أوهام صالح مسلم المدونة على أحجار الدومينو

حسين جلبي

 
كاد صالح مسلم، زعيم حزب الإتحاد الديمقراطي الذي كان مطلوباً لبعض
الوقت للنظام السوري قبل بدء الثورة السورية على خلفية التفاهم السوري ـ التركي،
الذي قام على أنقاض وجود حزب العمال الكُردستاني في سوريا الذي كان مسلم من
قياداته، كاد يصدق قوله بأنه يستظل بالحماية الشعبية إبان عودته من جبال قنديل إلى
المناطق الكُردية السورية في الأيام الأولى للثورة السورية، تلك الحماية التي صورها
على شكل مظلة متنقلة، تمنع سلطات نظام الأسد من التعرض له حيثما ذهب، فراح يعقد
الندوات المفتوحة منذ الأيام الأولى لعودته، والتي كان يحضرها العشرات في أماكن
تتجنب دوريات النظام المرور بالقرب بها، حتى تطور الأمر به إلى الذهاب إلى دمشق
للإعلان من هناك عن تأسيس هيئة التنسيق الوطنية المقربة من النظام مع آخرين، تلك
الهيئة التي أصبح نائب منسقها العام، و من ثم حصوله على جواز سفر سوري، كان
السوريون يعانون عادةً في سبيل الحصول عليه و كان كُردياً دونه الكثير من الأرق، و
قد إستعمله في العشرات من مطارات العالم، بدءاً من مطار دمشق إلى بغداد و طهران و
حتى اسطنبول،
 كل ذلك و هو يحاول أن يسوق أوهامه تلك، أوهام أنه معارض للنظام و يعمل على اسقاطه
و بالتالي استمرار قصة ملاحقته، إلى أن جاء مؤتمر جنيف الثالث الذي ينعقد هذه
الأيام، لتتبخر تلك الأوهام، و ليستيقظ بعض أنصاره بالنتيجة على الكابوس الذي يقول
بأن منظومتهم، و حزبهم و رئيسه جزء حقيقي و فاعل في منظومة الأسد العسكرية و
الأمنية، هذه الحقيقة التي لم تكن حقيقةً خافية على أحد.
كان صالح مسلم هو أول
من ذهب مع مجموعة من رفاقه إلى سويسرا منذ أربع أسابيع، حتى قبل أن يتم التأكيد على
إنعقاد المؤتمر، و قبل أن توجه إليه الدعوة للحضور، و هي لم توجه له فعلاً و
بالتالي فشل ـ رغم أسبقية الوصول ـ في حجز كُرسي له في قاعة المؤتمر بجنيف، و كان
هو بالنتيجة أول شخص يغادر المدينة، التي أمضى فيها ساعات قادماً من لوزان، و ذلك
قبل أن يصل وفدي النظام و من ثم المعارضة، و قبل أن تنعقد جلسات الحوار و يلتقط
لنفسه صورة تذكارية فيها، و ذلك بعد أن فشل في تسويق نفسه كمعارض لنظام الأسد و بقي
معلقاً في الهواء، فقد رفضت المعارضة احتسابه عليها، و لم تنجح محاولات روسيا في
فرضه على وفد المعارضة، و هي التي بدأت منذ بعض الوقت محاولات مكشوفة لإستغلال
المطالب الكُردية المحقة في غير مكان لتنفيذ أجندتها عبرها، كما لم تنفع العواطف
القومية الكُردية، التي تلتهب عادةً في مثل هذه المواقف في حصول أدنى درجات التعاطف
من المشاركين الكُرد في وفد المعارضة معه، إذ أعلن الجميع بصوت واحد أن المكان
المناسب لمسلم هو وفد النظام، الذي طالما خدمه.
من المستغرب أن يطرح صالح مسلم
نفسه ممثلاً للكُرد في مفاوضات جنيف، و هو الذي يعلن في كل مناسبة بأنه لا أجندة
كُردية لحزبه، و يضيف قائلاً بأن هدفه ينحصر في تحقيق الديمقراطية لسوريا و في أُمة
ديمقراطية لا يدرك أحد كنهها أو أبعادها، هذا عدا عن إستراتيجية حزبه خلال الخمس
سنوات الماضية، و التي قامت على إنتاج “الكُردي المفيد” من خلال عمليات قمع واسعة و
إرهابٍ تعرض له الكُرد السوريين على أيدي عناصر الميليشيا الأمنية و العسكرية
