لن نقوم بحرب ثالثة من أجلكم

صالح بوزان
كان في الاتحاد السوفييتي سبعينيات القرن الماضي أربع أصنام بارزين في القيادة. السيد برجنيف الأمين العام للحزب الشيوعي الذي كان يتعاطى كماً من الأدوية قبل الظهور أمام الكاميرات نتيجة شيخوخته وأمراضها. والسيد ألكسي كوسيغين الذي كان يجلس في مؤتمرات الحزب أكثر من ساعتين أو ثلاث دون أن يتحرك من كرسيه ولا يلتفت يمنة أو يسرة، ولا يحرك يديه إلا عند اتخاذ القرارات. والسيد أندريه غروميكو وزير الخارجية الذي فشلت منافسة الصحفيين الغربيين لاتخاذ صورة له وهو يبتسم. وأخيراً ميخائل سوسلوف منظر الحزب الذي حول النظرية الماركسية إلى تابو. هذا الشخص لم يتكلم يوماً ارتجالياً. 
روى لي أحد القياديين في الحزب الشيوعي السوري أن أحد أعضاء اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي قال له في سهرة، أنهم كانوا مرة في عداد وفد برئاسة سوسلوف لتوديع القيادية الاسبانية الشيوعية البارزة ديبوريس إيباروري(1895-1987) في مطار موسكو والتي عاشت منفية في الاتحاد السوفييتي 38 سنة. وبعد وفاة فرانكو وتحول اسبانيا إلى دولة ديمقراطية مثل بقية الدول الغربية قررت هذه القيادية المسنة العودة إلى وطنها لتموت هناك. في المطار شكرت السيدة الاسبانية الاتحاد السوفييتي وقيادة الحزب للحفاوة التي أولوها بها طيلة هذه السنوات. وعندما أراد سوسلوف رد الإجابة لها، أخرج من جيبه ورقة وقرأ عشرة جمل بحقها. 
لكن هؤلاء القادة الأصنام كانوا دهاة في الحرب الباردة. مرة كان حافظ الأسد في زيارة مهمة للاتحاد السوفييتي في سبعينيات القرن الماضي، واجتمع مع هؤلاء الأصنام. اشتكى لهم من أمريكا التي تقدم الدعم العسكري والسياسي والمالي اللامحدود لإسرائيل. وفي نهاية كلامه طلب منهم ردع أمريكا. فقال الأصنام له: “لن نذهب إلى حرب عالمية ثالثة مع أمريكا من أجلكم”.
لكن بوتين النصف الشيوعي والنصف ك ج ب لديه الاستعداد للذهاب إلى حرب عالمية مع أمريكا. فهذا العقل لا يمكن أن يتصالح مع أمريكا، وينحني لها، لا من خلال بنيته الشيوعية ولا من تربيته الكجبي. المسألة بالنسبة له ليست دعم بشار الأسد الذي لا يساوي عنده كوبيكاً واحداً “قرشاً”. بل للثأر لما لحق بروسيا من هزائم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. ومن أجل استعادة وزنها العالمي. 
روسيا كانت دائماً إمبراطورية. وتصرف كل حكامها على أنهم قياصرة. بما في ذلك الشيوعيون. بوتين يدرك تماماً كيف استغلت أمريكا ضعف روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وأحاطتها بقواعد عسكرية على حدودها، تحوي أحدث الصواريخ القادرة على حمل أسلحة نووية تصل إلى أية بقعة في روسيا خلال دقائق إن لم نقل ثوان. أمريكا طردت الروس من أفغانستان ومن العراق، وخدعتها بشكل مذل في ليبيا. 
الأسلحة الحديثة الأكثر تطوراً التي يرسلها بوتين لقاعدته العسكرية في طرطوس وتلك التي يقدمها للجيش السوري ليست للاستعراض والاختبار، بل للاستخدام. هذه الأسلحة موجهة بالدرجة الأولى ضد أي تصرف أمريكي في سوريا. كل الاعلام الأمريكي حول خطة “ب” دعاية فارغة. كما أن قول الجهات الأمريكية بأن أوباما يبحث كل الخيارات المتاحة في سوريا يذكرنا بقول الاعلام السوري بعد كل ضربة إسرائيلية في العمق السوري بأننا سنرد في الزمان والمكان المناسبين. 
كل الخيارات لأمريكا في سوريا أصبحت مغلقة. فلتعزيز مكانتها في سوريا مقابل الوجود الروسي، ووضع أحدث أسلحتها فيها ليس لها مكان سوى المنطقة الكردية في الشمال السوري. لكن هذا الأمر يتطلب من أمريكا القيام بخطوتين مكلفتين. الأولى الاعتراف بالفدرالية الكردية وتحويلها إلى شبه دولة. غير أن هذا الإقليم لا يستطيع العيش بالاعتماد على موارده الذاتية. فلا بد من دعم مالي كبير وطيلة بقاء الوجود الأمريكي هناك. والخطوة الثانية ضرورة اقناع حزب الاتحاد الديمقراطي وكتائبه المسلحة بقطع علاقة الانتماء لحزب العمال الكردستاني، والخروج من العقلية الحزبية إلى عقلية الحكومة. وهذا الأمر أيضاً ليس بتلك السهولة. فقيادة حزب الاتحاد الديمقراطي ليست بذلك المستوى الفكري والسياسي والتنظيمي لكي يتصرفوا باستقلالية. ومن ناحية ثانية، فخلال سنوات سلطة هذا الحزب في الشمال السوري تعثر في الارتقاء إلى مستوى شبه دولة. 
ومع ذلك، لو قامت أمريكا بهذه الخطوة، فسيكون الفيتو التركي في وجهها أكثر حدة. في هذه الحال لا بد من طرد تركيا من حلف الناتو. لكن تركيا لن تقف مكتوفة اليدين. فستعقد حلفاً عسكرياً مع روسيا دون تردد. وستشكل هذه الخطوة التركية تهديداً أكبر على المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط. لذلك لن تقوم أمريكا بهذه المغامرة في سبيل تعزيز موقعها في جزء غير مهم من سوريا مقابل تعريض مصالحها الحيوية في الشرق الأوسط كلها للخطر. 
لقد قال الروس للسوريين يوماً: “لن نذهب لحرب عالمية ثالثة مع أمريكا من أجلكم”. والآن ستقول أمريكا للسوريين: “لن نذهب لحرب عالمية ثالثة مع الروس من أجلكم”.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس مؤتمرات التفكير بدل مؤتمرات الوحدة الشكلية. ليست مشكلة الحراك الكوردستاني اليوم في غياب شعار الوحدة، بل في الطريقة التي جرى بها فهم هذا الشعار وممارسته. فالوحدة الكوردية كانت، وما تزال، من أكثر الشعارات حضورًا في الخطاب السياسي الكوردي، غير أن كثرة الحديث عنها لم تُنتج، في أغلب الأحيان، واقعًا سياسيًا موحدًا بقدر ما أنتجت سلسلة متكررة من…

