نزوع الشر في الإنسان يبدو أصيلا

محمد قاسم ” ابن الجزيرة “
ديرك 5/9/2016
في القرآن الكريم –ومنذ أربعة عشر قرنا – يرد القول: ” … النفس أمّارة بالسوء”
في إشارة إلى نزوع الشر في النفس الإنسانية، يمثله ما يعرف في لغة الدين وشرائعه ، باسم الشيطان-وبحسب لغة كل قوم.
وتذهب أبحاث علم النفس، ومنها مدرسة التحليل النفسي(فرويد) إلى أن نزوع الشر جزء طبيعي في تكوين بنية النفس. بمعنى أن الإنسان لديه ميل طبيعي إلى ممارسة أفعال الشر.
ويبدو كأن التجربة التاريخية للسلوك البشري تنبئ عن تأييد ذلك. كما يصادق عليه، ما يجري في الواقع.
قبل نزول القرآن، أشارت الاتجاهات الفلسفية التي استمدت عناصرها الأساسية من الدين، إلى ثنائية الخير والشر، ومنها مثلا “الزرادشتية” التي تقسم الآلهة إلى: إله الخير وإله الشر.
ووجدت اتجاهات في الفلسفة تعتبر أن الإنسان خيّر، وإنما يبرز الشر في سلوكه عندما يكون جاهلا، فيربط بين الشر والجهل، والخير والعلم، على رأسهم-الفيلسوف الإغريقي سقراط. يقول: ” لا يفعل المرء، الشرّ مختارا”. أو مين تزو، تلميذ كونفوشيوس الصيني، الذي يرى أن المرء خيّر، لكن الشر والفساد يأتيه من المجتمع. ويرى أبو حامد الغزالي أن الطفل نقي بريئ وجوهرة نفيسة ومن ثم هو أمانة بيد الوالدين، في حالة قابلية لتقبل كل ما ينقش في إدراكه، وافق على ذلك جان جاك روسو بالقول: العقل صفحة بيضاء يتكوّن مما ينقش فيه. وهكذا فالاختلافات قائمة في الفهم، لكن الذي يجري يؤيد اتجاه وجود الشر واقعيا كمكون طبيعي في بنية النفس.
فإذا تصفحنا تاريخ البشرية نجد أن هذا النزوع نحو الشر،  ظاهر في مجموعة من الأفكار والسلوكيات البشرية، وذروتها؛ الميل إلى العنف والعدوان (الحروب مثالا) واستثمار نتائجها المدمرة للبيئة والخضرة والعلاقات الاجتماعية … فضلا عن القتل الذي لا يفرق بين مقاتل وبريء، بين حياة عسكرية وحياة مدنية –غالبا-. لاسيما بعد التطور التقني الهائل في الأسلحة.
فإذا كانت الحروب تنتهي دوما إلى نهايات تقف عندها، وقد تستعاد الحياة الطبيعية بتدرّج يطول أو يقصر…  فإن ما تخلفه آثارها من تأثير في الحياة الاجتماعية تبقى لأزمان تطول. ولا يمحوها، أو يخفف منها ، سوى وعي متجدد، ومتلازم مع قيم أخلاقية؛ تضبط  ايقاع حركة المجتمع الثقافية، والممارسة التي تبنى عليها، بنوع من الشعور بالمسؤولية تجاه  اللنفس والبعد الاجتماعي فيها، وتجاه المجتمع والأجيال القادمة . وهي أجيال بينها، الأبناء والأحفاد ومن يلحق بهم من الأقرباء والأصدقاء والجيران و …الخ.
فهل يدرك المُؤْذون هذه الحقيقة، ام إن النزوع الأناني لديهم طغى وتجبر، فأعماهم عنها؟!
من الذي يربي هذا النزوع ويعززه أكثر؟
قد يكون أصحاب المصالح المالية الذين فهموا الحياة مادة تنتهي بانتهاء الروح، ولا عقاب ولا حساب… أوالطامعون بالتحكم في حياة الآخرين؛ تحت أي عنوان كان: ديني أم اجتماعي أم سياسي …الخ.
أو، أولئك الذين حُرموا تربية وتعليما إيجابيا (فالتعليم قد يكون في اتجاه سلبي، كتدريب بعضهم على ممارسات ذات طبيعة مافياوية، أو لصوصية، أو اغتيال المتميزين بين معارضي النظم السياسية ذات الطبيعة المنحرفة، أو غير ذلك.
ويبدو أن الجميع  تحت تأثير لحظة انتشاء، يظن أنه سيبقى كذلك دوما. وهذا وهم قد لا ينتبه اليه المرء إلا بعد أن يزول –ربما في ظروف لا يعود غلإدراك مفيدا  (صدام حسين، القذافي ومختلف المستبدين… نموذجا).
من المؤسف، أن الثقافة في البلدان المتخلفة، تُختطف من قوى داخلية او خارجية لتنحرف في اتجاه ينزع نحو الشرّ، وعبر ممارسات تبدو في صورة نضال، لكنها ذات طبيعة استغلالية لمشاعر الشعوب البسيطة، وحماسها البريء لشعارات التحرر الوطني، والنضال من اجل الحقوق القومية/الوطنية…الخ. فتصبح أسوا تأثيرا من العدو المباشر. والشد إيذاء زرع ثقافة منحرفة  بوعي وقصد. وهذا يرتب مسؤولية كبرى على الانسان كفرد، لإدراك معنى ذاته ودوره كرسالة وحياة معا.
الأمثلة في الواقع أكثر من أن نحصرها في مثال معين. مع ذلك، فهناك الواقع السوري والعراقي واليمني والليبي ودول أفريقية …الخ. وهي أمثلة صارخة.
 فقط تحتاج من يركّز في تفكيره، وتأملاته، ويمتلك أدوات منهجية في التفكير في لحظة تحرر من المؤثرات النفسية ذات الجاذبية الشهوية…!
وخير معرفة هي تلك التي يحصل عليها المرء بنفسه، ومن خلال تجاربه “التعلم الذاتي” مع الاستفادة من المتيسر من وسائل مساعدة طبعا.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

