قضية شعب تفتقر إلى «تمثيل»…

أحمــــــــد قاســـــــــم
 
عجباً, وأسفاً.. بعد ستون سنة من النضال تفتقد قضية شعبنا إلى من يمثلها جراء التشتت والتشرذم الذي أصاب حركتنا السياسية.. فلن أندم إن قلت: إن ما خطط لنا نظام البعث, فما زلنا أوفياء له, وما زلنا نسير على إرشاداته.. أربعون حزباً لم يتأسسوا لملء الفراغ السياسي أو لتصحيح المسار و إصلاح ما هو فاسد, بل تأسسوا ” ليزيدوا في الطينة بله ” ويعقدوا الحالة أكثر تعقيداً وأكثر تأزماً وأكثر إسائة لقضيتنا التي عانت الأمرين ” مرارة سياسة الإضطهاد العنصري من جهة النظام الحاكم, ومرارة داخلية جراء الصراع الداخلي بين أطراف حركتنا السياسية “
لايمكن أن أُقنع نفسي بأي حال من الأحوال على أن هذا الكم من الأحزاب قد تشكلت بمحض إرادة مؤسسيها من منطلق قومي والحرص على القضية.. وإلا كيف يمكن أن يصدقنا الآخرون على حرصنا في وقت ” كلما عملنا بشكل جاد لتأسيس إطار من أجل وحدة الصف, يواجهنا عمل إنشقاقي.. إلى أن أصبح شعار الوحدة وتوحيد الصف أو التوافق على صيغة ما يثير شكوكاً لا حصر لها ولا حدود على مصداقية هذا المطلب الملح, والذي بدونه لا يمكن أن نحقق ما يطمح إليه شعبنا.
كان قدرنا أن يحكمنا حزب قلت نظيراته من أحزاب في القرن العشرين يتبنى فكراً شمولياً وعنصرياً بوجهين مخادعين ” وجه مشبع بالشوفينية والعنصرية, ووجه إسلاموي يظهره عند اللزوم ” مع إمكانية شعبنا المتواضعة للمواجهة الغير متوازنة.. حزب حكم سوريا بهذه العقلية التي غرزت في مخيلة كل سوري عربي على أنه المنقذ للعروبة التي تواجه أقوى دولة إمبريالية في العالم, وبالتالي, كل من يعادي نهجه ” منهجنا في الفكر القومي الإشتراكي ” يعني على أنه متآمر على البلاد والأمة العربية….وبالتالي جعل من حركتنا متهمة أمام الشوفينية العربية واليسار العربي بما فيهم الإسلام السياسي….
وكذلك قدرنا أن نكون ضحية توازنات بين المعسكرين ” الإشتراكي والرأسمالي ” وانطلاقاً من تبني تلك المفاهيم السائدة, كانت الماركسية ” سُماً ” حٌُقِنَ في شرايين حياتنا الفكرية والثقافية والسياسية, وبالتالي, كان من السهل أن يلعب حزب البعث دور الإدارة في حركتنا السياسية بالتعاون والتنسيق مع ” الحزب الشوعي السوري ” المتحالف معه في ” الجبهة الوطنية التقدمية ” والتي أسسها حافظ الأسد مع العديد من الأحزاب القومية في عام 1973, حيث كانت بمثابة عملية إنقضاض على مجمل العمل السياسي في سوريا.
ولما كان الحكم يعتمد على دور وأنشطة أجهزته الأمنية, فكانت الحركة الكوردية هدفاً لتلك الأنشطة من خلال تبني سياسة ” فرق تسد ” تجاه الحركة السياسية الكوردية, والعمل على صناعة أدوات التمزيق والتشتيت بين صفوفها. فلقد أفلح في ذلك, إلى حد إخراجها عن مسارها التي يجب أن تسير عليها كما يجب خدمة لقضيتها القومية.. علاوة على ذلك, إستطاعت أجهزة البعث الأمنية توجيه مشاعر الكورد من الداخل السوري إلى الخارج من خلال علاقاتها مع الحزب العمال الكوردستاني وإقامة قائده في سوريا طوال عشرين عاماً.. مما صنعت أرضية خصبة للتعامل مع الحركة السياسية بشكل غير مباشر وتمرير سياساتها لتشتيت وتمزيق الأحزاب, وبالتالي نزع ثقة الجماهير بأحزابها, والتأكيد على أن قضيتها مرتبطة بكوردستان تركيا والعراق, وأن الحكومة السورية لا ترى مانعاً من أن تتوجه الجماهير باتجاه كلا الجزئين من كوردستان.. وكان على من تربطهم من الكورد بعلاقات أمنية مع أمن النظام العمل بخطاب ” قومجي ” داخل صفوف الحركة والعمل على تشتيتها بصبغة كوردية من خلال تبنيهم ” الحزب العمال الكوردستاني أو الحزب الديمقراطي الكوردستاني في العراق ” وبشخصية كوردية بعيداً عن الشبهات من قبل ” العامة “
أعتقد أن تلك المرحلة كانت أسوأ مرحلة مرت بها حركتنا السياسية, حيث كانت مفتوحة للجهات الأمنية من خلال هؤلاء الذين أشرت إليهم, وبالتالي, كان من السهل التحكم بقرارات مصيرية للحركة السياسية وتوجيهها حسب ” المقتضى ” وإلا كان مصير من يسير بعكس الإتجاه إما رميه خارج الصف بتهمة بشعة أو العمل على شق الصف إن تعاظمت جماهير أحد أطراف الحركة.. تحت إبراز شعار لا يمكن أن يرفضه أحد عند إعلانه وهو ” من أجل وحدة الصف الكوردي إنعقد كونفرانسنا أو مؤتمرنا الإستثنائي لتصحيح المسار”.. شيء مذهل, وخاصة في تكراره للمرة الألف منذ إنشقاق الأول لعام 1965 وإنعقاد كونفرانس ” اليسار ” عام 1966., وحتى يومنا هذا لم يتغير هذا الشعار, وكأننا تعودنا على إجتراره ” كالأغنام ” ولن نتجرأ محاسبة من يكرر في إعلانه عند أي إنشقاق آخر!!!
أعتقد أن حركتنا السياسية مع مرورها بتلك المراحل المحكمة والمدارة من وراء الستار أضحت أن تكون مدرسة لفقدان الثقة بالنفس أولاً, وخاضعة حتى اليوم لتلك المؤثرات, مما تجعل منها أن تكون عاجزة عن تمثيل حقيقة قضية شعبها في أي موقع كان, وبالتالي أنها في موقع أكثر عجزاً من أن تمثل قضيتها في محفل دولي من دون أن تتحرر من تلك الثقافة والقيود التي لا تزال تمنعها من التحرك.. فإن كلا المجلسين اليوم ومعهما الأحزاب الخارجة عن الإطارين عاجزين عن تشكيل وفد موحد يمثل أكبر قضية في المنطقة ” قضية شعب ” عانى من الحرمان و إنكار الوجود طوال مائة عام.. فهل ذلك نابع من القناعات الفكرية أم أن هناك قوة خفية لا تزال تلعب دورها الإداري والقيادي في إدارة العمل السياسي والدبلوماسي وحتى “المسلح” لحركتنا السياسية؟ وبالتالي تكون قضيتنا قضية شعب من دون تمثيل قيادي. 
642016