صلاح بدرالدين نشرت صحيفة – جمهوريت – التركية مؤخرا عن ” لقاء كل من مظلوم عبدي ، والهام احمد بعبدالله اوجلان في ايمرلي بشهر آذار المنصرم ” ، في وقت تجري تحضيرات للقاء جديد بعد ، تلميحات وتصريحات سابقة عن علاقات حسنة بين مسؤولي جماعات – ب ك ك – السورية من جهة والسلطات التركية من الجهة الأخرى ، ومنذ…

حاوره: عمر كوجري قال محمد إسماعيل سكرتير الحزب الديمقراطي الكوردستاني- سوريا، ورئيس المجلس الوطني الكوردي في سوريا إن فشل كونفرانس «وحدة الموقف والكلمة الكوردية» هو نتيجة تراكمات سياسية وتنظيمية عميقة. من أبرز هذه الأسباب غياب الإرادة السياسية الحقيقية وروح الشراكة لدى بعض الأطراف، حيث بقيت الحسابات الحزبية الضيقة متقدمة على المصلحة القومية العامة، فقد تمّ الدفع بما يسمّى…

اكرم حسين تشكل القضية الكردية في سوريا أحد أبرز التحديات السياسية والاجتماعية التي تواجه سوريا الحديثة، وهي قضية متجذرة في التاريخ وتعكس تعقيدات التركيبة الديمغرافية السورية. فالقضية الكردية ليست مسألة أقلية عرقية تبحث عن الاعتراف بهويتها ، بل هي قضية وطنية بامتياز تمس نسيج المجتمع السوري وتؤثر على مستقبل الدولة السورية ككل. إن فهم البعد الوطني لهذه القضية يتطلب تحليلا…