دور الحركة الثقافية الكردستانية – الجزء الأول

د. محمود عباس

   ذكر الكثير عن دور القلم، وقدراته
اللامحدودة، في الصراعات، وخلق الفوضى، وكذلك في التقييم والبناء. مرعب عندما
يستخدم كأداة سلبية، ورهيب في توسيع الخلافات والتدمير النفسي والفكري، وهو الجانب
الذي تستغله السلطات الشمولية والشرائح الفاسدة من المجتمع، وعليه فمن واجب الحركة
الثقافية النيرة التركيز عليه، لئلا يشذ عن جوانبه الإنسانية، ومن المهم تشذيبه،
وتأطيره، والحد من آفاته إذا شذ.
  يمر الشعب الكردي بإحدى أهم الفترات
التاريخية العصيبة، أمامه مستقبل مليء بالتناقضات، وحوله تحوم سلطات شمولية ملتهبة،
ومنظمات موبوءة فكراً وثقافة، ممتلئة بالعداوة والكراهية، يخططون في الأروقة
مؤامرات، وبأخبث الطرق، وبدقة متناهية، يستخدمون دهاة السياسة والتآمر لزج الحركة
الكردستانية في حبائل مؤامراتهم، يدرسون جميع الاحتمالات المتوقعة، قبل كل لعبة
إعلامية أو محادثات دبلوماسية، ومدى تأثيرها على الشعب الكردي وحركتهم السياسية
والثقافية، فكثيرا ما ينزلق الكرد إلى المستنقع، والهوة المهيأة لهم، لعوامل ذاتية
كردستانية تساند الموضوعية. 
وهنا تلام الحركة الثقافية الكردستانية أكثر من غيرها، فهي المفروضة أن تكون أكثر
تنويرا ووعيا لما يجري في الأطراف، وما يتوقع حدوثه مستقبلا، وهي المعنية بإيقاظ
الشعب، والحركة السياسية، وتبيان المسيرة من جهة، وتعرية خيوط المؤامرات من جهة
أخرى، ومن ثم العمل على ردم هوة الخلافات بين الأطراف السياسية المتناقضة، وخلق نوع
من التآلف لاجتياز المحن والمصائب، والحد من الصراعات الكردية الكردية التي يرغبها
العدو وينتظرها، وهذا ما تقاعست عنه حتى اللحظة.  
 الصراعات الجارية في الشرق
الأوسط، نتاج مخاض عسير تمر به ثورة الشرق، المسيرة طويلة وشائكة، ستتأخر نتائجها
الإيجابية، لعقود من الزمن، ستظهر قوى وستذبل أخرى، انتهازيون يملؤون الساحات
وسيستمرون إلى حين، وشرائح منافقة تتصدر الواجهات، وتجار حروب تنهب الأوطان والشعوب
وستنهب إلى أن يظهر الرادع، وستدمر بقدر ما ستستفيد، وهي صيرورة المرحلة السابقة
لبداية ظهور النتائج الأولى لنجاح الثورة، والتي ستقضي، على الأنظمة الشمولية بكل
مجالاتها، وعلى شرائح المارقين، وسترسل الإسلام السياسي بتكفيرييها إلى أحضان
المساجد. وكل هذا لسنا بصددها، فلها مثقفيها، وأقلامها التي تعري من يجب تعريتهم،
وتحارب من يجب محاربتهم، وهي ستثلم بعضها البعض، وتبقى من مهمة الشريحة النقية
الواعية أن تجمع القوى الوطنية والثورية وتردم هوة الخلافات الأنية بينهم لتشكيل
القوة المتمكنة للحد من الفساد والأوبئة الثقافية وسوء الأشرار.
   وهنا تتطلب
من الحركة الثقافية الكردستانية، والأقلام الواعية القيام بدورها ضمن هذه المعمعة،
لتنبيه الإخوة الملتزمون سياسيا، وأصحاب نشر الأفكار الحزبية، القيام بالدور
الوطني، وهي مهمة شائكة وصعبة، في أجواء مليئة بالتضاربات، وحيث صعوبة قناعات
المثقف ذاته، وتبدأ بتقبل خلافاتهم الفكرية والمستندة على القناعات السياسية، التي
تعرض بينهم قبل أن تنتقل إلى الشعب، أو أنهم يتلقفونها قبل أن تتلقفها العامة، وهي
الشريحة التي تستند عليها الحركة السياسية الكردية والكردستانية في معظم صراعاتها،