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس مؤتمرات التفكير بدل مؤتمرات الوحدة الشكلية. ليست مشكلة الحراك الكوردستاني اليوم في غياب شعار الوحدة، بل في الطريقة التي جرى بها فهم هذا الشعار وممارسته. فالوحدة الكوردية كانت، وما تزال، من أكثر الشعارات حضورًا في الخطاب السياسي الكوردي، غير أن كثرة الحديث عنها لم تُنتج، في أغلب الأحيان، واقعًا سياسيًا موحدًا بقدر ما أنتجت سلسلة متكررة من…

صلاح بدرالدين نشرت صحيفة – جمهوريت – التركية مؤخرا عن ” لقاء كل من مظلوم عبدي ، والهام احمد بعبدالله اوجلان في ايمرلي بشهر آذار المنصرم ” ، في وقت تجري تحضيرات للقاء جديد بعد ، تلميحات وتصريحات سابقة عن علاقات حسنة بين مسؤولي جماعات – ب ك ك – السورية من جهة والسلطات التركية من الجهة الأخرى ، ومنذ…

حاوره: عمر كوجري قال محمد إسماعيل سكرتير الحزب الديمقراطي الكوردستاني- سوريا، ورئيس المجلس الوطني الكوردي في سوريا إن فشل كونفرانس «وحدة الموقف والكلمة الكوردية» هو نتيجة تراكمات سياسية وتنظيمية عميقة. من أبرز هذه الأسباب غياب الإرادة السياسية الحقيقية وروح الشراكة لدى بعض الأطراف، حيث بقيت الحسابات الحزبية الضيقة متقدمة على المصلحة القومية العامة، فقد تمّ الدفع بما يسمّى…

اكرم حسين تشكل القضية الكردية في سوريا أحد أبرز التحديات السياسية والاجتماعية التي تواجه سوريا الحديثة، وهي قضية متجذرة في التاريخ وتعكس تعقيدات التركيبة الديمغرافية السورية. فالقضية الكردية ليست مسألة أقلية عرقية تبحث عن الاعتراف بهويتها ، بل هي قضية وطنية بامتياز تمس نسيج المجتمع السوري وتؤثر على مستقبل الدولة السورية ككل. إن فهم البعد الوطني لهذه القضية يتطلب تحليلا…