على ضوء هذه المعطيات يتبين لنا بجلاء واضح عدم استعداد الحزب القائد للدولة و المجتمع للقيام بأي إصلاح حقيقي، يساهم في تحقيق الديمقراطية ، لأن هذا الحزب يعلم أن النتيجة الحتمية لكل ممارسة ديمقراطية حقيقية ستكون النتيجة افتقاده لمركزه و منزلته كطبقة مسيّره ،و من ناحية أخرى ، مازال المجتمع السوري غير قادر على التفاعل الايجابي مع المفاهيم الديمقراطية، و غير مدرك بالارتباط الوثيق بين تحقيق الديمقراطية و تحسين واقعها المعاشي، و هذا ناتج عن التسلط و القهر الذي يعانيه المجتمع السوري، الذي أصبح بحاجة إلى إعادة بناء من مختلف الجوانب (الاقتصادية – الاجتماعية – الثقافية – السياسية).
هنا يأتي دور مؤسسات المجتمع المدني ، التي سوف تكون هي على الأرجح الحامل الاجتماعي للديمقراطية التي أصبحت ضرورة مستعجلة لا تقبل التأجيل في سوريا لمواجهة التحديات الخارجية ، الناجمة عن صعود الاحتكارات الرأسمالية المعولمة التي تسعى إلى نهب اقتصاد و أسواق دول العالم الثالث ، و منها سورية بطبيعة الحال, و التحديات الداخلية من الأزمات الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية التي يعيشها المجتمع السوري.
ان مؤسسات المجتمع المدني هي إحدى ركائز بناء الديمقراطية، كونها تساهم في نشر ثقافة بناء المؤسسات التي تعمل على تنظيم أفراد المجتمع و إيقاظ الوعي لدى أفراد المجتمع بمفاهيم حقوق الإنسان، و أهمية ممارسة هذه الحقوق في تطويره و تعميق الوعي الثقافي و الاجتماعي و السياسي، لان المجتمع المدني يقوم بالأساس على قيم التسامح و المشاركة و التنوع و الاختلاف و الروح الجماعية و الشفافية، و تؤمن هذه المؤسسات بالنشاط السلمي في إدارة الصراع و الخلاف ، بذلك تساهم مؤسسات المجتمع المدني في ازدهار ثقافة مدنية ديمقراطية توجه سلوك الأفراد، مما يساعد على توفير الشروط الضرورية لبناء الديمقراطية كون مؤسسات المجتمع المدني قائمة على:
1- المشاركة التطوعية في العمل العام.
2- ممارسة نشاط جماعي هادف في إطار حقوق وواجبات محددة للعضوية.
3- التعبير عن الرأي و الاستماع إلى الرأي الآخر و المشاركة في اتخاذ القرار.
4- المشاركة في الانتخابات لاختيار قياداتها.
5- المشاركة في تحديد أهداف النشاط و الرقابة على الأداء.
عندما ينخرط الفرد في مؤسسات المجتمع المدني وفق هذه المعايير، فانه يتدرب عمليا ًعلى أهم مفاهيم و أسس الديمقراطية ، و يصبح مهيأً للانخراط في النشاط العام للمجتمع ،ليتحول هذا الفرد إلى عضو فاعل و مشارك في الحياة العامة للمجتمع،
إن مؤسسات المجتمع المدني تساهم في بناء الديمقراطية على مستويين:
1- ثقافي و تعبوي ، من خلال نشر مفاهيم الديمقراطية، و إشاعة ثقافة مدنية قائمة على احترام قيم العمل الطوعي، و أهمية العمل الجماعي و قبول الاختلاف بين الأفراد.
2- دور تربوي ، يتحقق من خلال الممارسة الديمقراطية في الحياة الداخلية لمؤسسات المجتمع المدني ،بذلك تساهم هذه المؤسسات في تأسيس الوعي بالديمقراطية، و تأصيلها في الفكر و الثقافة و كذلك تأسيس الوعي بحقوق الإنسان و حريته و تأصيلها في السلوك الفردي و الجماعي، بالتالي إيجاد الأرضية المناسبة لصنع قوى ديمقراطية في المجتمع قادرة على الضغط على السلطة بالطرق السلمية و إجبارها على إجراء التحولات الديمقراطية ، بذلك تكون مؤسسات المجتمع المدني ضرورة اجتماعية و ليست موضة , يفرضها التطور الاجتماعي التاريخي السليم، إن المجتمع المدني و الدولة ليسا متناقضين بل متكاملين، لكن الدولة القائمة على القانون التي تحافظ على حرية الإنسان و حقوقه .
فالدولة و نقصد هنا (السلطة السياسية ) التي تحترم القانون لا تعرقل عمل مؤسسات المجتمع المدني بل تساعد على تفتحها، و مؤسسات المجتمع المدني تساعد الدولة في القيام بمهامها من خلال مراقبة الأداء و فضح السلبيات.
إن من الواجب إعادة بناء المجتمع السوري وفق الأسس المدنية ،فالمدنية يجب أن تكون الأساس لكل أبنية النسق الاجتماعي ، من حكومة مدنية و ثقافية مدنية و حقوق متساوية ، الكل يخضع للقانون في مساواة تامة بلا تمييز بسبب الدين أو العرق أو الجنس ، هو السبيل الوحيد لبناء دولة قوية متطورة تتماشى مع روح العصر و تواكب الحضارة.






