الباحث عبدالإله الباشا المللي.. تاريخ لم يدون..!

إبراهيم اليوسف
لم أكن أتصور يوماً، أن أستعرض ذاكرتي، وأنا أكتب في غياب الباحث الكردي عبدالإله الباشا المللي”1951-2016″ الذي تمت معرفتي به منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي، من خلال بعض شيوعيي مدينته سري كانيي/ رأس العين الذين كانت تربطه بهم علاقات طيبة، لتتطور- في ما بعد- من خلال أصدقاء مشتركين آخرين، في المدينة، أو خارجها. وتتعمق تدريجياً، وليكون أحد أعضاء الوفد الذي اختارتهم أحزاب الحركة الكردية في العام 2004 والذي تشكل من كل من: إبراهيم محمود- عبدالإله الباشا- محمد جزاع”بوشكين”  وأنا،  لنكلف بمهمة التواصل مع المثقفين السوريين. بعيد الانتفاضة. بعد أن أحست الحركة الكردية بأنه حتى من بين المثقفين السوريين، ذوي الحضور، من لا يزال لا يعرف، حتى الآن أي شيء عن الكرد في سوريا. وقد تجلى ذلك في قول أحدهم على الفضائية السورية: الكرد العرب السوريين. وهو ليس  بجهل طارئ بل له جذوره التاريخية، إذا ما عدنا إلى آراء عدد من المؤرخين القدامى **الذين كتبوا عن الكرد بلا أية مسؤولية.
وإذا كنت سأفرد بحثاً لاستذكار حواراتنا مع المثقفين السوريين-آنذاك- وهو حديث مهم. أشرت إليه أكثر من مرة، في مقالاتي بشكل عابر، فإنني-هنا- سأشير إلى مناقشاتنا الطويلة- كأعضاء وفد- في تلك الأيام الدمشقية التي أفردت لنا هامشاً نتعرف فيه إلى بعضنا بعضاً، بأكثر مما تتيحه ندوة عابرة لأحدنا، أو زيارة رسمية أو ودية تتم بيننا، ومن بينها لقاؤنا بأسرته أثناء امتدادات الانتفاضة، وهجوم بعضهم- بأوامر من النظام- على بيوت أسرة-المللي- النبيلة، وقتل أحد أبنائها، ومن بين وفدنا آنذاك: الشهيد مشعل التمو- ريزان شيخموس وآخرون. إذ استشففت فيه ذلك الحماس والحس العميقين تجاه إنسانه، وهو سليل واضع أس خريطة-كردستان.
لم أدر، ما الذي جرى لي، وأنا أتلقى اتصالاً من حرم صديقنا الراحل، وهي تقول: إبراهيم  أخبر أصدقاء أبي خليل أننا في انتظار وصول ابننا البكر خليل ليوقع على رفع أجهزة التنفس عنه، لأن الأطباء يشيرون- ومنهم كريمته أنه لا أمل في ديمومة حياته. حيث امتلكتني مشاعر ألم وحزن وكآبة مضاعفة، أكثر بكثير من تلك التي امتلكتني، في المرة الأولى التي اتصلت على رقم هاتفه، كي ترد أختنا أم خليل:
عبدالإله، في المشفى، وهو في غيبوبة…!..
إذ أحسست بفداحة الخسارة- مرتين- مرة لأن امرءاً نبيلاً، إنساناً، بكل ما تقتضي العبارة من دلالات ومعان قد بات قاب قوسين وأدنى من الغياب. بعد أن صارع مرض سرطان الرئة خمسة أعوام، بهمة عالية، وكان ما إن يخرج من أسر إبر الوريد، وجلسات المعالجة، يعود ذلك الباحث المهموم بشؤون أهله، وقومه، وبلده، ووطنه: كردياً، وسورياً. ذا آراء خاصة في الشأن السياسي. قد نتفق معه على بعضها، كي نختلف-لامحالة- في بعضها الآخر، وهو أمر طبيعي تجاه باحث من وزنه، لا يستقي آراءه من بيان طرف سياسي، ولا مرافعات آخر، وإنما من تحليله الخاص.
قبل تعرضه لتلك الغيبوبة الأولى التي استمرت حوالي ثلاثة أشهر. كنت قد أعلنت، وبعيد حديث بيننا عن تاريخ-سري كانيي/رأس العين” أن ألتقيه لا دون رؤيته التي قالها في حوار. إلى جانب بعض ما نشر، أو كتب، وهو مبثوث في الدوريات الكردية، أو لا يزال في الوطن، وإن كان يعلن لي ما تعرض له بيته- بيت الأسرة الكبير- للنهب، والسرقة، بعيد غارات هؤلاء المسلحين على مدينته، وكانت وراء مغادرته إلى أوربا، ليواجه شراسة وحش المرض العضال الذي قاومه حتى النفس الأخير.
وبالرغم من اتفاقنا، على أن يكون الحديث عن تاريخ العائلة- وهو تاريخ يخص كرد المكان ويخص كردستان- ضمن جزء من الحوار/الكتاب. إلا إنني لم أكن خائفاً كثيراً على هذا الجزء من التاريخ، حتى وإن كان شيوخ الأسرة قد رحلوا. بل وإن أكثر مثقفيهم، قد رحلوا، ومنهم الشاعر إسماعيل الباشا الذي جاء رحيله مباغتاً، وكان آخر لقاء لنا به قبيل وفاته، وراح عبدالإله يعزينا ونحن نتداعى لتقديم العزاء لأسرته، بل راح يخفف صدمتنا، عندما قامت إحدى الجهات الرسمية بكسر-شاهدة قبره- وعليها النص الذي أوصى بتدوينه عليه.
