المناطق الكردية في ظل سلطة (PYD)

علي شمدين*

دون الدخول في تفاصيل التطورات
والظروف التي أفرزت هذا الواقع المرّ الذي يعيشه اليوم شعبنا الكردي في سوريا،
والكارثة الإنسانية التي أغرقته في دوامة الحرمان والقلق والتشرد، التي أدت إلى
إفراغ مناطقه وتهديد بنيتها الديموغرافية، فإن ما نود التوقف عنده هنا هو الجهة
السياسية الكردية التي انفردت في إدارة هذا الواقع وأمسكت بيدها السلطة، واحتكرت
فيها مسؤولية الأمن ومهمة الدفاع عنها، وهي بذلك تضع نفسها بنفسها في موقع
المسؤولية التاريخية عن هذا الواقع وتحمل تبعاته وافرازاته على مختلف الصعد.
أجل لقد تفرد (PYD) في فرض سلطة الأمر الواقع في المناطق الكردية، وأعلن فيها- وبغض
النظر عن الظروف التي ساعدته في ذلك- ثلاثة كانتونات منفصلة إدارياً عن بعضها
البعض، دون أن يقبل بالمجلس الوطني الكردي في سوريا شريكاً له، بالرغم من الاتفاقات
والتفاهمات المختلفة الموقعة معه، متذرعاً بنقاط الضعف وجوانب القصور في أدائه،
واصفاً أياه بشتى الاتهامات والنعوت.
ولهذا من حق أي مهتم بالشأن الكردي في
سوريا، أن يضع هذه السلطة في الميزان مع الأهداف والطموحات التي دفعت بالشعب الكردي
وحركته السياسية للإنخراط في الثورة السورية، والآمال التي قدمت من أجلها كل هذه
التضحيات الجسيمة والدماء الزكية، وذلك في سبيل الاتيان بنظام ديمقراطي يضمن لشعبنا
دستورياً حقوقه القومية العادلة، ويحقق له الأمن والأمان والحرية والكرامة.
لاشك
بان الواقع الراهن الذي يعيشه الشعب الكردي اليوم، يكشف بسهولة بأن تلك الأهداف
باتت بعيدة المنال، كما ان تلك الطموحات قد اصطدمت من جديد بممارسات جائرة، حتى بات
المواطنون الكرد فريسة للقلق واليأس والخوف من المجهول، وضحية للعوز والفاقة
والحرمان، تثقل كاهلهم الضرائب والاتاوات وغلاء الاسعار وانعدام فرص العمل والعيش
الكريم.. الأمر الذي دفعهم- وخاصة الشباب منهم- إلى مفترق خطير: الموت جوعاً في
ديارهم، أو الدخول في نفق الهجرة والتشرد والرحيل إلى بلاد الغربة بصمت ومرارة،
ومما عمق هذا الخيار أكثر هو قرارات التجنيد الإجباري للشباب وتجنيد القاصرين،
وقانون ترخيص الأحزاب ومكاتبها ونشاطاتها، والاجراءات الأمنية المرافقة لها، التي
طالت كوادرها المتقدمة كالملاحقة والسجن والإبعاد، والتضييق على حرية الرأي
والتعبير والإعلام، واتهام المخالفين في الرأي باقسى الاتهامات وأخطرها، الأمر الذي
دفع بالحياة السياسية نحو ثنائية: إما أن تكون معي أو إنك ضدي..
لانعرض هذه
الواقع للتشفي، والتبرؤ من المسؤولية التي نتحمل- كل في موقعه- جزء منها، ولكن كما
أسلفنا، فإن (PYD) يتحمل الجزء الأكبر بحكم تفرده بالعمل السياسي والعسكري في
المناطق الكردية في سوريا، وإصراره على إدارتها بمعزل عن شركائه الحقيقيين وخاصة
المجلس الوطني الكردي في سوريا، الذي مازال- ورغم ضعف أدائه- يبدي استعداده الكامل
لتحمل مسؤولياته في إدارة مناطقه والدفاع عنها، جنباً إلى جنب (PYD) وغيرها من
القوى السياسية الكردية، كما إننا لانهدف من هذا النقد التشويش على التضحيات
العظيمة التي قدمتها قوات الحماية الشعبية (YPG)، في دفاعها عن هذه المناطق
ومواجهتها العنيدة لجحافل الإرهابيين، وإنما نريد أن ننبه الأخوة في (PYD)، بإن هذا
الواقع يثبت بأنه من المستحيل أن تنجح جهة بمفردها- مهما عظمت قوتها-  في إدارة هذه
المناطق المترامية الأطراف والدفاع عنها كما يجب في وجه داعش وأمثالها، هذه
الجماعات الإرهابية المسعورة التي عجز التحالف الدولي بقوته عن مواجهتها حتى
اللحظة، ومن هنا فإنه مهما تكبر (PYD) وتجبر، فإنه لابديل عن الابتعاد عن الغرور
والعودة إلى خيار التفاهم والشراكة مع المجلس الوطني الكردي الذي مازال معتمداً لدى
الرأي العام الخارجي كمظلة سياسية للحركة الكردية في سوريا، ويحتفظ بجماهيره التي
تزداد توسعاً على أرضية الواقع الذي تعيشه في ظل هذه السلطة.
6/8/2015

*- عضو اللجنة المركزية للحزي الديمقراطي
التقدمي الكردي في سوريا، وممثله في إقليم كردستان العراق.


شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

حسين جلبي   أن تُقدم قناة فضائية مغمورة على إجراء لقاء مع شخصية تحظى باهتمام عالمي، في ظرف سياسي حساس يتطلع فيه الرأي العام إلى معرفة موقفه، وأن يخصص الضيف وقتاً للقناة ليقدم تصريحات حصرية حول قضايا استثنائية ساخنة، ثم تقرر القناة – رغم إعلانها المسبق عن موعد البث – عدم إذاعة اللقاء، لوجود مشاكل تقنية كما بررت في…

ياسر بادلي تمرّ روج آفا اليوم بواحدة من أدقّ مراحلها التاريخية، مرحلة تتكاثف فيها التهديدات، وتتقاطع المشاريع الإقليمية على حساب الاستقرار الكردي. وفي مثل هذه اللحظات الحساسة، لا تكون القوة وحدها كافية، بل تبرز الحاجة الملحّة إلى الحكمة والخبرة المتراكمة، وإلى قراءة عميقة لمسار التاريخ ودروسه. لم يكن الكرد يومًا بمنأى عن الاستهداف، غير أنّ ما نشهده اليوم يمثّل تصعيدًا…

جنكيز حمدوش تقوم مهنة الاعلام في جوهرها على نقل المعلومة بصدق وحياد وتمكين الجمهور من تكوين رأيه استنادا الى الوقائع لا الى التوجيه او التعبئة. غير ان التجربة العربية خلال الازمة السورية الداخلية كشفت تراجعا خطيرا في هذا الدور، حيث فقد كثير من الاعلاميين مهنيتهم، وتحول الاعلام من اداة معرفة الى اداة صراع. في تغطية الازمة السورية لم يعد الاعلام…

وليد ابراهيم المبررات التي ساقتها قناة شمس على لسان مديرها بشان عدم بث المقابلة التي اجرتها القناة مع الرئيس السوري احمد الشرع، لم تكن مقنعة. ماحدث يعطينا صورة اخرى للشكل الذي انتهى اليه الإعلام في عالمنا اليوم بعد ان اكتشفت دوائر صنع القرار السياسي في كل مكان ان المعركة الحقيقية للدول اصبحت معركة اعلامية. وماحدث في أربيل في اليوميين الماضيين…