هل من صراع كوردي – كوردي؟

جان كورد  
 لا بد وأن بعض القراء يتذكرون قول الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد (إن لي أيدي طويلة في العراق)، عندما اشتد النزاع بينه وبين صدام حسين بسبب كمية ماء الفرات التي كان على السوريين السماح بجريانها عبر سوريا إلى العراق، بعد أن بنى الأتراك سد آتاتورك وحبسوا عن البلدين كميات عظيمة من المياه المستحقة، وهدد صدام حسين آنذاك بغزو سوريا. ثم رأينا وسمعنا كيف هاجم حزب السيد أوجلان مع شركائه في جنوب كوردستان على الحزب الديموقراطي الكوردستاني، وأشهروا سيف القتل في البيشمركة الذين دافعوا ولا يزالون يدافعون عن شعبهم وأرضه وكرامته، وكان زعماء الهجوم الغادر يرددون قولهم الشهير بأنهم سيقدمون العائلة البارزانية لمحاكمات “الخيانة للشعب الكوردي!!!”،
ثم بعد فشلهم فشلاً ذريعاً عادوا ليتملقوا هذه العائلة الكريمة بشكلٍ عجيب، بل إن السيد أوجلان كتب في رسالةٍ له من سجنه إلى رفاقه بأن السيد مسعود بارزاني هو رئيس لكل الشعب الكوردي ويجب العمل والتعاون معه، وغيره أمسك بذراع رئيس الحزب الديموقراطي الكوردستاني ذاته ورفعه عالياً أمام جماهير حاشدة، و زعم بأنه ابن للقائد الخالد مصطفى بارزاني، كما هو الأخ المناضل مسعود بارزاني.  فهل يعيد التاريخ نفسه؟
معلوم أن الحكومات العراقية المركزية المتعاقبة على الحكم في بغداد، لعقودٍ عديدة، قد استخدمت كل وسائل الحرب والتدمير المعروفة من تقتيل وتهجير واستهدافٍ للبنية التحتية لكوردستان، وحتى السلاح الكيميائي، بهدف القضاء على الطموح القومي الكوردي في الحرية والحياة الكريمة والأمن والاستقرار، واستعانت في ذلك ببعض الدول الإقليمية الأخرى، وخاصة ذوات المصلحة المشتركة في قمع كفاح الأمة الكوردية، وكذلك بالدول الكبرى، التي لها أحلاف واستراتيجيات ومصالح في المنطقة، على الرغم من أن كل هذه الدول كانت ولا تزال تدرك بأن للشعب الكوردي حق عادل في نيل حريته واستقلاله مثل سائر شعوب الأرض. إلا أن أهم الأسلحة التي حاربت بها الحكومة العراقية شعبنا في جنوب كوردستان كان سلاحان: تجويع الكورد وضربهم بعضهم ببعض. وما أخطر هذه الأسلحة على الشعوب. 
وليس ببعيدٍ عن يومنا هذا، ما أقدمت عليه حكومة نوري المالكي من سياسات حيال كوردستان، منها قطع الرواتب عن موظفي وبيشمركة كوردستان، والقيام بكل المحاولات العدوانية لمنع الكورد من بيع بترولهم للتمكن من تعويض ما يفقدونه جراء سياسة منع الرواتب عنهم من قبل الحكومة المركزية التي تصرفت حيال الشعب الكوردي تصرّف المستعمرين إزاء مستعمراتهم، وكذلك رفض تطبيق المادة 140 من بنود الدستور العراقي لتصبح بذلك حكومةً لا تحترم دستور بلادها، إضافة إلى تعميق الشرخ بينها وبين إقليم جنوب كوردستان بمنع وصول الأسلحة والذخائر إلى البيشمركة الذين يعتبرون من وجهة نظر قانونية جزءاً من الجيش الوطني العراقي، وكذلك السعي لرفض الاعتراف بكوردستانية ما أطلق عليه العنصريون مصطلح “المناطق المتنازع عليها!” على الرغم أنها مناطق كوردية، استمر صدام حسين في تعريبها بالقوة خلال عقودٍ من الزمن، تماماً مثلما شوه حافظ الأسد السوري الجزيرة العليا من خلال جلب “عرب الغمر” إليها وانتزع أراضي الكورد منهم ووزعها على هؤلاء العرب وأسكنهم أكثر من أربعين مستوطنةٍ عربية صرفة مطبقاً “الحزام العربي” وزوده بكل أسباب الحياة والبقاء والاستمرار، بهدف تغيير البنية السكانية للجزيرة، وقد أفلح الزعيمان البعثيان (صدام والأسد) مع الأسف في سياستهما العدائية ضد شعب كوردستان… ونتذكر كيف أن نوري المالكي ذاته، الذي يعتبر من الموالي الأوفياء لملالي إيران، نفّذ أوامرهم التي تقضي بالقضاء على الطموح القومي الكوردي في جنوب كوردستان، وأحد الأسباب هو أن سيادة الرئيس مسعود بارزاني لم يسمح بجعل الإقليم معبراً للحرس الثوري الإيراني وللقوات الطائفية للذهاب من خلاله لمحاربة ثورة الشعب السوري، فزادت حدة غضبهم لدرجة مطالبتهم المالكي بترك مدينة الموصل غنيمة ثمينة في أيدي أخطر التنظيمات الإرهابية (داعش)، وهي محشوة بالسلاح والذخائر الحديثة ووسائل الإعلام والبترول والأموال الكثيرة، مقابل قيام (داعش) بالهجوم على كوردستان.  
