« 12 » آذار واشكالية التفاعل بين القومي والوطني

صلاح بدرالدين

 نحتفي هذه الأيام
بذكرى مرور اثني عشر عاما على الهبة الدفاعية الكردية التي بدأت بمدينة القامشلي
لتمتد  شراتها الى مختلف مناطق التواجد الكردي في مناطقهم بكوباني – عين العرب
وعفرين وفي المدن السورية الكبرى مثل حلب ودمشق ففي ذلك اليوم والأيام التي تلته
هبت جماهير القامشلي والأماكن الأخرى في وجه أجهزة القمع وقوى السلطة ومجموعات
عنصرية (تحولت فيما بعد الى مايعرف بشبيحة النظام) حضرت خصيصا من مناطق أخرى تحت
غطاء حضور مباراة كرة القدم بين فريقي القامشلي ودير الزور لتعبث بأمن المدينة
وسلامة أهلها بدعم مباشر من الشرطة ورجال الأمن وحسب تخطيط أمني محكم بغية بث الرعب
وكسر شوكة المناهضين لنظام الاستبداد وتركيع المدينة الأبية العصية على الخنوع
والاستسلام وقد كان لذلك الحدث المفصلي دروسا جمة نوجزها بالتالي :
 أولا – لقد أطلقت تسمية – الهبة – على ماحدث بخلاف آخرين وصفوه بالانتفاضة والثورة
لكونه بنظري كحركة دفاعية عفوية لم يتم التخطيط لها قامت كمشروع انتفاضة ثم ثورة
لوتوفرت الشروط اللازمة وأهمها على الاطلاق توفر التواصل – كما حدث مؤخرا في ثورات
الربيع – بين موقع الحدث من جهة وبين ناشطي المناطق والمدن والبلدات السورية في
كامل الجمهورية وحدوث التجاوب والتفاعل وعدم اقتصار التحرك على الطابع الكردي الخاص
أما لماذا بدأت الهبة في مناطق ذات غالبية كردية فالسبب هو معاناة سكانها الأمرين
تحت ظل نظام البعث منذ عقود وتعرضهم لشتى أشكال الاضطهاد والقمع بنوعيهما العنصري
والاجتماعي وباتت أسباب المواجهة مع النظام لدرجة الاحتقان العالية متوفرة فيها
أكثر من المناطق السورية الأخرى .
 ثانيا – الهبة التي انتشر أوارها كما ذكرنا
في مختلف أماكن التواجد الكردي من جانب الشباب والطلبة وجماهير المدن وقدمت أكثر من
ثلاثين شهيدا  لم تنل نصيبها من الاهتمام والدعم والاسناد من الأحزاب جميعها التي
التقت وخرجت ببيانات مذيلة باسم ” مجموعة الأحزاب الكردية ” وكانت تضم كل من في
الساحة من القديم والجديد بمافيها جماعة – ب ك ك – الحديثة العهد التي اتخذت دور
الحياد والوسيط بتنسيق مباشر ولقاءات متكررة في منزل رأس الحزب اليميني  مع مجموعة
جنرالات المخابرات السورية بينهم ( علي المملوك ومحمد منصورة وآخرين ) حيث تعاون
الجميع على وأد الهبة حتى لاتتحول الى انتفاضة وطنية شاملة والتي ألحقت الرعب بنظام
الأسد فمالبث أن أرسل جنرالاته الى القامشلي على وجه السرعة لأن مسألة عزل الكرد عن
الحركة الوطنية السورية كانت ومازالت على رأس اهتمامات النظام .
 ثالثا – الى
جانب توجه جنرالات النظام الى موقع الحدث في القامشلي واتخاذ الاحتياطات اللازمة
لقطع الطريق على أي تطور قد يغير كل الحسابات وبالاضافة الى الموقف المتخاذل
لمسؤولي الأحزاب الكردية لم تكن الساحة الوطنية السورية مهيأة للتفاعل مع الهبة
الكردية الدفاعية أي أن العام الراكد لم يستجب للخاص المتفجر والمركز لم يتجاوب مع
الفرع وهذا بحد ذاته يعتبر درسا ثمينا من جهة ضرورة تحرك الغالبية وكتلتها
التاريخية وتتجاوب الأطراف ( كما حصل خلال الانتفاضة ) لتكتمل عوامل شمولية الثورة
خاصة وأن ماحصل لم يبلور حراكا منظما ولم يفرز لجنة أو هيئة تعمل على تطويرها وطرح
برنامجها السياسي والتحاور مع شركاء الوطن في مختلف المناطق كما حصل مثلا ابان
الثورة السورية عندما تواصلت التنسيقيات الشبابية .
 رابعا – من الملفت أن
الأطراف الكردية ( مجموعة الأحزاب ) التي تعاونت مع مجموعة الجنرالات لاجهاض الهبة
وتطويقها والتي توزعت فيما بعد بين – المجلسين غرب كردستان والوطني الكردي – استمرت
بتنفيذ أدوار مشابهة تماما بعد اندلاع الانتفاضة الثورية السورية عندما تصدت لحركات
الشباب الكرد وتنسيقياتها اسوة بموقف النظام وشبيحته وتوزعت بين مناهض للثورة
ومتعاون مع النظام وواقف على الحياد وألحقت بذلك الضرر بالمشروع الثوري وأضعفت
الموقف الكردي العام وهذا يدل على مدى التردي في نهج وأداء تلك الأحزاب على
الصعيدين الوطني والقومي وضرورة العمل على اعادة بناء الحركة السياسية الكردية من
جديد كواجب آني ملح . 
 خامسا – للأسف الشديد لم تبادر تلك الأحزاب ( منفردة
ومجتمعة ) الى تقييم تجربة هبة الثاني عشر من آذار الدفاعية كما لم تستفد من دروسها
وأضيف هذا القصور الى سجلها المليء بالاخفاقات والانحراف عن جوهر المشروع القومي
الكردي الذي يشكل جزء من المشروع الوطني السوري العام التغييري والذي تجسده الثورة
الراهنة بأهدافها وشعاراتها ولايتعارض معه خاصة على صعيد البحث عن سوريا الجديدة
التعددية التشاركية .
  في كل الأحوال لايمكن تعريف الهبة المغدورة الا بمثابة
خطوة دفاعية ثورية تمهيدية عشية هبوب رياح ثورات الربيع في المنطقة والتي مازالت
بلادنا في القلب منها .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…