في الوقت الذي كنت وعدد من الأصدقاء، نضع أيدينا على قلوبنا، طوال فترة غيبوبة أبي خليل، آملين أن تحدث معجزة ما، ويعود إلينا، إنساناً، وباحثاً، بالإضافة إليه: صاحب شهادة تاريخية، حملها معه، وظل جزء مهم منها لم يدون-للأسف-جاءنا الخبر من أسرته:
عبد الإله بخير، لكنه، لا يستطيع التكلم، وهو يكتب بخط يكاد يكون غير مفهوم.
كانت حياته هي الأكثر أهمية لدي، وأنا أتواصل مع أسرته، في انتظار تحديد لحظة استئناف المشروع الذي بات ممكناً، بعد معجزة عودته إلينا. غير إن لسان حاله كان:
لننتظر قليلاً…!.
ولأننا لا نعيش في مدينة واحدة- كما كنا من قبل- بل ولأن هذه المسافة تتضاعف بجهل لغة المكان، فلم أكن قادراً على استمرار زيارته. فقد أعلمت الأسرة بأن الصديق سيامند إبراهيم يعيش في مدينة كولن نفسها التي يعيش فيها عبد الإله، وسيقوم بإجراء الحوار معه، وراح الصديق سيامند ليزوره- وهو صديق قديم للأسرة ومحب لعبدالإله- من أجل إنجاز الكتاب. وتم ذلك بالتنسيق مع أسرته، كي يتم أخذ- لب اللب- عبر أربع جلسات أولية. في يوم موعد الجلسة. كنت وسيامند- مصادفة- في حفل هيرنة/ الألمانية الذي أقامه المجلس الوطني الكردي تضامناً مع ضحايا ومتضرري تفجير- مجزرة قامشلي الإرهابية- وقال لي:لا بد من أن نتصل بأسرة أبي خليل، لأنني سأتأخر عن موعدي الليلة- قليلاً- وما إن اتصل بنفسه-عبر هاتفي- حتى عاد وقال لي:
-عبدالإله منذ الأمس، في غيبوبة..!.
لم أتمالك نفسي، إذ انتابتني حالة ألم شديدة، خوفاً على مصير صديقنا الباحث، الوفي، الذي طالما عاش وجسد -حالة قناعاته- سواء أكانت حول رؤيته في أرومة زردشتية شعبه، أو سورية مكانه، و قوميته إلخ..، ضمن معادلته الخاصة، من دون أن يتوقف حفره التاريخي، البحثي، لحظة ما، ولكن. كي يكون ما أنجزه من إرشيف، ضحية الحرب المجنونة التي تعمل على اقتلاع الجذور، والذاكرة.
غياب عبدالإله الباشا المللي، في هذه الفترة، الحرجة التي تشهد خريطة جده إبراهيم باشا المللي كل هذه المخاطر المحدقة . ومن خلال هذا المنظور، وغيره، هو ليس خسارة بالنسبة إلى أسرة صغيرة، ربى فلذات أكباده في مهادها على الأخلاق العالية، وحب الناس. وإنما هو خسارة كبيرة عامة، بالنسبة إلى كل من أحبهم، لاسيما وأننا نشهد في هذه اللحظة ذاتها تمويل مراكز الدراسات المشبوهة للكثير من البحوث التي تدعو إلى نفي علاقة الكردي بمكانه، واختلاق تاريخ مزور، طالما اشتغلت عليه- مناهج تربية حزب البعث وامتداداته السابقة واللاحقة بما فيها الداعشية منها- من أجل محو وجود إنسانه. وأنى لهؤلاء، جميعاً: دائرين ودوائر ذلك..!. 
*
الراحل عبدالإله التقى عديدين من أبرزهم: محمد نذير جزماتي. وحقيقة، فقد التقينا في دمشق- وخلال أيام- المئات من المثقفين، في لقاءات فردية، وجماعية. ومن أبرز تلك اللقاءات. ذلك اللقاء الذي أعده الشاعر صقر عليشي في منزله- تضامناً مع أهله الكرد- وكان في إطار مأدبة حضرها العشرات من الأدباء والأكاديميين والإعلاميين في قبو دار نشره في دمشق. من هؤلاء كما وردت أسماؤهم في دفتر مذكرات إبراهيم محمود: ناظم مهنا- رشا عمران- انتصار سليمان- محمد خير داغستاني- د.عابد إسماعيل إلخ……. 
ومن أبرز من التقيناهم، في لقاءات خاصة: البروفسيور أحمد برقاوي- عطية مسوح وآخرون. وقد اتخذ اللقاء الرسمي مع د. علي عقلة عرسان -بصفته الرسمية- بعداً آخر. إذ أبدى وعوداً مشجعة آنذاك بعد أن تحدثنا له: وكنت طرحت في اللقاء، خطة وبرنامجاً عمليين، للرد على محاولات النيل من صورة الكردي، وتمت الموافقة على ذلك، من دون أن ينفذ من ذلك قيد إنملة. إذ تحدث كل من محمود وباشا وجزاع في جوانب الظلم على الكرد والبعد التاريخي لهم في التاريخ والواقع.
**
من أمثال: ابن الكلبي- وأبو اليقظان-  ومن ثم ابن عبد البر في مؤلفه “القصد والأمم” على إنهم من نسل عامر بن ماء السماء. يقول أحد الشعراء:
ولا تحسب الأكراد أبناء فارس ولكنهم أبناء عمرو ابن عامر
 بالإضافة إلى أبي الحسن علي بن الحسين المسعودي”896-957″ وغيرهم كثيرون-بعكس ابن خلدون الذي كان له رأيه المخالف-
يراجع هنا بشكل خاص :د. أحمد خليل  هل الكرد من أصل عربي؟.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

