عندما يكون عدوك قوياً وخبيثاً

د. محمود عباس

   تغرق عفرين ومنطقتها، المحاصرة منذ
سنتين، بالنازحين، جمعتهم نزعة النجاة من القصف الهمجي، فأضاف أردوغان بشائعه على
معاناتهم، بقصفه العشوائي للمنطقة، تحت ذرائع جلها عنصرية فاشية، غايته التغطية على
جرائمه في شمال كردستان ومدنها، كجزرة وسلوبي وديار بكر ونصيبين وغيرها، وقتله
للمئات من السكان الأمنين، وتهجير الألاف منهم. 
  أفعاله في الطرفين، شمال
وغربي كردستان، نتاج سياسته الرعناء، في حل القضية الكردية، فعفرين وقراها، ليست
البداية ولن تكون النهاية، إنها صفحة من صفحات تاريخ السلطات التركية المليئة
بالقذارة والخباثة، والدول الكبرى تعرف بأنها عمليات عسكرية-سياسية استباقية لطمس
قضية الشعب الكردي المتصاعد، مع ذلك يسكتون عليها لأجندات ذاتية، لا تختلف عن سكوت
بريطانيا وفرنسا، على جرائم أجداده الذين مزقوا كردستان في بدايات القرن الماضي.
أنه التاريخ الملوث، والتي ستتعرى يوما، من ضمنها صمتهم هذا، مثلما ستبان بشائع
السلطات الطورانية، عند ظهور الكيان الكردستاني.
عندما يكون السياسي قوياً، يستطيع أن يكذب في وضح النهار، ويتمادى قدر ما يرغب،
ويعاهر في كل الأروقة السياسية، قلما سيجد المعترض، وإن ظهر فلا يبالي، فلن يجد من
البينين ما يعيره، إلا الضعيف المتآذي الذي لا يستمع لنقده أحد. سينافق قدر ما
يستفيد منه، فقط سيحتاج إلى خضها بالدبلوماسية، أو الإتكيت، فهناك من سيحاوره على
سويتها رغم قذارتها. وسيحكم على معارضيه بالأحكام والعقوبات التي تلائم أهدافه،
فسيجد القوى المحاطة وحتى الدولية قوانين لتدعمه وتسانده في فجوره.
هذا ما تفعله
السلطات الدكتاتورية، والشمولية، في شرقنا، تركيا الأردوغانية وما قبله، وسلطة بشار
الأسد وما سبقه، ولا يستثنى أحد من الحكومات الموجودة في المنطقة، من الملوك إلى
أئمة ولاية الفقيه، الذين يقزمون شعوبها، ويهمشون حقوقهم، تحت مفاهيم متنوعة تتلاءم
والظروف واللحظات، وعلى رأسهم قضية الشعب الكردي، القضية التي لم تتلكأ السلطات
المستعمرة لكردستان لحظة من العبث فيها، وعلى مرأى القوى والمنظمات العالمية.
   لم يعد مخفيا، أن الجميع يشتركون في محاولات طمس قضية كردستان كلما برزت، تحت ذرائع
واهية، وأقذرها ذريعة أردوغان، تصفية الإرهاب، وهو حكم القوي، علماً أن الإرهاب هو
الذي يصنفه ويحدده الشعب، لا السلطات الدكتاتورية، فهو ومن سبقوه، تمادوا في
أحكامهم إلى أن بلغ بهم الخباثة بالمزج بين الأحزاب والشعب الكردي.
  أغلبية
الشعب التركي بريء من هذه الصفاقة، فهي نابعة من حقد شريحة، خلقت ثقافة موبوءة
مشوهة بين شعبهم، إلى درجة أنه أصبح مرضاً نفسياً يعاني منه أغلبية الشعب التركي،
ولا يرون غير التركية قومية في الكون، والحديث عن الكرد وكردستان بمجرده تقض
مضاجعهم، جل غايتهم من هذه الثقافة المشوهة، السيطرة، وهي لن تكتمل إلا بإرضاخ
الكرد. فالسلطات التركية، وخاصة منذ طغيان الأتاتوركية، المعروفين للعالم ببربريتهم
تجاه الشعوب الأخرى، تمكنوا من التملص من العقوبات الدولية، وتمادوا فيها، دون أن
يواجههم رادع من قبل القوى العالمية الكبرى، ولم يظهر حكما أو قانونا من هيئة الأمم
أو الدول الكبرى ومنظماتهم، حتى في فترة الحرب الباردة، تعترض بشائعهم تلك، كما ولم
يظهر تحركا دبلوماسيا، على مدى القرن الماضي، لوقف مسيرة الإلغاء السافر لشعب من
قاموس البشرية، وجغرافية الأرض وديمغرافيته، بل والأبشع منه، مشاركة الشرائح
الفاسدة لمخططاتهم، وعلى رأسهم السلطات العروبية، حتى أولئك الذين تغطوا بغطاء
الإسلام، والأمة الإسلامية، ولم يتخلف عنهم بمؤامرات مشتركة أو بشكل منفرد طغاة
إيران ومن كان معهم. 
تماشيا مع التكنلوجيا، التي عرت خباثتهم بكل قذاراتها،
التجأوا إلى أساليب تتلاءم والعصر، فلم يعد ينكرون الكرد كشعب، لكنهم ينفون كردستان
كقضية، بأساليب أخبث. فتركيا الأردوغانية، حصرت القضية في أل ب ك ك، وأجبرته على
