روسيا وحلم الإمبراطورية السوفيتية في سوريا

المهندس اسماعيل درويش

إن الحرب
السورية التي بدأت رحاها منذ اليوم الأول من إنطلاقة الثورة السورية والتي بدأها
الشعب السوري ثورة ضد من أحتكر سوريا لعشرات السنين .
لم تكن الثورة السورية
مجرد دعاية إعلامية الهدف منها إبراز الذات والبحث عن المكتسبات ، ولم تكن مجرد
خروج عن الواقع بهدف ملئ الفراغ وخلق المزيد من التوتر والعنف ، ولم تكن الثورة
السورية من أجل الدمار والخراب والقتل .
إنما قامت الثورة السورية للتخلص من
واقع لا إنساني كان يعيشه المواطن السوري في ظل حكم مستبد يستهدف لقمة المواطن
ويقيد حرية شعب قد أنهكه الظلم والأستبداد .
ولم تكن سنوات الأربعين التي عاشها الشعب السوري في ظل النظام البعثي  بالأمر السهل
، فقد ذاق من الجوع والذل الكثير وعندما قرر المواطن السوري الخروج إلى الشارع
للتعبير عن رأيه في مطالبته بإسقاط هذا النظام الفاشي كان أمله في المجتمع الدولي
كبيراً .
فقد وضع في منظوره بأن المجتمع الدولي لن يخذله ، ولن يقف إلى جانب
الظالم ضد المظلوم وإلى جانب المستبد في وجه من يطالب بالحرية ، فهذا المجتمع
الدولي هو نفسه من وقف مع الشعب الليبي واليمني والمصري والعراقي في وجه طغاة تلك
البلاد .
ولكن الحقيقة لم تكن كما هو التمني والتأمل فقد خذل المجتمع الدولي
الشعب السوري وتخلى عنه في محنته وتركه للقدر المشؤوم .
إن المخطط الذي أحيك
لسوريا وشعبها لم يكن بإرادة السوريين البسطاء  ، فقد خطط لسوريا أن تدخل في حرب
دموية يستنزف فيها مقدرات البلاد وتحتكر فيها الخيرات لمئات الأعوام لصالح من خطط
لتدمير سوريا .
وكما هو الواقع العالمي فإن هناك قطبان عالميان (الأمريكي
وحلفائها – روسيا وحلفائها )  يقودان السياسة العالمية وفقاً لمصالحها ، فكان
المستهدف هذه المرة هي سوريا نتيجة لموقعها الجغرافي المتاخم لإسرائيل من جهة وكذلك
بما يتميز به سوريا من الثروة الباطنية والخيرات من جهة أخرى  .
فجاء التفاهم
الروسي – الأمريكي على تبادل الأدوار في سوريا لخلق توازن بين القوى المتصارعة على
الأرض السورية مما يخلق مزيد من الدمار لسوريا ، وخلق الأجواء الملائمة لصراع طويل
الأمد بين النظام والمعارضة وتهيئة الظروف في استدراج قوى إقليمية إلى ذلك الصراع ،
وتسهيل الطريق للقوى المتطرفة في الوصول إلى سوريا وبدء مرحلة جديدة من الصراع بإسم
الإسلام والهدف منه تشويه صورة الإسلام المعتدل الذي لربما تضائل إلى مرحلة الضمور
بعد تحويله إلى إسلام سياسي يستند إليه في تمرير مشاريع سياسية ، وإسلام متطرف مبني
على مشروع وهمي وهو إعادة هيبة الخلافة الإسلامية لإقناع المسلمين وكسب تأييدهم ،
والهدف الأكثر أهمية لروسيا وأمريكا وحلفائهم هو إغراق سوريا في حرب طائفية لضرب
العيش المشترك من جهة وتقسيمها من جهة أخرى على غرار ماحدث في العراق .
وبعدما
تحقق الجزء الأكبر من المخطط الغربي ، بقيت الخطوة الأخيرة والمتمثلة بتحويل سوريا
إلى دولة فيدرالية والقضاء على النظام المركزي وإيجاد البديل المناسب للأسد ليبدأ
مسلسل السقوط الفعلي لدولة البعث .
ولم تكن المؤتمرات الخاصة بالشأن السوري إلا
مساعداً إضافيا لتحقيق المشروع الغربي .
والحلقات الأخيرة من الأزمة السورية قد
بدأت مع الإعلان عن الإنسحاب الروسي من سوريا ، هذا الإنسحاب الذي يعتبر فصلاً آخر
من فصول اللعبة الغربية في سوريا .
إن إنسحاب روسيا من سوريا إذا ما تحقق فهو
بإتفاق أمريكي – روسي – غربي لأهداف كثيرة أهمها  :
 1 – للضغط على النظام الذي
تمادى كثيراً وخرج عن طاعة روسيا في الرضوخ للواقع والمطالب الغربية والأمريكية
والتوقيت التي أعلن فيه الإنسحاب هو دليل قاطع على إيصال رسالة مباشرة للأسد بأنه
لا خيار له سوى الرضوخ لمطالب الدول العظمى وسيكون الجولة الجديدة من جنيف3 مفعمة
بالتغيرات ولربما المفاجئات  .
2 – ضمان مصالحها المستقبلية في الجو والبحر وسطح
وباطن الأرض السورية .
3 – للإنتقال إلى مرحلة الحرب بالنيابة ولربما نجد إيران
في الواجهة المباشرة وتتصادم مع التحالف الخليجي المتشكل حديثاً .
4 – لإعادة
التوازن من جديد في الحرب الدائرة في سوريا ، ولربما نجد إنتقال قوات المعارضة إلى
مرحلة الهجوم وإعادة استعادة المناطق التي انتزعها النظام بدعم روسي مباشر .
5 –
يبدو أن روسيا ستنحو منحى أمريكا في تحقيق مصالحها المستقبلية في سوريا بشكل غير
مباشر ، لإن تدخلها المباشر في سوريا كبدت أقتصادها المزيد من الخسائر .
إن
الدولة الروسية وعبر تاريخها الطويل لم تكن يوما صديقاً لأحد فهي تبحث عن مصالحها
في جميع تحالفاتها وغالباً تخذل أصدقائها في نهاية المطاف وعندما تتحقق مصالحها 
.
وأكثر ما أخشاه أن تكون قوات سوريا الديمقراطية والتي يشكل الكورد الجزء
الأكبر منه قد سلموا زمام أمورهم لروسيا ، فعندها سنشهد مزيداً من الكورد على مذابح
السياسة المؤجندة .
هل سيتقن الكورد اختيار الحليف المناسب هذه المرة  ؟
هل
سيستفيد الكورد من اللعبة السياسية العالمية ويخرجوا منها منتصرين ويحققوا الحلم
الكوردي في كيانٍ كوردي مستقل ؟
 أم سيخسروا قضيتهم كما هو الحال في كل مرة 
 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثالثة: من القرار 688 إلى المبادرة الأممية… هل يمتلك المجتمع الدولي أدوات حماية الاستقرار؟ عندما نتحدث عن مبادرة أممية لحماية استقرار إقليم كوردستان، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل توجد سابقة دولية يمكن الاستناد إليها؟ الإجابة تقودنا إلى قرار مجلس الأمن رقم 688 لعام 1991، الذي جاء في أعقاب أحداث مأساوية شهدها العراق، ودعا إلى…