سلمان حسين -هولندا في سوريا التي أنهكتها الحروب، وتراكمت على ذاكرتها الجماعية صور الدمار والدماء، يبرز مفهوم النصر عبر السلام بوصفه الرؤية الأعمق والأكثر إنسانية لتحقيق الغاية الأسمى لأي صراع لحماية الحقوق، وصون كرامة المواطن السوري المغلوب على أمره، وترسيخ الأمن والاستقرار. فالنصر الحقيقي لا يُقاس بعدد المعارك التي تُحسم , ولا بحجم القوة التي تُفرض، وخاصة بين أبناء البلد…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* إن البديل الديمقراطي ضد الديكتاتورية الحاكمة في إيران لا يُعرّف بالشعارات والادعاءات. البديل الحقيقي هو القوة التي تمثل صوت المنتفضين، وتتواجد في قلب المعركة، وتستطيع نقل واقع انتفاضة الشعب الإيراني إلى الرأي العام العالمي. من هذا المنظور، فإن دراسة انتفاضة الشعب الإيراني وتداعياتها توفر معياراً واضحاً لتمييز البديل الحقيقي. التنظيم؛ الشرط الضروري للبديل إن دفع الاحتجاجات المناهضة…

إبراهيم اليوسف   كان الخوف يسكنني طويلاً كلما نظرت إلى أبناء الجيل الذي كبر بعيداً عن تراب الولادة. خشية على ارتباطهم بلغتهم. خشية من انقطاع الخيط الذي يربط البيت الأول بالشارع الجديد. خشية من أن تتحول الذاكرة إلى صورة باهتة معلّقة فوق جدار لا يلتفت إليه أحد. شعرتُ أن الغربة لا تكتفي بأخذ الجغرافيا، إذ تمضي أبعد فتأخذ الكلمات، ثم…

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….