عرب سوريا وكردها والمسألة المركزية

صلاح بدرالدين

 بادىء ذي بدء نقول أن نظام الاستبداد
ومنذ عقود انتهج سبيل اضعاف العامل الوطني الجامع وضرب أسس الوحدة الوطنية عبر
تجاهل مكونات الوطن المتعددة في مناهج التربية والتعليم ووسائل الاعلام وقمع أية
محاولة لاظهار الوجه المتنوع الجميل لمجتمعنا وردع كل صوت مختلف قوميا واجتماعيا
الى درجة تحول سوريا الى سجن كبير ومرتع – شوفيني – على الطريقة البعثية لصهر
المختلف ثقافيا وأثنيا بكل الوسائل الزجرية المتوفرة مما نتج عن كل ذلك وخلال تعاقب
جيلين اختفاء ثقافة التعدد وقبول الآخر واضعاف البعد الوطني الى درجة الزوال
 وانعكس ذلك سلبا على مساعي التوافقات الوطنية وفهم وتقبل الآخر غير العربي وغير
المسلم السني من جانب النخب السياسية والثقافية السورية كما أدى الى حرمان الوطنيين
الكرد المتمسكين بحل القضية الكردية عبر الحوار الوطني وعلى قاعدة الاستجابة لارادة
الكرد في تقرير شؤونهم في اطار سوريا الديموقراطية الموحدة المؤمنين بالعيش المشترك
من مزية سند البعد الوطني بسبب هزالته ومن ثم – استئساد – التيارات والمجموعات
الكردية الموالية للنظام الى درجة السيطرة على المقدرات بقوة السلاح ولذلك نرى :   
 افتتحت هزيمة – داعش – في تل أبيض سجالات متجددة منطلقة من تفسيرات من عدد من
مثقفي شركائنا العرب با( المعارضة ) ذات الطابع العنصري وكأن أصحابها كانوا بانتظار
تحرير المدينة على أيدي لها صفة ( كردية !) لينفسوا حقدهم الدفين بعضها تجاوز
الخطوط الحمر تسربت الى دروب متشعبة كادت أن تنسينا الجوهر في المسألة السورية
متناسين أن ( المحررين ) الذين سبق وأن هزموا – داعش – في ( عين العرب – كوباني )
بدعم اقليمي ودولي ليسوا مخولون من الكرد السوريين للتعبير عن مواقفهم ومصالحهم
وطموحاتهم وأن الغالبية الساحقة في الحركة الوطنية الكردية السورية الأصيلة ليست
على وفاق مع سياسات حزب الاتحاد الديموقراطي تجاه النظام والثورة وأنظمة الاقليم
والقضية الكردية بشكل عام والذي لايحمل الصفة الكردية أساسا لافي اسمه ولا في
برنامجه وسيطرت قواته الوافدة من خارج الحدود بقوة السلاح على المناطق الكردية
والمختلطة برضى النظام وتسهيلاته ودعم لوجستي ومادي ايراني .
 لقد قلنا ونكرر أن
الحاق الهزيمة بارهابيي – داعش – و – القاعدة – وكل من لف لفهما من جانب أي طرف
كردي أو عربي أو أمريكي ( وتل أبيض نموذجا ) هو بالنهاية يصب لصالح القضية السورية
اذا تم استثماره بالرؤية الوطنية في اطار أهداف الثورة (اسقاط النظام والتغيير
الديموقراطي نحو سوريا تعددية جديدة) من دون اغفال حقيقة اختلاط الأوراق على الساحة
السورية واختراقات أجنبية تحمل أجندات خاصة وهيمنة ثقافة الغاء الآخر المختلف بمنطق
قوة السلاح والمعالجة لن تكون بمزيد من التشنج (العنصري والديني والطائفي) بل
بتمهيد السبيل لعقد مؤتمر وطني عام لوضع أسس جديدة للعيش المشترك بين المكونات
السورية حسب ارادتها الحرة والحفاظ على وطن تشاركي موحد يحمي الجميع ويعبر عن
طموحاتهم .
