عاصفة الحزم … وبداية العد العكسي للدور الايراني

عبدالرحمن كلو * 

 
 

بعد استفحال ظاهرة داعش وتمدده الجغرافي في مختلف الاتجاهات عمدت الولايات
المتحدة الأمريكية ومعها قوى التحالف الدولي بالتعامل بمرونة مع الدور الايراني في
الشرق الأوسط، وذلك بهدف استثمار وتجييش كل القوة الممكنة ضد إرهاب هذا التنظيم،
مما حدا بإيران باستثمار مماثل في الجانب الآخر من المعادلة حيث تحركت ضمن هذا
الهامش المريح في ظل مناخات الحرب على داعش ودفعت بمشروعها العقائدي إلى التنفيذ في
أكثر من ساحة وخاصة في سوريا واليمن والعراق، مستفيدة من آنية التقاطع المحيطي
الشكلي لمشروعها مع المشروع الأمريكي، إذ قامت بتفعيل وتحريك أدواتها الفعالة من
الميليشيات الشيعية وغيرها في العراق وسورية والحوثيين في اليمن وعلى امتداد
الجغرافيات السورية والعراقية واليمنية، 

ومع هذا التحرك  بات المشروع
الايراني خطراً فعلياً يهدد أمن الخليج والسعودية وكردستان والعراق السني، كما وفي
ظل مستجدات التحرك الايراني دخل الصراع في سيرورة خطيرة تجاوزت الحالة التوازنية
التقليدية، وبالتالي فالموازين لصالح المشروع الايراني ستكون لها تداعيات ونتائج
خطيرة على المشروع الأمريكي، وهذا ما لن تقبل به أمريكا بالمطلق، لذا أوعزت لكل
القوى الحليفة لها بالاستنهاض ضد التحرك الايراني، وبدأ الرئيس بارزاني أولاً بمنع
زحف ميليشيات الحشد الشعبي  بقيادة هادي
العامري إلى كركوك من الجنوب بذريعة الاشتراك مع البيشمركة في الحرب على داعش كما
منع دخول هذه الميليشيات إلى جلولاء، وبعبارات واضحة قال البارزاني لن نسمح لأية
قوات عسكرية دخول المناطق المستقطعة من الاقليم، لكن العبادي الذي خضع للضغط
الايراني أوعز للحشد الشعبي بالتوجه إلى تكريت وتحت قيادة ميدانية من جانب هادي
العامري قائد فيلق بدر و قاسم سليماني قائد فيلق القدس لتغيير موازين القوى وفرض
هيمنة شيعية على المناطق السنية لرسم واقع ديموغرافي جديد في تلك المناطق، لذا
امتنعت الولايات المتحدة الأمريكية وقوى التحالف الدولي المشاركة في معركة تكريت
واشترطت انسحاب الحشد الشعبي والميليشيات الشيعية المسلحة من هذه المعركة، وفعليا
تم سحب هذه الميليشيات إلى الأطراف واستبدلت بالفرقة الذهبية ذات الأغلبية
الكردية، يقودها جنرال كردي، وتم تحرير تكريت بقوة الفرقة الذهبية ودعم واسناد من
طيران التحالف الدولي، مما أدى إلى تراجع شيعي ملحوظ في الساحة السنية كما تراجعت الميليشيات
الشيعية سابقا عن حدود كردستان العراق، لكن إيران بالمقابل أسرعت في تحركها في
الساحتين السورية واليمنية، عن طريق إشراك ضباط وجنود إيرانيين شاركوا بشكل مباشر
في معارك القلمون وحلب، كما لوحظ وجود جنود إيرانيين في بعض المناطق الكردية من
غربي كردستان، هذا بالتوازي مع التحرك الحوثي في اليمن والاستيلاء على العاصمة مع
احتجاز الرئيس والسيطرة على كل مفاصل الدولة 
العسكرية والادارية في الشمال مع بدء الزحف على عدن والمحاولة على
الاستيلاء على الممر البحري في باب المندب، لكن في هذه المرة كان الرد الأمريكي قويا
جداً بعاصفة عسكرية استحقت تسميتها بالحزم، إذ عملت الولايات المتحدة على إنشاء
تحالف عسكري عربي مفاجئ من دول الخليج باستثناء عمان ومن السعودية ومصر والمغرب،
وكان هذا التحالف وهذا التحرك العسكري المفاجئ صدمة حقيقية بالنسبة لإيران، ورغم
أنها توعدت وهددت في بداية الحملة، على أنها ستشعل المنطقة، إلا أن باكستان
النووية دخلت الخط مباشرة وتكلفت بحماية السعودية من أي تدخل إيراني محتمل، مما اضطرت
إيران بالتراجع والعدول عن لغة التهديد واستبدلته بلغة الحوار ودعت إلى البحث عن الحلول
السياسية، لكن الولايات المتحدة الأمريكية لم تكتف بالتراجع الإيراني في اليمن بل
أدخل ملفها النووي على طاولة المفاوضات في لوزان كضغط إضافي آخر على إيران، لانتزاع
أقصى التنازلات منها على صعيد ملفها النووي وإجبارها على إعادة النظر في مجمل
سياساتها وإحداث تغييرات جذرية في مهام أدواتها الإقليمية، وبدأت إيران بالتراجع
الفعلي أمام عاصفة الحزم التي أعادت حسابات الصراع  الطائفي من جديد، حيث بدأ العد العكسي للدور
الإيراني في المنطقة وبالتالي بات المشروع الشيعي في مأزق من أمره مهدداً بالتراجع
على أكثر من جبهة. 
 ·  عضو اللجنة السياسية لحزب يكيتي الكردي في
سوريا  