القيام بأعمال لا تختلف عن رد فعل الفرد الذي لا مفر إلا والقتال دفاعا عن الذات،
ليظهرها أردوغان ومن سبقوه، بأنها أعمال إرهابية، مستخدمين، النفاق والكذب والخباثة
الدولية، ليفرزوا الحزب ضمن قائمة الإرهابيين (رغم بأنه للكرد وحدهم حق النقد أو
التهجم على هذا الحزب، ولأسباب ذاتية أو موضوعية) ومن ثم يسقط التهمة على كلية
الشعب الكردي، وعلى مدى نصف قرن. وبسبب الظروف الدولية، بدأت في السنوات الأخيرة
بالتحدث عن الكرد، وكأنهم شعب خارج الأبعاد الدولية، على أنها المسؤولة عن حقوقهم،
عارضا في المحافل على أنه حقق لهم، الذي كان ملغيا سابقا من القائمة البشرية،
حقوقهم، ومطالبهم، متناسيا وبخباثة، أنه هناك دستور للدول وقوانين تحكم بين الشعوب،
والشعوب حقوقها تتجاوز الفتات. لكنه مع ذلك ولقوته وخباثته، تمكن من استخدامها أمام
العالم الأقذر منه، كخطوات حضارية وتطبيقات ديمقراطية للشعب الكردي، المستعمر من
قبل السلطات التركية.
 افتراضاتنا الجدلية، تظهر أحيانا، كاستهزاء، لأنها صادرة
من الضعفاء، وهزيلة في مواجهة الدكتاتوريات. مع ذلك، لا بد من عرضها، صداها قد تصل
من ليس في أذنيه طرشاً. لو كان أردوغان وحكومته صادقة مع الشعب الكردي والتركي
أيضا، لقدم لهم المطالب التي تطالب بها حزب العمال الكردستاني، أو قدم فيدرالية
كردستانية، أو عدل في الدستور التركي، ونقلها من سلطة تركية شمولية إلى نظام
فيدرالي، حينها سيكون قد قطع دابر حزب العمال الكردستاني، والأحزاب الكردية الأخرى،
وكل معترض سيصبح إرهابي في طروحاته، وعلى الأغلب الأحزاب الكردية وبينهم العمال
الكردستاني والشعوب الديمقراطي من أوائل الذين سيساندونه، بل وبها كان سيجعل من
تركيا الدكتاتورية دولة ديمقراطية حضارية، ستجلب انتباه جميع دول العالم وخاصة
الإقليمية، ولتمكن على بنيتها من فرض إملاءاته على الدول الإقليمية
والدولية.
لكنها لن تحصل، لأن أردوغان وداود أوغلو وحزبهم العدالة والتنمية،
وحكوماتهم، في عمقهم أتاتوركيون، يحملون نفس النزعة العنصرية، حتى ولو تغطوا بغطاء
الإسلام، وعزلهم للعسكريين لم يكن سوى صراع على السلطة، وليست على المفاهيم، لهذا
فهم يكذبون على الإعلام بنفس السوية، وينافقون مثلهم وأكثر، يستخدمون كل قوتهم
وخباثتهم بشكل واضح وفج، ولا يخفون الأحقاد تجاه كردستان، حتى ولو انهم أحيانا
لدبلوماسية ما يقدمون أل ب ك ك أو أل ب ي د كشماعة، للقضاء على السيرة التصاعدية
للقضية الكردستانية، وخاصة على الساحة الدولية.
  أردوغان وجماعته، يستخدمون
شرائح من المعارضة السورية، والبعض من زعمائها، للظهور على الإعلام بتصريحات فجة،
المنافية للمنطق، وبمفاهيم ومنطق شاذ لا يختلف عن ثقافة البعث وسلطة بشار الأسد،
والتي على خلفيتها ظهرت ثورة الشعب السوري، وهو ما دفع بأحد أقرب الناس إلى الكرد
وقضيتهم، على تغيير ذاته، والنطق بالكلمات الدونية والمنحطة بحق الشعب الكردي
بكامله، كما ويدفعون بالدول العربية التي تتلاقى ومصالحهم في هذا البعد، على معاداة
القضية الكردستانية، والذين يحركون بدورهم لوبيهم في الدول الكبرى، أوروبا وأمريكا،
والأغرب أن إيران تتفق معهم، رغم الصراع المميت بينهم ضمن الساحة السورية والشرق
الأوسطية بشكل عام، وتصريح علي أكبر ولايتي الأخير بحق مطالب الشعب الكردي في
تركيا، تبين مدى الشراكة في العداوة.
  لا شك أردوغان وأوغلوا وحكومته يستندون
على قوتهم، وعلاقاتهم الدولية، ووجودهم في الناتو، في أكاذيبهم، وتهديداتهم الوقحة
والمباشرة للشعب الكردي، وهي البنية التي تجعلهم فجا بوضع القوانين لكرد غربي
كردستان، ووضع الخطوط الحمر، والنفاق والمصالح هي التي تدفع بالدول الكبرى للسكوت
على تجاوزاتهم، وتصريحاتهم، وتدخلهم السافر في أمور خارج حدودهم، والأقذر هو سكوت
أمريكا وروسيا، وتماطلهم بين الاعتراض والسكوت، وتذبذبهم بين الكرد، وأردوغان،
ولهذا الصمت خلفيات سنأتي عليها مستقبلاً. 

