في الذكرى الخمسين لكونفرانس الخامس من آب

صلاح بدرالدين

 كان ذلك مساء الخامس من
آب عام 1965 عندما اجتمعنا نحو ثلاثين شخصا في غاية السرية بعيدا عن أعين المخبرين
بغرفة ضيقة في قرية – جمعاية – التي استقبلت قبل ذلك بعام وفي منزلنا المتواضع
مندوبي الكونفراس الرابع للحزب الذي كان من أبرز قراراته تجميد الممثل المزمن 
للتيار اليميني والذي لم ينصاع واستمر في تفكيك تنظيمات الحزب مستغلا اعتقال جميع
أفراد القيادة باستثنائه وعقدنا العزم باسم قواعد – الحزب الديموقراطي الكردي في
سوريا – في معظم المناطق بأن نتصدى للتحدي الماثل أمام ناظرينا في اجهاز التيار
اليميني الانتهازي المتعاون مع السلطات على جذوة الحزب المتقدة بفضل الرواد الأوائل
والمناضلين الذين ضحوا وتفانوا منذ قيام حركة – خويبون – في عشرينات القرن الماضي
مرورا بالمحاولات الجنينية الأولى في تمهيد السبيل لتنظيم أسس الحركة الكردية
وانتهاء بقيام – الحزب الديموقراطي الكردستاني في سوريا – عام 1957 . 
 أول مايتبادر الى الذهن هو لماذا كونفرانس الخامس من آب وماهي قضايا الخلاف في
الحزب والحركة آنذاك وفي تلك اللحظة التاريخية وهل مازالت تلك القضايا الخلافية
قائمة بعد مضي نصف قرن ؟ .
 والجواب كما أرى بحكم مشاركتي في الكونفرانس
والاعداد له والمساهمة في صياغة الوثائق والبيان الختامي والبرنامج السياسي المرحلي
هو تبلور الخلاف بين تياري اليسار الذي كنا نمثله واليمين القومي حول 1 – موضوعة
طبيعة الحزب وهيكليته التنظيمية وبرنامجه السياسي فقد كان اليمين يريده جمعية
اصلاحية وليس حزبا سياسيا متسلحا ببرنامج نضالي ثوري . 2 – حول مااذاكان الحزب يشكل
جزء من الحركة الديموقراطية السورية المعارضة لنظم الحكم الاستبدادية كما كنا نراه
أم متوافقا مع السلطات ومواليا لها ومنتظرا أفضالها من جرعات مسكنة كما كان يعتقد
اليمين القومي 3 – حول تعريف الكرد السوريين وهل هم شعب من السكان الأصليين مقيم
على أرض الآباء والأجداد ومن حقه كقومية ثانية بعد القومية العربية الحصول على
حقوقها كاملة في اطار سوريا الواحدة كما كنا نراه أم أقلية مهاجرة بحسب رؤية اليمين
القومي 4 – حول هل على الحزب أن يشارك في النضال الاجتماعي ونصرة حقوق الفقراء
ويواجه سلطة النهب والاستغلال كما كنا نراه أم أن يعزل نفسه عن ذلك حسب رؤية اليمين
القومي 5 – هل سيقف الحزب الى جانب ثورة ايلول التحررية في كردستان العراق وقائدها
الزعيم مصطفى بارزاني كما كنا نرى أم يقف بالضد منها حسب ارادة النظام السوري
والمنشقين عنها كما كان يتمناه اليمين القومي . 
 انبثق عن كونفراس آب – قيادة
مرحلية – تنتهي ادارتها بعد عام على أن تحضر لعقد المؤتمر العام وصدر عنه بيان
ختامي كما كلف لجنة – وكنت في عدادها – للاتصال بأعضاء القيادة السابقين وكنت قبل
انعقاده بأشهر التقيت بسجن – القلعة – في حلب مع أعضاء القيادة المعتقلين ( عثمان
صبري – عبدالله ملاعلي – رشيد حمو – كمال عبدي وآخرين ) وشرحت لهم ماآل اليه الوضع
وكان الجميع مع انقاذ الحزب وتأييد أية خطوة بذلك الاتجاه وبعد انتهاء أعماله بأشهر
كان هؤلاء القادة قد خرجوا من السجن وتوجهنا للقائهم كل على انفراد وبعد طرح
التفاصيل طلبنا منهم العودة الى قيادة الحزب فكان رد آبو عثمان ايجابيا وسباقا
وقررنا بالاجماع اعتباره سكرتيرا للحزب احتراما لمكانته وبعد عام انعقد المؤتمر
الأول قرب القامشلي بعد التأسيس وتم انتخاب لجنة مركزية .
 بعد مرور نصف قرن
مازالت نفس قضايا الخلاف في الحركة الكردية قائمة ولكن بأشكال أخرى وفي أوضاع سورية
وكردستانية واقليمية ودولية مختلفة فالنظم والحكومات المتعاقبة المستبدة الشوفينية
تتخذ من اليمين القومي متكأ له في مواجهة الخط الوطني النضالي المنبثق عن مدرسة
الخامس من آب والممثل للارادة الشعبية والمقياس الأساسي في ذلك هو انكار الكرد
وجودا وحقوقا وعزل حركتهم عن المعارضة الوطنية الديموقراطية السورية بل استخدامها
وخاصة في عهد حكم آل الأسد مطية وأداة وقد وجد هؤلاء ضالتهم منذ الثمانينات عندما
حط – أوجلان – الرحال في عهدة – جميل الأسد – منذ ذلك الوقت انطفأ وهج اليمين
القومي التقليدي لدى النظام ( من دون الاستغناء عنه تماما ) بتوفر من يقدم خدمات
أكثر .
 في اللحظة التاريخية الراهنة نستعيد المضمون الجوهري لطموحات وآمال
ورغبات وشعارات رواد كونفراس آب في محاولة : 1 – اعادة بناء الحركة الكردية السورية
على أسس سليمة 2 – تموضع الحركة الكردية في قلب الحركة الوطنية السورية وفي الحالة
الراهنة ضمن صفوف الثورة 3 – اعادة التوازن بين القومي والوطني 4 – الحفاظ على
الشخصية الوطنية الكردية السورية واعادة بناء العلاقات الوطنية والقومية على ضوء
ذلك 5 – تعزيز العلاقات النضالية مع اقليم كردستان العراق وخصوصا مع رئاسته الحاملة
لنهج الزعيم مصطفى بارزاني الذي وقف بكل قوة الى جانب أهداف كونفرانس الخامس من آب
ومن أجل تحقيق كل ذلك العمل على عقد مؤتمر وطني كردي سوري انقاذي على غرار
الكونفرانس الخمسيني .
 كل التحية لرواد الخامس من آب وحاملي نهجه وطلاب مدرسته
الأحياء منهم والأموات   .  

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…