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

سعيد يوسف   لم يتعرّض شعب في تاريخه الحديث إلى التهميش والإجحاف والظلم بقدر ما تعرض له الشعب الكوردي عموماً والكورد الأيزيديون خصوصًا. فعلى مدار تاريخهم الطويل المجبول بالدماء والإنكسارات والقهر، تعرض الأيزيديون إلى العشرات من جرائم القتل العمد والتصفيات الجسدية، وحملات الإبادة الجماعية، إبتداءً مما سمي بالفتوحات على أيدي الغزاة الإسلاميين الأوائل، ومروراً بالعصرين الأموي والعباسي وما بعدهما، واستمر…

أكرم محمد تشهد الساحة السياسية الكردية السورية حالياً واحداً من أعنف السجالات الفكرية والسياسية، المتمحورة حول شخصية الدكتور عبد الحكيم بشار، القيادي التاريخي في الحزب الديمقراطي الكردستاني-سوريا وأول رئيس للمجلس الوطني الكردي. فالباحث في مسيرته يراه سياسياً أمضى عقوداً في خندق المعارضة الراديكالية ومطالباً بالفيدرالية من عواصم الاغتراب الأوروبية والإقليمية، لينتهي به المطاف اليوم جالساً تحت قبة مجلس الشعب في…

لوند حسين* في رسالته الموجهة إلى الكونفرانس الثالث لاتحاد البحوث الإسلامية في ميزوبوتاميا «MÎA-FED» باسم مؤتمر(الإسلام الديمقراطي) الذي انعقد بقاعة علي أميري بمدينة آمد (دبار بكر) يوم السبت 20 حزيران/يونيو 2026، يطرح عبد الله أوجلان رؤية تعتبر أن الديمقراطية متجذرة في جوهر الإسلام، وأن وثيقة المدينة «يثرب» تمثل أحد أوائل النماذج الديمقراطية في التاريخ، وأن الانحراف بدأ مع قيام الدولة…

شـــــريف علي دخلت العلاقات بين إقليم كوردستان وسوريا منذ تشكيل السلطة الانتقالية بقيادة أحمد الشرع مرحلة إعادة تشكّل عميقة، انتقلت فيها من القطيعة والتوتر إلى انفتاح سياسي وتنسيق أمني وحوار كردي–سوري برعاية كوردستانية. سقوط النظام السابق في 8 كانون الاول 2024 فتح الباب أمام دمشق للبحث عن بوابات آمنة تعيد عبرها وصل ما انقطع، وكان الإقليم –…