وعندما فشلت إيران في مخططها وتمكّنت البيشمركة من دحر (داعش) بدعم من سائر دول العالم الحر الديموقراطي والمجتمع الدولي، واستطاعت قوى الإقليم الكوردي تحرير غالبية القرى والمدن الصغيرة في “المناطق المتنازع عليها!” وكذلك كركوك (قلب كوردستان – حسب تسمية البارزاني الخالد مصطفى) و (قدس الأكراد – حسب تسمية الرئيس العراقي السابق جلال طالباني)، كان لابد من أن يمتشق أعداء شعبنا السلاح الآخر، حيث فشلوا في اركاع حكومة الإقليم بتلك الأساليب التي ذكرناها، وهو سلاح “ضرب الكورد بالكورد”، وفي الحقيقة، ليس ثمة أسهل من استخدام هذا السلاح، حيث هناك بعض الزعامات الكوردية التي لها تاريخ في الخيانة وفي نسف ما يبنيه شعبنا، وهذا لا يصب في خدمة أمتنا بأي شكلٍ من الأشكال، وأعتقد أن ما جرى في غرب كوردستان من اعتداءات متكررة على الأحزاب الكوردية ومراكزها وشخصياتها الوطنية وعلى مصداقيتها السياسية والقومية، وحملات الاعتقال التي تشبه ما كان يقوم به أنصار الدكتاتور بينوشيت في التشيلي وبول بوت في كامبوديا من قبل، وما جرى من صدام مسلحٍ في منطقة شنكال، ذات الخصوصية الدينية العريقة في التاريخ الكوردي، حيث الكورد اليزيديون، ليس إلاّ مقدمات لاستخدام سلاح (الصراع الكوردي الداخلي!) الذي يطبل له إعلام بعض دول المنطقة بعنف، وهو سلاح خطير يجيد أعداء الكورد التعامل معه عبر التاريخ دائماً. 
أنا في الحقيقة لا أصفه بالصراع الداخلي للكورد، وإنما هو تحريض وفتنة وتخطيط وتدبير للدول الإقليمية، ذات العلاقة مع الشأن الكوردي، هدفه ثروات هذه الأمة من بترول وماء وغاز وما تخبئه الأرض الكوردية، وقمع النهضة القومية الحضارية لهذه الأمة التي عانت الويلات على أيدي هذه الدول المقتسمة لكوردستان، والمختلفة على كثيرٍ من الشؤون، إلاّ على الشأن الكوردي، حيث هي متفقة ومتعاونة سراً وعلانية ضد الحراك القومي الكوردستاني الصحيح، وما يؤلمهم أشد من أي شيءٍ آخر، هو موقف الأخ المناضل، رئيس إقليم جنوب كوردستان، الواضح والصريح، حيال السعي من أجل حرية واستقلال كوردستان.
إن أي “حربٍ داخلية كوردية!” هي حرب ممولة من دولٍ إقليمية ومكرسة لإرغام السيد الرئيس على التراجع عن موقفه، مثلما كان هجوم حزب أوجلان وشركائه في الماضي ردا للأسد على تهديدات صدام حسين، ومع الأسف فإن بعض الزعامات المنحرفة مستعدة لأن تقوم بسفك دماء الشباب الكوردي حتى لا تتخلى عن مصادر التمويل التي تحصل عليها من بعض الدول الاقليمية… 
إنها بصراحة ليست “حرب كوردية – كوردية!” وإنما حرب مستعمري كوردستان على حريتنا وعلى مستقبل أمتنا واستقلالها، ولكنها ستجري، كما في الماضي، بأدوات كوردية مع الأسف. 
‏15‏ آذار‏، 2017

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…