 كما قلنا ونكرر ردا على الاتهامات والادانات المنطلقة من المواقف
المسبقة  الزاعمة بحدوث ممارسات التطهير العرقي ضد المواطنين العرب من جانب مسلحي –
ب ي د – أننا جميعا ككرد سوريين ووطنيين مؤمنين بالثورة والتغيير : ” ندين ونرفض أي
اجراء تتخذه سلطات الأمر الواقع في أية منطقة ببلادنا ومن جانب أية مجموعة مسلحة
كردية أو عربية أو خلافها تمس بالوحدة الوطنية وتسيء الى العيش المشترك بين
المكونات الوطنية أو تفرض قرارات وقوانين من دون ارادة السوريين والتوافق الوطني
وخارج ارادة الثورة السورية ونعتبرها غير مشروعة على قوى الثورة القيام بابطالها
وازالتها “.
  من الملاحظ أن تلك السجالات العقيمة المثيرة للحساسيات القومية
استندت الى اتهام الكرد كشعب وقوم بالتجني والتحول من موقع الضحية الى موقع الجلاد
(هكذا بطرفة عين) من دون تشخيص طرف أو حزب معين أو تيار سياسي بعينه حيث يمكن في
هذه الحالات النظر فيها ومناقشتها وبمعزل عن أي دليل أو قرائن مادية ملموسة ومن
الملفت أنها بغالبيتها صدرت عن أفراد ينتمون الى تيارات آيديولوجية (قومية ودينية
متشددة) يرفضون تعددية المجتمع السوري أقواما وأديانا ومذاهبا ويدعون الى اللون
الواحد تماما كما هو عليه نظام الاستبداد (أحادية القوم والطائفة والحزب والعائلة
والخطاب والادارتان العسكرية والأمنية) ولايقبلون الآخر المختلف ولايعترفون بوجود
الكرد كشعب يعيش على أرضه التاريخية يأتي بالمرتبة الثانية بعد الشعب العربي وحقوقه
المشروعة المنصوصة عليها في شرعة حقوق الانسان ووثائق الأمم المتحدة وأدبيات الثورة
السورية وحتى في برامج بعض – المعارضة – .
  مهما علت أصوات هؤلاء الشوفينيين
المسعورين الساعين الى اشعال فتنة قومية بين العرب والكرد في هذه الظروف العصيبة
ومهما قامت الفضائيات – الرسمية – بنقل سمومهم بالصوت والصورة فاننا نحن الوطنييون
الكرد السورييون لن نمنحهم شرف تمثيل الصوت العربي الحقيقي والعاقل الحريص على
الوحدة الوطنية وعلى وشائج الصداقة الكردية العربية تماما كما لاننظر الى مواقف
الجماعات الكردية السورية التابعة لحزب العمال الكردستاني – التركي كممثل للرأي
العام الكردي السوري أومعبر عن طموحات الغالبية الكردية الحقيقية خاصة في مسألة
الموقف من الثورة والنظام ودول الاقليم ومجمل القضية الكردية بالمنطقة .
 هناك
بين عرب سوريا وكردها وكل مكوناتها من تيارات سياسية وجماعات وأفراد من يحاول تجاوز
الثورة وأهدافها وشعاراتها ونصرة مشروع النظام بسبل مختلفة والدفع باالقضية
المركزية الى مجاهل النسيان هناك من هؤلاء من يحاول اعتبار – داعش – الطرف الارهابي
الوحيد وأن النظام شريك في محاربته وهناك من يرى التناقض الرئيسي مع الكرد
(الانفصاليين) وليس مع النظام والقوى الارهابية الأخرى وهناك من يعتبر أن الثورة
انتهت ويجب الرضوخ لقوانين وشرائع من بيده السلاح وسلطة الأمر الواقع ونحن بدورنا
نقول لهؤلاء جميعا : أنتم لاتعبرون عن ارادة الغالبية الساحقة من السوريين وأن
الثورة الوطنية قامت لتنتصر وأن الشراكة العربية الكردية متجذرة في عمق التاريخ
وضرورة آنية مستقبلية لاعادة بناء سوريا الجديدة .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…