كلمة في الأزمة السورية

عبد الحميد درويش

سكرتير الحزب الديمقراطي التقدمي
الكردي في سوريا

في عام 2010، وتحديداً في منتصف تشرين الأول، عقد
المكتب السياسي لحزبنا الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا، اجتماعاً لدراسة
الأوضاع المتردية للشعب السوري عامة والكردي خاصة، ورأى بأن البلاد تسير نحو أزمة
سياسية حقيقية وقد تواجه هزات كبيرة مالم تعالج مشاكل البلاد بسرعة وجدية، وعليه
طالب المكتب السياسي أن أوجه رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية أضعه بصورة الأوضاع
السيئة في البلاد، فوجهت هذه الرسالة المفتوحة بتاريخ (22/10/2010)، بصفتي سكرتيراً
للحزب، دعوت فيها رئيس الجمهورية بالمبادرة الجدية والسريعة لمعالجة أوضاع البلاد
المتردية وإلاّ فسيأتي يوم ينعق فيه (البوم) على أنقاض قرانا ومدننا، فقد يكون
الرئيس استهزأ يومها بهذا التعبير الغريب، لكننا نرى اليوم بأن البوم ينعق بالفعل
على أنقاض حمص وأدلب وجسر الشغور وكوباني وغيرها من المدن والقرى السورية.. لقد
كانت رسالتنا هذه قبل أن تبدأ أحداث تونس وقبل أن يشعل البطل محمد بوعزيزي النار
بنفسه. 
ثم جاءت انتفاضة 15 آذار 2011، التي بدأت في مدينة درعا، وعمت سوريا بشكل سريع،
عندها طلب الأمين العام القطري المساعد سعيد بخيتان اللقاء بي بتكليف من رئيس
الجمهورية للإطلاع على رأينا في الأحداث، فاستجبنا لطلبه وذهبنا في أواخر نيسان
2011 إلى دمشق (أنا والرفيق أحمد سليمان/ عضو المكتب السياسي لحزبنا)، وبعد الترحيب
بنا طلب رأينا بالأحداث، حينذاك أخبرته بموقفنا بأن الأحداث لازالت في بدايتها ومن
الممكن حلها، وعلى الرئيس أن يدعو بشكل عاجل إلى مؤتمر وطني عام، تحضره جميع مكونات
المجتمع السوري (سياسية، اقتصادية، اجتماعية، ثقافية)، ويوجه إليه كلمة يقول فيها
بأنه مستعد لتنفيذ ما يقررونه في هذا المؤتمر، وسيكون حزبنا إلى جانبه وسيعمل عندئذ
كل ما بوسعه من أجل حل هذه الأزمة ووضع حد للأحداث المأساوية التي تمر بها البلاد،
وإلاّ فأن الأحداث ستتفاقم وفي كل يوم ستتدخل فيها دولة وجهة جديدة، وستتعقد الأمور
أكثر كلما طال أمد الأحداث، وبعد انفضاض اللقاء بيننا وعدنا بخيتان بأنه سيوصل هذا
الرأي إلى الرئيس خلال مدة لاتتجاوز الثلاثة أيام وبأنه سيرد إلينا الجواب، ولكن لم
نتلقى منه حتى الآن هذا الجواب الموعود.
يتبين من سرد هذه الوقائع بأن حزبنا
أشار إلى أن بلادنا قد تواجه أحداث جسام، وبأن الأوضاع بحاجة إلى معالجة جدية
وسريعة، ثم نوه حزبنا بعد الأحداث الدامية التي أقدم عليها النظام بعد 15 آذار 2011
في درعا، بأن السلاح لايحل مشاكل بلادنا التي تنحدر نحو الهاوية، وعلى المسؤولين أن
يبادروا إلى حل مشاكل البلاد بالطرق السلمية وليس بالسلاح، لإنقاذ سوريا من هذه
الأزمة القاتلة، وبعد أربعة أعوام من الحرب الأهلية والقتال الدامي الشرس، وبعد أن
جرب النظام جميع أسلحة الفتك والدمار من طيران ومدفعية ودبابات وغيرها، على أمل
تحقيق الانتصار على المعارضة بالسلاح وكسر شوكتها، وبعد أن جربت المعارضة من جهتها
بما توفر لها من سلاح ومن وعود من هذه الجهة أو تلك بأنها ستدعم المعارضة بالمال
والسلاح لإسقاط النظام، وبعد أن ذهبت ضحية هذه الحرب مئات الآلاف من أبناء الشعب
السوري ودمرت مدن بأكملها وسويت القرى والبلدات بالأرض، وسيطر الإرهابيون
والمتطرفون الإسلاميون على أجزاء واسعة من بلادنا، بعد هذا كله يعلن الطرفان ومن
يؤيدهما بأن القتال والحرب لن يحلا المشكلة، وإنما يكمن الحل في التفاوض والحوار
السلمي، فماذا إذاً ينتظر هؤلاء السادة ؟ ولماذا هم يطرحون الحل السلمي بهذا الشكل
الخجول ؟، لاشك إن هذا يدل بأن أبصارهم لازالت ترنو إلى الزناد والبندقية، وإن عقدة
الانتقام تنسيهم الشعور بالمسؤولية الوطنية والإنسانية، كما انهم يتغاضون عن
الوقائع الحية التي يعيشها الشعب السوري من مآسي وويلات هذه الحرب التي قضت على
ارواح مئات الألوف ودمرت البلاد في جزء كبير منها، وإن النصائح التي ينصحها
(الأصدقاء)، تجعلهم يترددون في طرح مبادرة الحل السلمي بشكل جدي والتقدم بخطوة
صادقة وعملية نحوه، والجلوس حول طاولة المفاوضات، وأن لا ينتظروا أكثر مما انتظروه،
فإن بلادهم تنحدر نحو الهاوية، وقد يأتي يوم لاينفع فيه
الندم.. 
25/8/2015
عبد الحميد درويش
سكرتير الحزب الديمقراطي التقدمي
الكردي في سوريا

