رستم محمودطريق عودته من جنيف خالي الوفاض، لا بد أن رئيس حزب الاتحاد الديموقراطي الكُردي
السوري صالح مسلّم كان مستاء وشكا لجُلسائه مرارة ما جرى، حيث رُفض حضوره مؤتمر
المفاوضات السورية كطرف رئيس مُعترف به. لنتخيله يقول لهؤلاء الجُلساء، وربما
لنفسه، كيف يتم استبعادنا ونحن أكثر الأطراف سيطرة على حيز واسع من الجُغرافيا
السورية، ونحن الذين كُنا أكثر المحاربين لتنظيم داعش، بالإضافة لكوننا نملك أكثر
التنظيمات المُسلحة تنظيماً والتزاماً ووضوحاً في طرحها المشاريع السياسية
«المدنية».
مُجردة عما مارسه حزبه بشكل فعلي ومباشر بحق «الشُركاء» السياسيين والاجتماعيين
الفعليين في المناطق التي يحكُمها حزبه. فمجموع الإجراءات الاستبعادية التي مارسها
هذا التيار السياسي بحق الآخرين تكاد تفوق كثيراً جداً ما حصل بحق السيد
مسلم.
سياسياً كُردياً «عادياً»، مثل عشرات التيارات السياسية الكُردية السورية الأخرى،
لكنه وحده اتخذ موقفاً مُغايراً للخيار الاستراتيجي لهذه الأحزاب الكُردية
بالمُشاركة في الثورة السورية، وسعى بإلحاح لإخراج الخيار والخطاب الكردي السوري عن
سياقه السوري. وهذا لم يكن أبداً لصالح خيار سياسي كُردي سوري، بل فقط ليتطابق مع
خيارات حزب العُمال الكردستاني الإقليمية ومسألته المركزية في الدفاع عن الحقوق
القومية للكُرد في تركيا.
والنظام السوري، وبأدوات وسلوكيات وخيارات مُختلفة وعنيفة، أقصى هذا الحزب بقية
التيارات والأحزاب الكُردية السورية. أزاحهم أولاً عن النشاط والفعل المباشر في
الشارع الكُردي، واحتكر المجال العام لنفسه ولشعاراته وخياراته السياسية. وهو، منذ
وقت أبعد، ومنذ إعلان الاتحاد عن الديموقراطية للإدارة الذاتية في المناطق التي
يُسيطر عليها، بات يُشكل سُلطة شمولية لمناحي الحياة العامة كافة في تلك المناطق،
وبالذات منها الإدارية والاقتصادية والسياسية، مُستبعدا أي طرف أو تيار سياسي كُردي
أو غير كُردي، عن أي شراكة حقيقة في تلك المناطق الخارجة عن سيطرة النظام للوقوع
تحت سيطرة الاتحاد الديموقراطي بشكل تام.
لحزب الاتحاد ينتمي لعوالم «الهيمنة الناعمة»، تلك التي تسيطر على الحياة العامة مع
أشكال من التحاصص وفتح بعض المساحات للمُخالفين السياسيين، بل استخدم الحزب لغة
تنتمي لعوالم التيارات الأيديولوجية/ العسكرية القصوى، حيث تخوين الخصوم خطاباً
ولغة، والسعي لتعنيفهم والشك بجدارتهم وولائهم سلوكاً، وبالتالي شرعنة إلغائهم
وتحطيمهم.
شراكة بينه وبين خصومه السياسيين، ولم ينفذ أياً من الاتفاقيات التي جرت برعاية
رئيس إقليم كردستان العراق، حيث كان يلوم الآخرين لعدم إتمامها، بينما وحده كان
القوة العسكرية على الأرض، ووحده كان القادر على تنفيذ تلك الاتفاقيات أو
تعطيلها.
للأكراد السوريين، حيث استمال بعض الأحزاب السياسية الصغيرة جداً، مُعتبراً أن
علاقته معها تُمثل تعبيراً عن مشاركته الآخرين في الحياة السياسية والاقتصادية
العامة، مُعتبراً نفسه الفصيل السياسي والعسكري الوحيد الذي يحتكر شرعية تمثيل
الطموح الكردي في سورية، من دون أي انتباه أو مراعاة لحقيقة مستوى تمثيله الفعلي
للشرائح المُجتمعية الكُردية، ومن دون أن يسمح لأي طرف قياس مدى وشكلها تمثيليته
تلك وشكلها.
تكتمل من دون مُشاركة السيد صالح مسلم وحزبه، لأنهم باتوا بحكم الواقع طرفاً
سياسياً وعسكرياً. لكن شرعية تلك المظلومية التي يطرحها حزب الاتحاد الديموقراطي لا
تكون كاملة وحقيقية ومُحقة من دون أن يقر هذا الحزب بأخطاء كل نمط ممارسته بحق
الآخرين. هذا في حال سعيه لأن يجلس في صف المعارضة، التي تواجه النظام الشمولي
الاستبعادي، لا في صف الطرف الآخر.
الحياة






