كيف ستكون فيدرالية الكرد في سوريا 1/2

د. محمود عباس
 الصورة النمطية المترسخة من فيدرالية جنوب كردستان، في أذهان معظمنا، والقوى الإقليمية، وحتى لدى المعارضة العربية السورية، تجعل النقاش على مصير المنطقة الكردية في سوريا، على مبدأ الفيدرالية متشجناً مكهرباً، فالمعارضون يضعون الحدود على المصطلحات قبل التطرق إلى  لبها، متناسين بأنه لجنوب كردستان سماتها، وكانت لها عواملها الذاتية والموضوعية التي جعلتها بأن تكون على ما هي عليه، كشبه كونفدرالية، وقد تكون قريبا مقبلة لتقرير مصيرها، وخلفيات بلوغ هذه المرحلة عديدة، معظمها تعكسها أساليب تعامل القوى الإقليمية معها، سابقا وحاضرا وخاصة القوى العراقية.
ورغم عدم وجود اختلافات واسعة بينها وبين الوضع الكردي في جنوب غربي كردستان، إلا أن التدخلات الدولية العالمية والإقليمية في سوريا والمنطقة الكردية بشكل خاص وفي هذه الفترة، تدفع بأطراف كردية أن ينحازوا إلى محاولة إقامة هيكلية سياسية إدارية مغايرة، ويسلكوا طريقاً غير الذي اتبعته جنوب كردستان، لإقامة كيانهم الفيدرالي، أو ما شابه، مع أو بدون رغبة المعارضة أو السلطة، وهي في كليته تستند على مصالح القوى الكبرى مثلما حدثت عند تحرير العراق من الطاغية صدام حسين.
 احتمالان معروضان على طاولة البحث أو التطبيق، وهما حسب المطروح الحالي ناقصان، مقارنة بالمقترح الذي قدمه المجلس الوطني الكردستاني-سوريا، منذ عام 2008م حيث الفيدرالية الكردستانية مع قوة عسكرية تابعة للسلطة التنفيذية الفيدرالية وبنظام لا مركزي في سوريا، والذي يعتبر المطلب الكردي الواقعي، وهو ما تبنته الحركة الكردية حتى قبل سنة، والنظامان المقترحان حاليا على طاولة البحث هما:
1- الاحتمال الأول الموجود على أرض الواقع الأن، والذي هو نتاج توافقات بين سلطة الأمر الواقع المتطابقة مع السلطة المركزية، بعد أن وافقت على إدارة المنطقة بالتنسيق وتوزيع الأدوار ما بين المركز والإدارات المتشكلة، لتتطور وتنبثق عنها الفيدرالية، ببعدها النظري، والتي تحتاج إلى تفعيل، كتشكيل الإدارات بناءً على النظام المطروح. ولا شك هذه رغم أنها قريبة من النظام الفيدرالي الروسي، حيث أن السلطة المركزية هي التي تتحكم بمقدرات السلطات الفيدرالية، والقرارات الرئيسة، وهي التي تنظم المجالس الثلاث، رغم وجود دستور وبرلمان داخلي، ونظام فيدرالي. ولأن التوجه كان ينصب في الاستراتيجية الروسية في البدايات، حينها تلقت الكانتونات الدعم من روسيا حتى جنيف -2، أثناءها وضعت الخارجية الروسية حضور ال ب ي د أو حكومة الكانتونات المؤتمر شرط أساسي. لكننا اليوم نجد أن المعادلة انقلبت على خلفية التغيرات السياسية في المنطقة، وأهمها عملية اقتراب تركيا إلى الحلف الروسي، رغم أن الأخيرة لا تزال الأمرة في إصدار معظم القرارات المتعلقة بالقضية السورية بشكل عام، لكن مع ذلك الاقتراب التركي خلقت أجواء جديدة في الساحتين الداخلية والخارجية، وساعدتها في فرض شرطها على مؤتمر آستانة، منها عدم حضور القوة الكردية المسيطرة في المنطقة، المؤتمرات المتعلقة بالقضية السورية، وخاصة القادمة، مقابل إجبار جميع أطراف المعارضة السورية السياسية والمسلحة بالحضور لتقبل شروط روسيا ولربما السلطة السورية أيضا. ولا شك تمكنت وعلى خلفية التنازلات الهائلة لروسيا  وعن مصالحها مع أوروبا وأمريكا، من عزل ال ب ي د وممثل قوات الحماية الشعبية عن مؤتمر آستانة، في الوقت الذي كانت هذه القوات هي الوحيدة التي لم تكن في سجل الإرهابيين عند الروس بعكس جميع الذين سيحضرون المؤتمر، والعملية في عمقها مؤامرة لإلغاء مشروعها الفيدرالي في المنطقة، ولذلك وكرد فعل على ذلك ولربما وبتخطيط أمريكي، قدمت تف دم مشروع رميلان، (فيدرالية شمال سوريا) للالتفاف على تركيا في الحقل الروسي، ولا يستبعد أن مؤتمر بروكسل الأخير، وعملية تشكيل لجنة للحوار مع الإدارة الأمريكية القادمة تندرج ضمن نفس المسيرة، وهي بذاتها رد فعل مسبق عن عدم دعوتهم للمؤتمر، أو عملية استباقية لاحتمالية عزلهم عنها، ومن المتوقع وفي خضم هذه التحولات السياسية أن تحصل تعديلات على المشروع الفيدرالي أو النظام الجاري، لكن لن تؤثر على البنية الرئيسة فيها، أي أن السلطة المركزية، إن كانت سلطة بشار الأسد، أو الحكومة التي قد تتشكل يوما ما، ستكون هي المهيمنة، وهي  ستكون صاحبة القرارات الرئيسة في المنطقة الفيدرالية، وسيبقى المربع الأمني في قامشلو موجودا وصاحب القوة في تسيير الخطوط العامة، والإدارة في هيكليه العام ستبقى بيد القوة المتشكلة من أطياف المجتمع الموجود في المنطقة، وهي القوة التي يتم الحديث عنها دائما، كقوات سوريا الديمقراطية، وهنا نجد أن التهجير الذي حصل في الديمغرافية الكردية قد أدت دورها المطلوب، فالكرد لربما لن يكونوا الأغلبية في البرلمان الذي سيتم تشكيله في المنطقة، وعليه قامت سلطة بشار الأسد وفي الأسابيع الماضية بمشاورات مع شخصيات ثانوية على موضوع الإدارة، و جاءت هذه المشاورات لحيزين: 
  أولا، لتقزيم الأحزاب الكردية وخاصة الموجودة في السلطة والتي هي في تقارب مع الأمريكيين والعلاقة معروفة غاياتها، والأسباب التي تدفع بالأمريكيين في دعمهم.
   والثانية: لتشويه القضية الكردية وتقزيمها وجعلها على سوية أشخاص وليست حركة كردية تمثل الشعب، مع ذلك في الحوار أي كانت نتائجها لها إيجابياتها، وفي حال ظهرت دون المطلب الكردي من السهل رفضها، والطعن في الحوار بكليته، وعلى هذا المبدأ كان على الحركة الكردية حضور اجتماع الحميميم، حتى ولو كانوا على خلاف، وللأسف الانقسام بينهم في هذه وما سبقها من حوارات ومعادلات دبلوماسية، قزمت القوة الكردية أمام القوى الكبرى والإقليمية ومثلها عند المعارضة والسلطة السورية، لهذا جميع هذه الأطراف لا يقدمون على مناقشة القضية الكردية بالهيئة الدبلوماسية المناسبة لها، ودائما يستخدمون أخبث الطرق لبلوغ غاياتهم…
يتبع…
الولايات المتحدة الأمريكية
mamokurda@gmail.com
1/17/2016م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

