بين الميوعة والتحجّر..!

دهام حسن
في مطلع القرن العشرين، وفي إحدى العواصم الأوربية، وبينما كان الناس منهمكين بطقوس احتفالات عيد رأس السنة الميلادية، أبصر بعض المناشفة جمعا من البلاشفة مقبلين وهم يخترقون صفوف المحتفلين، فنادى المناشفة:(جاء المتحجرون) ردّ البلاشفة بالمثل :(افسحوا الطريق للمائعين) ونحن اليوم في الواقع السياسي الكردي ترانا بين التحجر والميوعة، لقد علمتنا الحياة أن نتواضع بقدر ما دون تمييع أو إذابة لشخصيتنا، أو ظلم لذواتنا، وإن تطلّب الموقف التواضع، فلا بأس دون إذابة وميوعة، في هذه الحال علينا أن نعي تماما ذاتية الشخص الذي نتقرب منه، وعندما يتجاهلك الشخص الذي تتقرب منه وتتودد إليه، عليك بردّ الصاع صاعين بالنفور منه، لكن علينا أن نعي من الشخص الذي نتقرب إليه، وربما نتودد منه، حتى لا نظلم أنفسنا، وهنا أستمدّ من الخليفة المأمون هذه الحكمة:(أظلم الناس لنفسه من يتقرب إلى من يبعده، ويتواضع لمن لا يكرمه)
فعندما يقتضي أن تأخذ موقفا سياسيا، عليك أن تعمل بقناعاتك، لا بتبعيتك للمسؤول في موقع ما، عليك أن تقف مع الحقّ والحقيقة المرتكزة على قناعاتك، ولا تجامل إلا في الحدود الدنيا، وحسب مقتضيات الحالة، كان أرسطو تلميذا لأفلاطون لكن عندما وقعت واقعة علمية وتبين لأرسطو أن معلمه قد جانب الصواب قال:(إن أفلاطون عزيز عليّ لكن الحقيقة تبقى الأعزّ).. لأقول هنا إذا ما رأى واحدنا أن ثمة من يتجاهله، ويتجاوزه، عليه ألآ ينحني أمامه، ولا يبادله المشاعر الكاذبة الخادعة، ولا يمتثل كبعضهم قول المعري:
ولما أن عاندني مرامي جريت مع الزمان كما أرادا 
فمن أسباب انهيار بعض الأحزاب، هو وصول غير الجديرين إلى دفـّة القيادة وتحكمهم بزمام الأمور، فانحنى هؤلاء أمام الأمر الواقع، وبالتالي فهم غير جديرين بالتخطيط للمستقبل، كما يرى ذلك بحق تروتسكي، وقديما قال ميكافيللي :(إذا أردت أن تسيطر على بلد ما فحكّم عليه حثالته) …
أحل فبعضهم وهم قادة أحزاب يريد أن يستوزر في مملكته ذا ماض ملتبس، تجرّع الخنوع من قبل فاستساغه عوضا عن شخص آخر ذي موقف وصاحب رأي وقناعة…
جاءتني إشارات عديدة من بعض المتابعين للإشادة على ما أكتب، وشيء من المعاتبة من بعض الخلّان فيما إذا أشدت بنقطة إيجابية لحزب ما فتخيّل لهذا الواقع المزري.. فهل عجزت النساء الكرديات أن يلدن بخير من هؤلاء، أم أن هؤلاء أنجبتهم مثلبة الواقع، وأن الثورات التي عصفت بالمنطقة ستكنسهم عن بكرة أبيهم بعد إصلاح واستصلاح، وبقاؤهم واستمرارهم رهن برحيل هذا الواقع الجاثم بظلمه وظلامه ودون إرادة ناسه الطيبين..
ما أفسد هؤلاء بشكل أكثر، وسببت في تضخم الأنانية لدى بعضهم، وعدم الاكتراث بالقيم الخلقية والحزبية، والتعالي عن سائر الأعضاء الحزبيين هو المال السياسي الذي أفسد جميع المنتفعين، وحيّر كثيرا من المتسائلين، وضحك في نفسه كلّ المتسللين، وشلّ شمل الجميع..
على الصعيد الشخصي أقول على لسان أحد هؤلاء :دهام يتهجم علينا ويطلب منا أن نطبع له كتابا، فتصور علما أني لم أطالبه بطباعة أي كتاب لي يبدو أن بعض رفاقه الحزبيين نقلوا له ذلك..علما أن وجبة غداء لأعضاء المجلس في اجتماع موسع كامل كلفهم مبلغا أكثر من قيمة طباعة الكتاب، آخر يحول دون ندوة ثقافية عن المجتمع المدني لأنني أنا المحاضر، ثالث يحول دون قراءتي لنص شعري في مناسبة عزيزة عليّ حتى لا يبدو أمام ما أكتب قزما في كتاباته لدى تكريمه..آخر يقيم في الإقليم بعد أن صال وجال بديار صدام وعرفات وسواهما وفي نفسه شيء من حتّى..
فليدعو جميعا للأرض التي أنجبت لهم قائدا تاريخيا مضحيا يصل الليل بالنهار فلا ينام، قائدا متسامحا يحسن الرؤية واغتنام الظروف وقراءة الواقع قراءة واعية هو “السروك” مسعود البارزاني القائد الذي يسهر لننام مطمئنين وحالمين بمستقبل أكيد وليخسأ من بعده الانتهازيون..!

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…