كُردستانيات 3-دعاء زرادشتي مرفوع إلى أهورامزدا

 ابراهيم محمود

أي أهورامزدا
يا صاحب القدرة المطلقة،
والمعرفة المطلقة، والخير المطلق. لم نعد قادرين على التحرك، فأنّى اتَّجهنا نبصر
أهريمان. نعم يا أهورامزدا، يصعب حصر عدد الأهريمانات، وأنت سمّيت واحداً، وها هم
يتكاثرون مثل الفطريات. أرحنا يا أهورامزدا. هِبنا مزيداً من البلاهة والغباء لئلا
نتألم مما يجري باسمك، هبنا سمعاً أقل، وبصراً أقل، وحساسية أقل، لئلا نستفز من
رؤية الموبقات المرتكبة باسمك . هبنا جلداً أقسى لنتحمل طعن من يزوّرون ويحرّفون ”
أفستا: ك “، امنحنا بعضاً من نِعَم الحمار، في صلابة ظهره، فقد أثقل هؤلاء المزورون
باسمك على ظهورنا، وهم يرددون باسمك، ويقيمون لأهريمان احتفالات تترى .
أي أهورامزدا
اجعل لنا أذناباً ثخينة، وآذاناً طويلة تعلو هاماتنا، وخطوماً
ومشافر متدلاة، ليكون المتحكمون بمصائرنا على بيّنة من أنّنا في رتبة أخرى، حتى لا
يزيدوا في إذلالنا أكثر، إذ بتنا نخجل من أنفسنا ونحن متشابهون، علَّهم يكفّون عنّا
قليلاً .
أي أهورامزدا
هؤلاء الذين يحلفون بالأيمان المغلظة، باسمك، صاروا
طوائف، أمماً، وكل منهم يشدك إليه فوق رؤوسنا، ويمثّلون في ثورك المقدس في وضع
النهار، ويرشون دماءه على وجوهنا. لقد نجَّسونا كثيراً، وصاروا من الكثرة بحيث صعُب
علينا النظر إليك وأنت في عليائك. الغ حواسنا الخمس إذاً، وأنت القادر والمقتدر،
نسّبنا إلى أي صنف من الكائنات، فقط اجعلنا خلافهم، إذ لم نعد نتحمل صفاقاتهم
وشرذماتهم، وهم ينجسّون نارك المقدسة .
أي أهورامزدا
امحقنا، اجعل بيننا هوة
واسعة لا تُردم، امنحنا قليلاً من رحمتك وعنايتك، إذ عرفناك كما أنت، وهم يبتدعون
طرقاً جديدة دائماً لإهانتنا، ونسوا وصاياك في الخير والعمل الصالح والفكر المنير،
نسوا أنهم مهدَّدون من الأعداء، فصرنا هدفاً لهم، وهم يشربون ليل نهار نخب إيلامهم
لنا وكأننا أعداؤهم حقاً، ونحن وإياهم من طينة واحدة، وعقيدة واحدة، وهم يتكاثرون
مثل البلاء الأعظم ولم يعد في وسعنا حتى النوم، لم يعد في وسعنا تذوُّق الطعام
والشراب. هل هم حقاً ينتمون إليك يا أهورامزدا الجليل ؟
أي أهورامزدا
حزبك هو
الوحيد الجدير بالانتساب إليه، واسمك هو الوحيد بالتبجيل، وكتابك هو الوحيد الجدير
بالقراءة لكن، عفوك يا أحكم الحكماء وجبار الجبارين، إن هؤلاء الذين منحتهم ثقتك،
وهم حرّاس نارك، صار كل منهم أهريماناً يعيث فساداً في دار عبادتك، يمارس المجون
أمام نارك المقدسة، صار الناطق باسمك، وله اسمه وحزبه وطائفته، فضيَّعوا علينا طريق
الوصول إليك، واختلطت علينا الأمور، وهم في اختلاط أصواتهم المنكرة، لم نعد قادرين
على تبين اسمك من أسمائهم وهم كثر، وعلى قراءة كتابك المقدس، وقد أصبح لكل منهم
كتاب يتقدم كتابك، فكيف الخلاص منهم يا ذا العظمة ؟
أي أهورامزدا
صدقت، وأنت
الصادق بإطلاق، وأنت تأتي على ذكر زمان يصبح الفاسد من خلفائك مدّعي تمثيل اسمك،
مفضَّلاً على الصالح من عبادك المخلصين، وأنت تسمّي هؤلاء المنجسين والساعين إلى بث
الشرور وتضليل العباد، ولا شك أن الزمان الذي أشرت إليه هو هذا الزمان الذي نعيشه:
الكذاب يقسَم باسمه، والمخادع ممدوح، والمنافق محتفى به، والمستهتر محل تكريم،
والفاسق معزز مكرَّم، والنصّاب مثاب، والنمَّام محسود، والمرتشي مثني عليه،
والمختلس مضرب المثل في الأمانة، والزئبقي مطلوب لأخذ المشورة منه في النائبات،
والنزيه غير  مرحَّب به، والحليم مشكوك في أمره، والمعطاء مشبوه، ومحب بني جلدته
مرصود، وطالب الخير يُستدعى للاستجواب، والمستقيم غير مقبولة شهادته ..
أي زمان
هو هذا الزمان يا أهورامزدا.. لقد بتنا من شدة إخلاصنا لك، وأنت القيّم على كل شيء،
وتحيط علماً بكل شيء، دون أن ينال السفهاء والناطقون باسمك العقاب اللازم، بتنا على
حافة، أوشكنا على أن نكفّر باسمك وبكل ما يصلنا بك ..
لم يبق لنا إلا أن نسألك
الحل السريع والعاجل، من ضعف الحيلة والوسيلة، لهذا المصاب الجلل، مصابنا الرهيب في
من صاروا عائقاً فاصلاً بين شهيقنا وزفيرنا، بين صحونا ونومنا، بيينا وبين أنفسنا،
ويزعمون أنهم الفرقة الناجية باسم زرادشت..حرّرنا إذاً مما نحن فيه وعليه، اخفس بنا
أرضك التي قسّمها هؤلاء فيما بينهم ليمارسوا أهواءهم المهينة لعبادك المخلصين،
غيّبنا عنهم إلى أسفل سافلين، أو امحقهم من الوجود كلياً، إذ أصبحوا عالة ليس عليك
وعلينا وإنما حتى على أجسامهم وأرواحهم وأسمائهم ..
أي أهورامزدا 
هل نسمعك
شكوانا مجدداً ؟ أم.. وهو خوفنا الكبير والفظيع، أن تكون أنت نفسك لم تعد
أهورامزدا، جرّاء هؤلاء الذين يسوموننا مر العذاب وبؤسه ليل نهار وأنت في عليائك
تتفرج عليهم  وهم يعيثون فساداً هنا وهناك ؟ ! 
لا تلمنا إذاً إذا اخترنا غيرك
يؤاسينا ويمنحنا أملاً في البقاء وراحة معينة ونحن نرنو إليه عالياً !
 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…