المحامي عبدالرحمن نجار بضغط القوى الدولية ودعوة أقليم كوردستان العراق أنعقدكونفرانس في 26 نيسان 2025 بمدينة القامشلي أجتمع فيه مجلس الوحدة الوطنية بقيادةحزب الإتحاد الديمقراطي، وقيادة المجلس الكوردي، من أجل وحدة الصف الكوردي خاصة بعدرحيل نظام البعث.فتم الإتفاق على خطاب سياسي “الفيدرالية،اللامركزية”!. قلنافي حينها أنه مصطلح ناقص مخالف للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، أما المصطلح الصحيح هو:”الفيدرالية القومية وفق اللامركزية…

ماجد ع محمد   صحيحٌ بأن المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وإيران في إسلام آباد بباكستان تلكأت مرةً أخرى، ولكن هذا لا يعني بأنهم وصلوا إلى طريقٍ مسدود، ما دام أن الخصمين اللدودين إلى الآن مهتمان بالتهدئة، كما أنه معروف عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه مزاجي ورجل صفقات، حيث إن عيونه في كل الأوقات مفتوحة على الجانب الاقتصادي، وهذه…

د. محمود عباس   الأمم الصغيرة ومكانتها في النظام العالمي الجديد.   لم يعد النظام العالمي الجديد حكرًا على الأمم الكبرى وحدها، ولا باتت المكانة الدولية تُمنح فقط لمن يملك المساحة الأوسع أو الجيوش الأضخم. فخلال العقود الأخيرة، أثبتت تجارب متعددة أن أممًا ودولًا صغيرة استطاعت أن تفرض لنفسها وزنًا يتجاوز حجمها الجغرافي والديمغرافي، لا لأنها…

عاكف حسن في كل مرحلة سياسية معقدة، يظهر مصطلح يلمع أكثر مما يشرح، ويُستخدم أكثر مما يُفهم. في حالتنا، اسم هذا المصطلح هو: “الاندماج الديمقراطي”. هذه ليست نظرية سياسية بقدر ما هي وصفة سحرية جاهزة، خرجت من فضاء أفكار عبد الله أوجلان، لا من رحم التجربة السياسية والاجتماعية لروجافا. ومن هنا يبدأ الالتباس: مشروع لم يُصغَ على قياس طموحات الناس…