الصراع في سوريا: من الفوضى الخلاقة إلى جغرافيا سياسية جديدة …

عبدالرحمن كلو

 
أربع سنوات ونيف من الاحتراب الداخلي
في سوريا ، ولم تهدأ المعارك بعد، عناوين كثيرة أطلقت على هذه المعارك كما على 
الأطراف والجماعات المسلحة، وبقي الهدف الأساس من غير عنوان، حتى معظم الأطراف
والتيارات السياسية المختلفة في المعارضة السورية لم تحمل مشروعاً وطنياً واضح
المعالم، ويبدو أن الارث الثقيل للثقافة النمطية التي هيمنت على المفاصل السياسية
والفكرية والثقافية للدولة السورية زهاء قرن من الزمن حالت دون انتاج حالةٍ وطنية
حقيقية، حيث عاشت المكونات السورية ممزقةً في دولة محكومة بثقافة القومية الواحدة
والسلطة المركزية الواحدة، وحتى المعارضات التاريخية من الأحزاب الإسلامية
والشيوعية لم تتبن أي مشروع وطني، ولم تساهم في خلق الحالة الوطنية، بل عملت في
الفضاءات الكوسموبوليتية لعوالم افتراضية أممية، لذا جاء هذا الموروث الثقافي
والسياسي المشوه مهيمناً على المشهد السوري من جديد.
وأمام واقع راهنية الحالة السياسية السورية العروبية والاسلاموية كان من السهل جداً
على الأجندات الاقليمية والدولية أن تعمل بحرية مطلقة في مثل هذه المناخات كتربة
خصبة لكل أشكال التطرف، من تنظيم القاعدة الذي يظهر في كل بيئة باسم جديد، إلى
المشروع التركي مع حلم امبراطوريتها العثمانية إلى المشروع الإيراني الشيعي
العقائدي، هذا إلى جانب التيارات القوموية والعنصرية، كلها دخلت على خط الحالة
السورية لتتقاسم الغنائم بعيداً عن أي مشروع وطني سوري، مما أضاف على المعادلة تدخل
القوى الدولية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، لأن مستجدات الحالة الشرق أوسطية
باتت تشكل خطراً حقيقياً على مصالح بلدانها وأمنها الوطني من خلال تنامي نفوذ وتمدد
إرهاب الإسلام السياسي المتطرف بعنوانه الجديد ( داعش) مما أوجد حالة صراعات مسلحة
ميدانية على مناطق النفوذ جزأت الجغرافيا السورية بحسب مرجعية الأطراف المسلحة
للأجندات الاقليمية والدولية، ويمكن اختصار القول أن الحالة السورية تخضع إلى نظرية
الفوضى الخلاقة لتنتهي نتائج هذا الاخضاع إلى جغرافيا سياسية جديدة ترسم حدودها
بالدم، وفي هذا الصدد يتحدث روبرت فورد السفير الأمريكي السابق في دمشق عن ثلاث
سيناريوهات في سوريا :
في السيناريوهين الأول والثاني يبني فورد توقعاته على مدى
الدعم الايراني للنظام واستمراريته لهذا الدعم أما السناريو الثالث فهو الأكثر
احتمالاً حسب رؤيته يقول: بالنتيجة النهائية سيتم تقسيم سوريا بين الفصائل
والتحالفات المختلفة إلى ست مناطق نفوذ: 
1-    منطقة يسيطر عليها العلويون
وميليشيا “حزب الله” المدعومين من إيران وروسيا على طول الحدود مع لبنان على ساحل
البحر الأبيض المتوسط.
2-    منطقة شمال غرب سورية التي يسيطر عليها “جيش الفتح”
والذي يشمل “جبهة النصرة” ولكنها لا تتحكم به.
3-    سيطرة “تنظيم الدولة” على
المنطقة الشرقية التي تشكل ثلثي مساحة سورية.
4-    سيطرة الجيش السوري الحر
والفصائل المرتبطة به في الجبهة الجنوبية، بدعم من الأردن والسعودية على معظم
الجنوب السوري مع وجود جيوب تخضع لسيطرة جبهة النصرة..
5-    دمشق تذكرنا ببيروت
خلال الحرب الأهلية اللبنانية الفظيعة، كل ما ذكر سابقًا من الفصائل بما فيها “جيش
الإسلام” سيسيطرون على أحياء مختلفة في العاصمة”، حسب تعبير “فورد”.
6-   
المقاتلون الكرد الذين استفادوا من الدعم الأمريكي الجوي سيسيطرون على مركز الشمال
والشمال الشرقي.
ويلفت “فورد” إلى أن ترسيم الحدود لمناطق السيطرة المذكور لن
تكون ثابتة وستستمر المناوشات في القتال، وستكون الهدن ووقف إطلاق النار هي القاعدة
التي سيُعتمد عليها.
وحتى فيما يتعلق بالشريط الشمالي والشمال الشرقي الخاص
بالكورد فالدولة التركية لن تعترض على هذا الإقليم شريطة أن لا يكون محدداً بطائفة
أو قومية، وهذا الموقف جاء في وثيقة سرية  لاجتماع أمني رفيع  المستوى عقده الرئيس
التركي رجب طيب أردوغان مع وزرائه، وكبار قادته الأمنيين، وتقول الوثيقة، أن «وجود
إقليم محرر شمالي البلاد غير محدد بطائفة معينة، أو قومية، سيزيد الضغط على الأسد،
ويخلق المزيد من الحرية لقوات المعارضة في التحرك، ويوحدها ” وهذا ما يتطابق تماماً
مع مفاهيم وطروحات  حزب العمال الكردستاني وامتداداته التنظيمية إذ يرفض المشروع
القومي في أجزاء كردستان الأربعة، ويعارض بشدة إعلان الدولة الكردية واستقلال جنوب
كردستان، ويستبدلها بمفاهيم الأمة الديمقراطية أو الشعوب الديمقراطية.  
 بكل
الأحوال قرار إعادة ترتيب المنطقة ورسم الخارطة الجديدة للشرق الأوسط خرج من أيدي
الدول الاقليمية مثل تركيا وإيران، لذا يمكننا مشاركة رؤية  فورد من خلال واقع
الحال للمقاطعات الجغرافية الحالية لأمراء الحرب ،كما ومن خلال شكل واسلوب تعامل
التحالف الدولي مع راهنية الحالة التقسيمية للجغرافيا السورية،  ويبدو أن هذا
التقسيم ينسجم مع  القوة العسكرية لتلك الفصائل وأنها ستستمر لسنوات أخرى إلى حين
ظهور مستجدات إقليمية أو دولية  تفضي إلى إعادة الهيكلة للشرق الأوسط الكبير بصيغته
الأمريكية.
وأمام هذا المشهد وفي  مثل هذا المناخ الدولي  من الضرورة بمكان 
استثمار مستلزمات وعوامل نجاح المشروع القومي الكردي التحرري والمشاريع القومية
لمكونات غربي كردستان  من عرب وسريان وكلدو آشور وأقليات قومية أخرى ولا بد أن تشق
طريقها تحت مظلة مشروع -وطني ديمقراطي كردستاني شامل  يحقق كل الطموحات والحقوق
المشروعة  لهذه المكونات وفق العهود والمواثيق الدولية ، في ظل إقليم فيدرالي  يقرر
مصيره بنفسه ويعيد الاستقرار والأمان إلى هذه المنطقة لتعود الأمور إلى نصابها
واستحقاقاتها التاريخية،  بعيداً عن المفاهيم والمشاريع الوهمية  التي يتبناه حزب
العمال الكردستاني  والتي لا تشكل إلا جزءاً من أجندات الدول الاقليمية التي فقدت
نفوذها إلى حد كبير. 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين وقفة احتجاجية لاهالي الاسرى والمفقودين الذين ( يربو عددهم السبعمائة ) على اقل تقدير وذلك بمدينة القامشلي يوم الخامس من نيسان / ابريل ، وبالرغم من التعتيم الإعلامي من جانب سلطة الامر الواقع لقسد ، وب ي د ، وامتناع وسائل اعلامها لتغطية الحدث الأهم في الفترة الأخيرة ، وبالرغم من علائم الحذر والخوف المخيمة على وجوه الأهالي…

