معاناة مدينة نصيبين

درويش محما
زرت
تركيا مرتين هذا العام، مرة في بداية شهر يونيو، ومرة في شهر سبتمبر في بداية
الخريف، كلتا المرتين كانت وجهتي مدينة نصيبين، في زيارتي الاولى وجدتها مفعمة
بالحياة خلال النهار، الكل في حالة حراك دائم يبحث عن رزقه غير مبال بدرجات الحرارة
العالية، وخلال الليل تجدها امنة مستقرة شوارعها وازقتها لا تخلو من المارة،
والمقاهي في مركز المدينة تعج بالناس حتى ساعة متأخرة من الليل.
لا اتذكر انني
حملت جواز سفري وانا انتقل داخل مدينة نصيبين، واذا طاب لي السفر لمدينة ماردين او
ميدياد او دياربكر، لا اتذكر اني وجدت شرطيا يعترض طريقي، او عسكريا مدججا بالسلاح
على حاجز يستوقفني، والفضل يعود بطبيعة الحال، لسياسة الانفتاح التي اتبعها السيد
رجب اردوغان خلال سنوات حكمه تجاه الكرد وقضيتهم، بالاضافة لدعوات السلام التي
اطلقها زعيم حزب العمال الكردستاني السيد عبد الله اوجلان من سجنه، وكون المناطق
الكردية من تركيا كانت الاكثر ضررا ووبالا جراء الحرب التي دامت لاكثر من ثلاثة
عقود، فمن الطبيعي ان تكون حالة السلم المعلنة اكثر خيرا ونفعا على تلك المناطق
وأهلها.
مدينة نصيبين لم تكن هي نفسها عند زيارتي الثانية، بناء كبير من طوابق عدة على
المدخل الشمالي للمدينة كان يجهز ويعد لاستقبال طلاب المرحلة الثانوية، كان قد احرق
تماما، العديد من حاراتها وشوارعها كانت مغلقة بالحواجز الترابية والخنادق التي
حفرها اتباع حزب العمال الكردستاني، اما مركز المدينة وفي وضح النهار، تجده فجأة
فارغا من الناس، بعد ان تغلق المحلات ابوابها بناء على اوامر «الرفاق»، وليلا لا
احد يخرج من بيته الا في الحالات الاضطرارية، واذا خرج احدهم فعلى الاغلب سيعرض
نفسه لمخاطر الوقوف والاستجواب امام دورية شرطة تركية او دورية مسلحة تابعة للرفاق،
واذا كان سيئ الحظ قد يصاب برصاص طائش يطلقه هذا الطرف او ذاك. خلال زيارتي الثانية
لمدينة نصيبين كانت جارتها مدينة جزرة محاصرة من قبل الجيش التركي، وبعد مغادرتي
للمدينة بوقت قصير جاء دورها، لتتعرض للحصار وقطع الكهرباء والجوع والقتل، هذه هي
حال العديد من مدن كردستان تركيا اليوم، حيث قتل حتى اليوم اكثر من 500 شخص، وهاجر
اكثر من 250000 ، اما خسائر الناس المادية فهي لا تعد ولا تحصى.
 «العمال
الكردستاني» وحده ولا احد غيره، يتحمل مسؤولية الحرب الجارية داخل المدن الكردية ـ
التركية هذه الايام، فهو الذي بدأ بخوض هذه الحرب القذرة التي لا ناقة للكرد فيها
ولا جمل، بقتله لضابطين من الشرطة التركية في 22 يوليو الماضي بمدينة شانلي اورفا،
وبتحويله المدن الكردية الى ثكنات عسكرية والاعلان عن الادارة الذاتية فيها، من دون
ادنى مراعاة لحياة المدنيين الكرد، ودون اي تقدير لعواقب الاقدام على هكذا خطوة
غبية غير واقعية. التصريحات الاخيرة لزعيم حزب العمال الكردستاني (ب ك ك) عبد الله
اوجلان، والتي تم نشرها في جريدة «الطرف» التركية اول من امس، ربما تفي بالغرض،
وتضعنا في صورة الحاصل بالمدن الكردية ـ التركية ومن ضمنها نصيبين، حيث يضع الرجل
النقاط على الحروف بقوله : «أن الـ «ب ك ك» اخطأ في قراءة الوضع واصبح لعبة بيد قوى
دولية». كلام اوجلان المسرب هذا، هو حقا كلام موضوعي وسليم لا جدال فيه، لكن ما
يؤخذ على مثل هذا الكلام، انه مجرد اعتراف متأخر صادر عن زعيم مغلوب على امره.
السياسة الكويتية

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي تمرّ سوريا اليوم بمرحلة انتقالية قد ترسم شكل الدولة السورية ومستقبل العلاقة بين مكوّناتها، وموقع الشعب الكردي وحقوقه في سوريا الجديدة. وفي مثل هذه اللحظات، لا يكفي التمسك بالأدوات والخطابات التي رافقتنا لعقود، بل تفرض المرحلة أسئلة جديدة، أبرزها: إذا كانت المرحلة قد تغيّرت، فهل ينبغي أن تبقى القيادات والعقلية السياسية الكردية على حالها؟ هذا السؤال ليس استهدافاً…

أمل حسن إن دعس الرموز الوطنية أو حرقها في المحافل والحفلات وأمام الأنظار لا يخدم المصلحة العامة مطلقا، فكل رمز يحمل خصوصية ودورا يمثل وطنا أو مكونا سياسيا، وله قدسيته لدى الشعب الذي ينتمي إليه. ومثلما نؤمن نحن بعلم كوردستان ونضحي من أجل رفعة رايته، فإن لكل راية شعبا يحترمها وشهداء بذلوا أرواحهم تحتها.ونحن نطالب بسوريا ديمقراطية تتسع لجميع أبنائها…

زاهد العلواني آل حقي في الجزيرة السورية، عرباً وكرداً ومسيحية نشأ مجتمع عُرف بالذكاء والقدرة على التكيّف والصبر وتحمل الظروف الصعبة لمدة 55 سنة بين دفتي الرحى. ابن الجزيرة أياً كان انتماؤه القومي أو الديني يستطيع في كثير من الأحيان أن ينجح في التجارة، والوصناعة،والتعليم، والزراعة، وأن يبني لنفسه ولأسرته مكانة محترمة بجهده الشخصي. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا بصراحة…

د. مرشد اليوسف تبدو تركيا شديدة القلق من التطورات العاصفة التي تضرب الشرق الأوسط، ولا سيما احتمال سقوط النظام الإيراني نتيجة الضغوط العسكرية والسياسية المتزايدة من إسرائيل والولايات المتحدة. فمثل هذا التحول، إذا وقع، لن يكون مجرد تغيير في نظام سياسي داخل إيران، بل قد يؤدي إلى إعادة رسم موازين القوى في المنطقة بأكملها، ويفتح الباب أمام تحولات عميقة…