مع ذلك هناك في المسافات القومية شريحة واعية، لا بد من شد وزرها، للقيام بالمهمة
الوطنية الصعبة هذه.
  الآراء متنوعة، والدروب تتقاطع، بين أطراف الحركة
الثقافية مثلما هي بين الحركة السياسية، لكنها تهدف إلى غاية تكاد تكون واحدة.
فبينهم: شريحة تطالب بتعرية المخطئين، والخطأ حالة نسبية، لها أوجهها عند كل فرد.
والبعض يتهم ويعمل على إزالة الأخر، وهي من مفاهيم الأنظمة الشمولية، حيث النزعة
الدكتاتورية. والبعض يريد فرض الذات وأفكاره دون الأخرين، وهو رفض مباشر لديمقراطية
المجتمع. وآخرين يرفضون الكل حتى الذات، وهي ثقافة التشاؤم، وفيها من السلبيات ما
يعيق المسيرة لبلوغ الغاية والرؤية الواضحة للمستقبل. إلى جانب من ينتهز الفرص
للنقد السلبي الحاد والتهجم لإبراز الذات في اغلبه. وشريحة تستهزئ من الواقع
المأزوم وتصعيد الخلافات. وحول هؤلاء جميعا هناك الشريحة التي تعمل على تفضيل الكل
على الجزء، الوطن على الحزب والحركة السياسية، تدعم مفهوم العمل جماعيا، وتشكيل قوة
كردستانية، ومؤسسات مدنية وطنية وليست حزبية، وسياسة مشتركة لتسيير العلاقات
الداخلية والخارجية، وتقليص حدة الخلافات، لردم الهوة بين الأطراف السياسية ومنها
الثقافية التابعة أو المؤيدة.
  فالحركة الثقافية الكردستانية، أمام موجة من
البث الإعلامي المغرض، على خلفية اللعبة الدولية الجارية في الشرق الأوسط، وبشكل
خاص في كردستان، وعلى كردستان، وتظهر يوم بعد آخر ضعفها أمام الشعب الكردي وهشاشته
أمام العدو. اللعبة الإقليمية على كردستان هي نفسها التي ظهرت منذ قرن أو أبعد من
الزمن لإرضاخ كردستان وشعبه ومن ثم التعتيم عليه وإلغائه من السجلات الدولية، فقط
اليوم، ولتطور التكنلوجيا، أصبحت أكثر حنكة وعمقا وبلوبي دولي أقوى وأوسع، ويبقى
الكردي خاسراً، وحركته الثقافية هزيلة تنويرها وضعيفة على فضح المؤامرة أو تخفيف
حدة الخلافات بين حركته السياسية.
 تركيا اليوم تهاجم القضية الكردستانية من
خلال مواقع حزب العمال الكردستاني، وهي من ضمن المؤامرة، الإقليمية على مستقبل
كردستان، والدولية الباحثة عن مصالحها في المنطقة، فأمريكا عقدت الصفقة مع أيران
تحت بنود معاهدة المفاعل النووية، لكنها في أجزائها عرضت القضية الكردستانية، ودرجت
ضمنها دور تركيا في المنطقة كراعية للإرهاب وبشكل خاص لداعش، والتي تفعلها ربما
نكاية بأمريكا: المكونة لإقليم كردستان الفيدرالي، والمحافظة دوليا وإقليميا على
وجود قيادة العمال الكردستاني، ووجودها في قنديل، مقابل اتهامهم بالإرهاب حسب رغبة
اللوبي التركي، والداعمة الأن لقوات الحماية الشعبية، بالطيران، ضد داعش، والمتوقعة
إقامة كيان كردي في غربي كردستان، يصل ما بين ديركا حمكو إلى حدود لواء إسكندرونه،
كل هذه الحجج ترهب تركيا، وتتراكم في ذهنية الحكومة الطورانية، وتخلق لديها ردود
أفعال، تخرق العلاقات السياسية والدبلوماسية.
   حلت اللحظة التي يجب أن تتقاطع
المصالح بينهما، تركيا تدعي بأنها ستحد من داعش

يتبع…

د. محمود
عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

26/7/2015

نشرت
في العدد 39 من جريدة (بينوسا نو) الناطقة باسم رابطة الكتاب والصحفيين الكرد في
سوريا. 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…