لحزبه، و ذلك تحت أنظار النظام السوري و بتخطيط منهم، و التي وصلت إلى حد قمع
التظاهرات المناوئة للنظام حتى إفراغ الشارع من المتظاهرين، و طلب الحصول على ترخيص
من إدارته، إدارة الأمر الواقع عند الرغبة في التظاهر، و عمليات قتل، كان منها
إرتكاب مجازر بحق الكُرد، و فرض أتاوات عليهم حصراً بمناسبة أو من دونها، و خطف
القُصر لتجنيدهم قسرياً، و كذلك إصدار قانون للتجنيد الإجباري للبالغين و محاكم
ثورية “بيوت الشعب” فوضوية يديرها أُميون، و نظام تعليم آيديولوجي تجهيلي يقوم على
عبادة زعيم الحزب و تسخير كل شئ لصورته، و هو ما أدى إلى فرار مئات الآلاف من
المنطقة، و بالمحصلة جعل صوت سلاحه الأعلى فيها، على حساب إضعاف كل صوت مناصر
للحقوق القومية الكُردية، و لحق السوريين في حياة حرة كريمة، أنطلقوا في ثورة من
أجلها.
في الحقيقة لو تعرض أي حزب، بدلاً من حزب الإتحاد الديمقراطي لصفعة جنيف،
فإن أول ما سيبادر إليه، بعد أن يستيقظ من الوهم الذي عاشه طويلاً خلال خمس سنوات،
هو مراجعة حساباته و تغيير نفسه جذرياً، لكن المعروف عن مثل هذه الأحزاب الشمولية
هو معالجة خسائرها بالإعلام و بالهروب إلى الأمام من خلال المزيد من التأزيم، لذلك
فمن المتوقع أن يبادر إلى التصعيد لينسي “ناسه” أولاً ما حدث، و ليرغم معارضيه على
الصمت و عدم تشخيص هزيمته، لأن الإعلام و القمع هما معيار النجاح الوحيد لديه،
سيتابع الحزب تخوين الآراء المعارضة لسياساته، و كذلك الكُرد المشاركين في وفد
المعارضة، و سيحملهم جميعاً مسؤولية ما آلت إليه الأمور، كما سيتابع على الأرض
إطلاق النار في كل الإتجاهات، في الدوامة التي أدخل الجميع إليها، دون أن يعلموا
السبب و الغاية.
الإنجازات التي يتحدث حزب الإتحاد الديمقراطي عن تحقيقها، و
منها إدارة ذاتية تتحكم بالملف الكُرد، و ميليشيا عسكرية و أمنية تحصي على الكُرد
أنفاسهم، و نظام إقتصادي بدائي يقوم على التهريب و السمسرة، و إجتماعي يقوم على
التحرر الكاذب، و تعليمي يقوم على التجهيل و غسل الدماغ، و غير ذلك لم تكن سوى
أوهام خطها له النظام السوري على أحجار دومينو، و إحتفظ بحجرها الأول لنفسه، لكن ما
لم يحسب له الحزب حساباً هو أن يتم إنتزاع ذلك الحجر من أيدي النظام لتسقطه نسمة في
جنيف، لتبدأ رحلة سقوط ما يتلوها، هذه الرحلة التي ستطول لأن رحلة الوهم كانت طويلة
كذلك.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…

المحامي عبدالرحمن محمد لقد سقطت الكثير من المصطلحات الخاطئة والخطيرة، مثل ما سمي بشمال وشرق سوريا، وشعارات أخوة الشعوب، والأمة الديمقراطية، وغيرها من الطروحات الايديولوجية الطوباوية والوهمية.وكما سقط النظام المجرم، سقط معه الكثير من الاوهام والاقنعة. لم يعد هناك مجال للخداع والكذب والمزايدات والمتاجرة بالقضية الكوردية.لقد سقط القناع عن وجوه الكثيرين، وظهرت الحقيقة للجميع، وسقطت الانانية الحزبية الضيقة والمصالح الشخصية….

بنكين محمد على امتداد العقود الماضية، لم يكن الحلم الكردي مطلبًا طوباويًا أو نزوة سياسية عابرة، بل كان تعبيرًا مشروعًا عن حق شعبٍ في الوجود والكرامة والاعتراف. غير أنّ هذا الحلم، الذي صاغته التضحيات والآلام، وجد نفسه في السنوات الأخيرة عالقًا بين شعارات كبيرة وبراقة، من قبيل الأمة الديمقراطية و أخوة الشعوب ، دون أن يترجم ذلك إلى مكاسب قومية…