د. عدنان بوزان لا تكمن المعضلة الكوردية في الحدود وحدها، بل في النظام السياسي الذي تشكل في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وفي الطريقة التي جرى بها توزيع المجال الجغرافي والسياسي للمنطقة من دون أن تحل بصورة عادلة مسألة الشعوب والهويات القومية التي كانت تعيش فيها. ومن هنا، فإن اختزال القضية الكوردية في مجرد المطالبة بحقوق ثقافية أو إدارية داخل…

د . مرشد اليوسف تعيش محافظة الحسكة مرحلة دقيقة وحساسة تتطلب أعلى درجات المسؤولية السياسية والاجتماعية والأمنية، ولا سيما في ظل تصاعد بعض الخطابات التحريضية ووقوع حوادث عنف وعمليات قتل تستهدف أفراداً على خلفيات قومية أو سياسية. إن استمرار هذه الظواهر، أياً كانت الجهات التي تقف وراءها، يشكل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي، ويفتح الباب أمام دورة خطيرة من الثأر…

حسن قاسم تمر شعوب منطقتنا بمرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتتراكم آثار الحروب والانقسامات التي أنهكت المجتمعات وأضعفت قدرتها على بناء مستقبل أكثر أمناً واستقراراً. وفي ظل هذه الظروف، لم يعد السؤال المطروح هو فقط: من انتصر ومن خسر؟ بل أصبح السؤال الأهم: كيف يمكن تجاوز هذه المرحلة ومواجهة تحدياتها على مختلف الصعد؟ برأيي، يبدأ الطريق…