ما خلف تصريحات خالد العبيدي بخصوص البيشمركة والموصل

ماجد ع محمد
باعتبار أن الجحود ليس وليد الصدفة إنما له علاقة بالتفكير والتصورات السابقة للشخص أو الجماعة، فيكون نكران المعروف إذاً عادة  لدى من كان ليس في وارد تقدير أية تضحيات يقدمها الغير له، بل ثمة مَن قد يفكر بتبخيس أية قيمة إضافية قد تُحسب لذلك المغاير، وإذا كان الأمر كذلك فلماذا إذاً يبقى المُبادر مصراً على تلقف مواقف الاستخفاف مِن لدن كل مَن كان ناكراً للصنيع الجميل، بما أن الشكر غير موجود في قاموس المتضايق مما يفعله الأخر لأجله أو لأجل مَن كانوا يحملون نفس الثقافة القائمة على إنكار الفضل مثله، وذلك مهما قدَّم الساعي من الأضاحي أمام عتبة المتملص من رد الجميل هذا بوجهٍ عام.
أما فيما يخص العراق فقد يُستشف ما يشبه ذلك من تصريحات وزير الدفاع العراقي خالد العبيدي حول التحضيرات الجارية لتحرير الموصل، وذلك حسب ما نقلته رويترز على لسانه حيث يشير الوزيرُ بعدم امكانية مشاركة قوات البيشمركة في معركة تخليص الموصل، وذلك في تغريدات له على تويتر مِن واشنطن قبل اجتماعٍ لوزراء دفاع الدول المتحالفة ضد تنظيم داعش يوم الخميس وفق رويترز، وقوله بأنه “لا يتوقع أن تدخل قوات البيشمركة مدينة الموصل، وأنهم  لن يسمحوا لهم حتى بأن يشاركوا في تحرير المدينة”، في إشارة منه بالحاجة إلى تفاهمات سياسية بشأن الهجوم وإدارة مرحلة ما بعد خروج تنظيم داعش، حيث يلمح العبيدي بأن التفاهمات يجب أن تسبق عملية التحرير، وربما يود الوزير إيصال رسالة ما الى قادة الاقليم لتقديم بعض التنازلات حتى يشاركوا في تحرير المدينة، والتلويح ربما بمشاركة الحشد الشعبي في تحرير المدينة من براثن التنظيم، ذلك الحشد الذي بيّن انحيازه ولم تكن ممارساته بحق بعض المواطنين في بعض مناطق العراق أفضل من تنظيم داعش الارهابي.
علماً أن أمين عام وزارة البيشمركة في اقليم كردستان جبار ياور كان قد أعلن في وقتٍ سابق لصحيفة الصباح الجديد وجود تنسيق مشترك بين قوات البيشمركة وقوات الجيش العراقي عبر غرفة عمليات مشتركة في اربيل واخرى في مخمور للتحضير لتحرير مدينة الموصل، كما أكد ياور وقتها استعداد قوات البيشمركة للمشاركة في تحرير مدينة الموصل، بالرغم  من عدم تقديم الحكومة الاتحادية اية مساعدات لقوات البيشمركة، ورفضها المتكرر لتسليح وتجهيز وتخصيص ميزانية قوات البيشمركة.
فهل يا ترى جاءت تصريحات العبيدي الأخيرة لرفضه الضمني للشروط التي وضعها اقليم كردستان للمشاركة في عملية استعادة الموصل من تنظيم داعش، تلك الشروط التي توضح صراحةً حسب تسريبات لمسؤول عراقي بأن بارزاني اشترط أن يتم تحويل قضاء شنكال والمناطق المحيطة به إلى محافظة، وكذلك  تحويل منطقة سهل نينوى التي تشمل المناطق المسيحية التي يسكنها الأرثوذكس واللاتين وبقية الطوائف إلى محافظة تتبع إقليم كردستان، وأيضاً رفع الحظر الذي تفرضه بغداد على توريد الأسلحة إلى قوات البيشمركة.
فهل يا ترى غدت المعطيات على الأرض لصالح بغداد حتى خرج  وزير دفاعها بهذه التصريحات مجدداً؟ وهل تراه يخشى من أن يظل اسم البيشمركة صاعداً للأعلى بالتزامن مع الانهيار القيمي والمعنوي لجيشه أمام التنظيم الذي تنازل له الجيش العراقي في أكثر من مكان عن سلاحه وذخيرته ومواقعه؟ أم أن تلك التصريحات هي محاولة لاشراك الحشد الشعبي ومن يماثله من الميليشيات الطائفية حتى لا يكون الانتصار المعنوي من نصيب قوات التحالف والبيشمركة وحدهم؟ أم أن زيارة نوري المالكي المرحب بها مِن قبل ساسة السليمانية كانت الدافع إلى ذلك الموقف؟ أم أن بغداد لا تزال تنظر بعين الاستغباء للاقليم بحيث يمنعون وصول السلاح للاقليم من جهة ويمتنعون عن دفع رواتب البيشمركة من جهةٍ أخرى، وفي نفس الوقت يزعجهم أي انتصار للبيشمركة على بقايا البعث الاشتراكي المغلف باسم داعش، بينما يودون أن يُحملوا الاقليم المزيد من أعباء اللاجئين الفارين من مختلف المدن العراقية، وكذلك الذين سيفرون لاحقاً نتيجة المعارك من الموصل، كما يوضح  ذلك تصريح العبيدي بخصوص استقبال الاقليم لمن سيفر من الموصل باتجاهها، وذلك في قوله بأنه “يتوقع بأن معظم السكان الذين يقدر عددهم بنحو مليوني شخص سيفرون من الموصل مثلما فعلوا في المعارك الأخيرة وأن الهجوم سيحتاج إلى تنسيق مع قوات البيشمركة من إقليم كوردستان”، فيبدو بأن التنسيق مع الاقليم يهم وزير الدفاع فقط من ناحية استقبال الاقليم للمزيد من اللاجئين، وليس لإشراك البيشمركة في تخليص المدينة من بقايا البعث الذين استبدلوا ثوب العلمانية بالثوب الديني وصاروا دواعش.  
على كل حال فإذا كان انتصار البيشمركة على الشر غير مرحب به لمن قد لا يعتبرهم في دخيلة نفسه خيراً من تلك الجهة الشريرة التي يتم محاربتها عالمياً، فلماذا على الاقليم إذاً أن يكون سنداً في كل الأوقات عسكرياً ومعنوياً وملاذَ أمانٍ لمن بوده أن ينكر كل جميلٍ يقدمه إليه الاقليم والبيشمركة في أحلك أيامه؟ وإذا كان الشريك المفترض في عز ضعفه وهو يحاول الامساك كل مرة باليد التي تؤلم قادة حكومة الاقليم، فماذا يا ترى سيكون موقفه تالياً عندما يكون في موقع القوة كما كان عليه الرفيق الراحل صدام حسين وأعوانه؟ 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شــــــريف علي كركوك لن تكون سلعة، ولن تتحول يومًا إلى ورقة في دفتر مقايضات السياسيين، لأنها ليست رقعة على طاولة مساومات، بل مدينة كوردستانية تختزن ذاكرة شعب وعمقًا جغرافيًا وثقلاً اقتصاديًا لا يمكن تحويله إلى بند في مفاوضات عابرة أو صفقات تُعقد في الغرف المظلمة بين من اعتادوا بيع المواقف وشراء النفوذ. كل محاولة لطرحها كملف قابل للبيع والشراء تتجاهل…