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

اكرم حسين يعيد السيد صلاح بدرالدين في مقاله «السبيل لتوحيد الحركة الكردية السورية» طرح فكرة بات يكررها منذ سنوات، وهي الدعوة إلى عقد « مؤتمر كردي سوري جامع» يكون منطلقاً لإعادة بناء الحركة الكردية. غير أن هذه الفكرة، على جاذبيتها الظاهرية، تبدو أقرب إلى الرغبة منها إلى التطبيق الواقعي، لأنها تتجاهل طبيعة الوقائع السياسية والتنظيمية التي تحكم الساحة الكردية السورية….

كفاح محمود في لحظات الانفجار الإقليمي، لا يكون الخطر في الصواريخ وحدها، بل في المنطق الذي يبرر اتساع مداها، وهذا هو أخطر ما يطلّ اليوم من مشهد الصراع بين إيران من جهة، وأمريكا وإسرائيل من جهة أخرى: إذ لم يعد التوتر محصورًا بين أطرافه المباشرين، بل أخذ يتمدد نحو مدنٍ ودولٍ لم تدخل الحرب أصلًا، فقط لأنها تضم قواعد أمريكية،…

د. محمود عباس الحروب الكبرى لا تسقط أنظمة فقط، بل تعيد كتابة الجغرافيا السياسية للدول واقتصاداتها وأحيانًا حدودها. وما يجري حول إيران اليوم لا يبدو مجرد مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، بل محاولة لإعادة صياغة موقع دولةٍ تملك أحد أكبر احتياطيات الطاقة في العالم وتقف في قلب توازنات الشرق الأوسط. لذلك لم يعد السؤال، هل ستنتصر إيران أم لا،…

صالح بوزان _ دادالي في خضم المقارنة بين دعم الولايات المتحدة للكرد في سوريا ودعمها المحتمل لكرد إيران، تظهر فروقات جوهرية في السياق والأهداف والاستراتيجيات. فالدعم الأمريكي للمقاتلين الكرد في سوريا جاء أساسًا نتيجة ظهور تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا (داعش)، الذي اعتبرته الولايات المتحدة والدول الغربية تهديدًا مباشرًا لها، خصوصًا أن الأيديولوجيا التي يتبناها التنظيم ترتبط بتنظيم القاعدة….