د. محمود
عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

2/20/2016

   

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

جان دوست ما يمكن أن يعتبرها البعض صحوة وعودة وعي ومراجعة بعد هزائم قسد وانهيار نظام الإدارة الذاتية في سوريا، لم تصل ارتداداتها بعد إلى بيئة حزب العمال الكردستاني في سوريا. ما زال هؤلاء مؤمنين ب-“فلسفة” أوجلان ومعتقدين أن “تكتيكات” حزب العمال ناجحة في كل زمان ومكان. صعب على هؤلاء تصديق أن “فكر القائد” يعيش مراحله الأخيرة وأن الوظيفة انتهت…

خالد جميل محمد لم يَعُدِ الترويجِ للقُبحِ أمراً عَارِضاً، بل بات ظاهرةً ومقياسَ عصرٍ ينتشي بفسادِه، ويتباهى بالزيف والنِّتاجات الردئية، (في الأخلاق، السياسة، العلاقات، الأدب، الكتابة، الفنّ، الثقافة والإعلام..)، ويكافئ منتجي القُبحِ الماضِين في تدمير قيم الجَمال الحقيقي، جملةً وتفصيلاً، حتى صار منتجو الجَمال الحقيقي يشعرون بالخجل ممّا لديهم من إبداع ثمين، ويُفرَض عليهم التواري لِئَلّا يكونوا عرضة للاستخفاف بهم…

في لحظة تاريخية دقيقة تمر بها القضية الكوردية في روجافا/كردستان سوريا، حيث تتقاطع التحديات الداخلية مع التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، لم يعد التشتت خياراً، ولم يعد الانقسام تفصيلاً يمكن تجاوزه. إن ما يواجهه شعبنا اليوم يتطلب مستوى غير مسبوق من الوعي والمسؤولية الوطنية. لقد أثبتت التجارب أن غياب الرؤية الموحدة وتعدد المرجعيات السياسية يضعف الموقف الكوردي، ويفتح الباب أمام التدخلات…

عبدالجبار شاهين أحياناًعندما ننظر إلى واقعنا السياسي اليوم يصعب تجاهل شعور متراكم بأن الامور لم تعد مجرد اختلافات سياسية عادية. هناك شيء أعمق تشكل مع الوقت نوع من الانقسام الذي تسلل إلى طريقة التفكير نفسها وليس فقط إلى المواقف. كثير من الناس خاصة الاجيال التي نشأت في ظل هذا المشهد أصبحوا يعرفون انفسهم أولا من خلال الانتماء السياسي قبل…