كفاح محمود في ذكرى تأسيس الحزب الشيوعي العراقي في 31 آذار (مارس)، لا يعود الحديث عن حزب سياسي فحسب، بل عن واحدة من أعرق مدارس الوطنية العراقية وأكثرها تضحية ونبلًا، فثمة أحزاب تُعرف بما بلغت من سلطة، وأخرى تُعرف بما تركته في الضمير العام من أثر، والحزب الشيوعي العراقي من ذلك الطراز الذي خسر كثيرًا في حساب القوة، لكنه ربح…

نورالدين عمر بناءً على معرفتي بخفايا حزب العمال الكردستاني على الأقل أكثر من السيد عبدالباسط سيدا، أجد من الضروري توضيح وتصحيح بعض النقاط التي وردت في مقاله “حزب العمال في استراتيجية النظام الإيراني”، تفنيداً لبعض المغالطات التاريخية والسياسية. أولاً: جدلية العلاقة مع طهران.. تكتيك أم تبعية؟ كافة القوى الكردية المؤثرة، وفي مقدمتها الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، تمتلك…

د. محمود عباس ليس كل ما يُقال نقدًا هو نقد، وليس كل من يتحدث باسم الكورد ينتمي إلى قضيتهم، ما يجري اليوم ضد (ليلى زانا) ليس مجرد هجوم عابر، بل اختبار لوعي الشارع الكوردي، وبداية مسار خطير إن لم يُفهم في توقيته ومعناه. في الآونة الأخيرة، وبعدما تخطت القضية الكوردية حدود الجغرافيا التي فُرضت عليها تاريخيًا، وبدأت تفرض حضورها في…