محمد العاني: ظلك أكبر من أكبر داعشي

 ابراهيم محمود

محمد العاني: عُلِمتُ بإعدامك الرهيب
الرهيب الرهيب أنت ونجلك، يا أخي، يا الشاعر الودود والبهي، يا القلب النهري، على
أيد داعشية وُهِبت شهوة القتل والدمار وبث الرعب في النفوس، ودائماً باسم: الله
أكبر. علِمت وأي علم، بما جرى وفي غفلة كما هو استغفال السفلة، وقد تابعت صورتك
وخلفك مكتبتك، وأنت تجمع في شعرك حوار الليل والنهار، وثمة ابتسامة ملغزة تتقدم
محياك، كما لو أنها تسخر في العمق من هؤلاء الذين يستحثون خطى إرهاب، ودائماً تحت
صحبة مريعة تعنيهم ومن معهم: الله أكبر. علِمت وما كنت أريد أن أعلم أنك أنت ولا
ابنك، ولا أياً كان، يكونون ضحايا العنف الداعشي غير المسبوق مكللاً بصيحة: الله
أكبر.
كما التقينا، كما كنت نلتقي في مهرجانات وغيرها، وتشهد الرقة المدينة على ذلك،
وبيننا طاولة مساحتها ود سوي، وزواياها الأربع نافذة في ود يصافح الجهات الأربع،
وحولنا وجوه أصدقاء الأدب والكلمة، بيننا اختلاف يضفي السني على الطاولة المزهزهة،
والكراسي المنتشية بأصوات من أسلسوا القياد لبوحات قلوبهم، والصور التي كانت تتنفس
من خلال ومضات تترجمها أجهزة تصوير، كما لو أن كل صورة كانت تؤخَذ على ألم، وتؤرشَف
في ألم، وهي موجهة إلى مستقبل حين يكون أحدنا غائباً، والآخر يتحدى ذاكرة الزمن بأن
لا محل للذاكرة لأن لا محل للنسيان، حيث كل جسد فينا يعزّز حضور الآخر في المكان
والزمان، أو ربما نكون غائبين معاً، فتتكفل الصورة بإبراز شهادتها ضد كل مزور
للمكان المكان.
نعم، أيها الأخ الأخ، ومعك ابن الأخ: ابنك، نعم، يا محمد العاني،
لا أدري ما الذي يمكنني استدعاؤه لأبقيك في واجهة غد بالترادف مع لائحة آلام لا
تحصى، في مواجهة من آثروا تمثيل الإرهاب والموت المريع الداعشيين حيث يصعب تصور
نسخة أسوأ من ذلك.
نعم، يا أليف شعر يسمّيك ويدنيك إليه، وصديق كلمة لا يمكنها
أن تخونك شاعراً وصحافياً، كما هي استطاعة ذائقتك الأدبية، لا أدري عن أي لقطة
مصورة أبدية القيمة، أو متخيلة عصية على الحصر، ونحن نطلق العنان لكلمات ليست
كالكلمات، رغم أنها كانت كلمات، إنما من نوع خاص، ويكتسب الشاي الرقّاوي نكهة
استثنائية ممتعة لنا، ودفء الود الذي يعرش في المكان، حيث النوافذ تعانق أربعة
آفاق، مهفهفة الهواء الداخل والخارج، كما لو أن الزمن قد تأمم من آناته.
لا
أدري، لا أدري، لا أدري، وأيم الشعر، أيم الكتابة الكتابة، كيف أصرّح لك بقدسية ما
كان، شاهداً على قدسية التنوع، وتعرفني كردياً، وأعرفك عربياً، وتعرفني قامشلوكياً،
وأعرفك ديرزورياً، وتعرفني متكىء الخيال إلى طوروس، وأعرفك متكىء القلب إلى الفرات،
ونعرف أننا مشغولون بزمن نحلم به معاً، لا يفرقنا فيه زمن مقحَم، يمنح كلاً منا ما
يشعِره بكينونته، ما يبقيه في حضرة الآخر، في كرنفال الوجوه المتعانقة، ونحن في
الداخل، ونتابع كل ما يتردد في الفضاء الرحب للمكان الثقافي، وملؤنا أمل، ومن كان
يعلم أن ثمة رعباً يمكن أن يرجَّ سوريا، من كان يعلم أن جبلّة من عنف همجي، وأيد
تمثّل خلاصة إرهاب عصرها تتعهد بفصل كل رأس مأهول بالحياة، عن جسد مأهول
بالحياة.
طريقك وابنك وأحبتك من لغات شتى، وهم ضحايا داعشيون ومن هم وراء داعش،
رحب، طريقك وكل ضحية عنف، وناشد حرية له وللآخرين ما هو نهري في الحياة، ما هو
معزّز لمكان مؤمَّم من كل عنف مدمر.
طريقك وكل نظير لك فيما انتهيت إليه مصيراً:
الخلود، يا أخي، ويا صديقي الذي فجعت برحيله القسري وابنه، أي محمد العاني، ولأهلك
الباقين الحياة التي لم تنفد بعد، ولن ينهيها إرهاب داعش.
دهوك- في
11-3-2016.
 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…