جان دوست ما يمكن أن يعتبرها البعض صحوة وعودة وعي ومراجعة بعد هزائم قسد وانهيار نظام الإدارة الذاتية في سوريا، لم تصل ارتداداتها بعد إلى بيئة حزب العمال الكردستاني في سوريا. ما زال هؤلاء مؤمنين ب-“فلسفة” أوجلان ومعتقدين أن “تكتيكات” حزب العمال ناجحة في كل زمان ومكان. صعب على هؤلاء تصديق أن “فكر القائد” يعيش مراحله الأخيرة وأن الوظيفة انتهت…

خالد جميل محمد لم يَعُدِ الترويجِ للقُبحِ أمراً عَارِضاً، بل بات ظاهرةً ومقياسَ عصرٍ ينتشي بفسادِه، ويتباهى بالزيف والنِّتاجات الردئية، (في الأخلاق، السياسة، العلاقات، الأدب، الكتابة، الفنّ، الثقافة والإعلام..)، ويكافئ منتجي القُبحِ الماضِين في تدمير قيم الجَمال الحقيقي، جملةً وتفصيلاً، حتى صار منتجو الجَمال الحقيقي يشعرون بالخجل ممّا لديهم من إبداع ثمين، ويُفرَض عليهم التواري لِئَلّا يكونوا عرضة للاستخفاف بهم…

في لحظة تاريخية دقيقة تمر بها القضية الكوردية في روجافا/كردستان سوريا، حيث تتقاطع التحديات الداخلية مع التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، لم يعد التشتت خياراً، ولم يعد الانقسام تفصيلاً يمكن تجاوزه. إن ما يواجهه شعبنا اليوم يتطلب مستوى غير مسبوق من الوعي والمسؤولية الوطنية. لقد أثبتت التجارب أن غياب الرؤية الموحدة وتعدد المرجعيات السياسية يضعف الموقف الكوردي، ويفتح الباب أمام التدخلات…

عبدالجبار شاهين أحياناًعندما ننظر إلى واقعنا السياسي اليوم يصعب تجاهل شعور متراكم بأن الامور لم تعد مجرد اختلافات سياسية عادية. هناك شيء أعمق تشكل مع الوقت نوع من الانقسام الذي تسلل إلى طريقة التفكير نفسها وليس فقط إلى المواقف. كثير من الناس خاصة الاجيال التي نشأت في ظل هذا المشهد أصبحوا يعرفون انفسهم أولا من خلال الانتماء السياسي قبل…