د. محمود عباس   لا يحتاج الشعب الكوردي اليوم إلى مراجعة عدالة قضيته، ولا إلى إعادة النظر في حقه القومي، ولا إلى التراجع عن حلمه التاريخي في كوردستان موحدة وحرة، بل يحتاج إلى شيء آخر أكثر إلحاحًا، إعادة النظر في أدوات النضال وأساليبه بما ينسجم مع العالم الذي يتشكل من حوله. فالحق القومي الكوردي ليس محل نقاش بالنسبة لنا، كما…

ماجد ع محمد من بعض العبارات التي توجَّه عادةً لأبناءٍ هم دون مستوى الآباء فيما يحملون من القيم والخصال والمواقف المشرفة، جاء في كشكول السلف: “نريد تهذيبًا يُعيد إلى ابن هذا الزمان شيم الأقدمين”. ولكن السؤال المطروح هنا هو: يا ترى من الذي سيقوم بمهمة التهذيب وإصلاح الإعوجاج في الابن بعد أن غادر الوالد وغدا ذلك الابن هو الآمر والناهي؟…

فيصل اسماعيل   لم يعد المشهد السياسي في سوريا يسمح بمساحة رمادية طويلة. فالجمهور الكوردي اليوم لا يكتفي بالمواقف أو البيانات، بل يبحث عن قوة سياسية قادرة على التأثير وصناعة القرار. وفي هذا السياق، يجد المجلس الوطني الكوردي نفسه أمام سؤال جوهري: هل يريد أن يكون بديلًا سياسيًا حقيقيًا أم يكتفي بدور المراقب؟ الحقيقة القاسية في السياسة أن الحضور الرمزي…