرة وظالمةً في قراراتها ومؤمنةً بقوتها، تبقى هنالك دائماً نخبة مؤمنة بفكرة التغير والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان, وتخليص المجتمع من قبضة الجهل ورعونة المستبد، وهي تناضل في السر والعلن لإعادة الإدارة والشأن العام إلى حضن المجتمع وتمكينه من صناعة قراراته وتقرير مصيره مهما كان الثمن غالياً.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس خسارة غربي كوردستان ليست المأساة الأكبر، لماذا بقيت كوردستان غائبة عن العالم؟ تناولتُ في الجزء الأول العوامل الداخلية والخارجية التي أدت إلى تآكل تجربة غربي كوردستان، من أخطاء الإدارة الذاتية والانقسام الكوردي، إلى الاجتياحات الإقليمية وتقلب المصالح الدولية. لكن الوقوف عند خسارة هذه التجربة وحدها قد يحجب السؤال الأكبر: لماذا تبقى كل تجربة كوردية عرضة للعزلة والتراجع؟…

تداولت بعض المنصات المؤدلجة ووسائل التواصل الاجتماعي المرتبطة بها خبر مفاده انني عارضت تعليم اللغة الكردية في المدارس في المناطق الكردية حين لقاء وفد البرلمانيين الكرد مع السيد وزير التربية والحقيقة هي كانت كالتالي أنا اقترحت ان نعمل على مسارين بنفس الوقت هما الحفاظ على اللغة الكردية وتطويرها بين الطلبة مع الحفاظ على مستوى تعليم متقدم ومتطور ولتحقيق الهدفين معا…

حسن قاسم تمر الحركة السياسية الكوردية في سوريا بمرحلة تختلف جذرياً عن المراحل السابقة، سواء من حيث طبيعة التحولات الإقليمية والدولية أو من حيث المتغيرات الداخلية في سوريا. ومن هنا، فإن استمرار العمل بالأساليب التقليدية لم يعد كافياً لمواجهة التحديات الراهنة، بل قد يؤدي إلى مزيد من التراجع وفقدان فرص التأثير. أول ما ينبغي الإقرار به هو أن المرحلة قد…

تنكزار ماريني بداية اعتذر لكل القراء وخاصة قراء كتاباتي وقراء الأخ ابراهيم اليوسف على الكتابات التي كنت ارد فيها على كتاباته. برأيي انها تدخل في بوتقة المدح الشخصي وعرض العضلات وخلق عداوات وهمية وأنا بغنى عن ذلك. أخي سالار واستاذي رزو لم يعلمانني هكذا فاعتذر لهما على مابدى مني وأعلم أن مهمتي تقديم مادة للقارئ ليحولها الى سؤال وليس الكتابة…