أية مرجعية تريدها الجماهير الكوردية

محمود الملا

اللافت للنظر كثرة الحديث في السنوات الأخيرة, وخاصة بعد انتفاضة آذار 2004 حول ضرورة العمل الجاد والمخلص من اجل بناء مرجعة كوردية تمثل شعبنا الكوردي في مسيرته النضالية. من أجل تحقيق حقوقه القومية والديمقراطية المشروعة في سوريا، وتكاد لا تخل صحيفة كوردية أو دورية من دوريات التظيمات السياسية الكوردية الا وتحمل على صدر صفحاتها الأولى مواضيع تتعلق بأهمية إيجاد مرجعية كوردية ودورها الكبير والريادي في الحياة السياسية الكوردية، 
إن إيلاء هكذا اهتمام من قبل الأحزاب والتنظيمات الكوردية بهذا الموضوع الهام والمصيري بالنسبة لشعبنا الكوردي مدعاة للسرور والفخر والاعتزاز، كون الهجمة الشرسة التي يتعرض لها أبناء شعبنا الكوردي من قبل الأوساط الشوفينية والعنصرية البغيضة تستهدف تغييبه وتهميشه على كافة الصُعد
 وهذا يتطلب من كل القوى الكوردية شحذ الهمم وتحشيد القدرات والطاقات النضالية وتأطيرها في إطار واحد بغية توحيد خطابها السياسي, إلا إن ما يثير الدهشة والاستغراب بنفس الوقت, هي المحاولات المحمومة من قبل غالبية الأطراف الكوردية, لتبرئة ساحتهم من هذا الهدف الكبير واللاشعور بالمسؤولية التاريخية الملقاة على عواتقهم, وإلقاء تبعة عدم تحقيق هذا الهدف الكبير على غيره من الفصائل والتنظيمات, وهذا مخالف للحقيقة والواقع, فالمسؤولية التاريخية, تقع على عاتق كافة الأطراف, كل حسب حجمه ودوره على الساحة السياسية, وإن العراقيل والعقبات المصطنعة, والتي توضع من قبل البعض, وذلك أثناء اللقاءات والحوارات المتعلقة بتنقية الأجواء والتقارب بين الأطراف, وصولاً إلى تأسيس المرجعية, هي قابلة للتذليل والإزالة, وذلك إذا كانت النيات صافية, وتم الاحتكام إلى العقل والمنطق السليم, وتجاوز عقدة الأنا الحزبية المفرطة, والتي سيطرت ولا تزال على عقول وتفكير الكثيرين من أعضاء التنظيمات الكوردية, 
إن الخلافات الكوردية – الكوردية, ضعفت الحركة الكوردية, ليست بالعمق الذي تروج له الماكنة الإعلامية لبعض الأطراف, وتتذرع بحجتها إستحالة الوصول الى بناء أية مرجعية, وهنا نعود إلى التاريخ بقدر ما يخدم موضوعنا, لقد شهدت الساحة الأوروبية, في الأربعينات من القرن الماضي, حرباً ضروساً أحرقت الأخضر واليابس, وخسرت فيها الدول المتحاربة آلافاً مؤلفة من القتلى والجرحى, ناهيك عن دمار اقتصادي شامل الحق بها, إلا أن كل ذلك لم تمنع شعوب وقادة تلك الدول من الوقوف جنباً إلى جنب, وتتناسى كل الخلافات والقضايا العالقة بينهم, ومن ثم الدخول في حوارات هادفة بناءة وايجابية, بغية وضع الأسس والمبادئ الأولية لبناء الاتحاد الأوروبي وإرساء سلام دائم بين دول القارة, حتى توجت جهودهم, بقيام الإتحاد الأوروبي بشكله الحالي, وهنا يتساءل المرءُ: أليس من الواجب الوطني والقومي, أن تتعظ الفصائل الوطنية الكوردية, وتأخذ الدروس والعبر من هكذا تجارب تاريخية قيمة, وتسارع الخطى نحو توحيد الصفوف ولم الشمل؟ أم أن الساحة الكوردية لازالت مسخنة بجراحاتها جراء الحروب الوهمية, التي نشبت بين فصال الحركة, وهنا نترك الإجابة على هذا التساؤل للشارع الوطني الكوردي, إن توحيد الخطاب السياسي الكوردي, بات اليوم مهمة عاجلة لاتقبل التأجيل, وتعاطي الحركة الوطنية الكوردية, مع بقية القوة الوطنية الديمقراطية, بخطاب سياسي موحد تكسب الحركة زخماً ومكانة سياسية مميزة, لقد سئم شعبنا من حالة التشرزم السائدة, في الساحة السياسية الكوردية في سوريا, كون هذا الكم اللاطبيعي من الاحزاب والتنظيمات, لا تعبر كلها عن أفكار وعقائد لطبقات وشرائح اجتماعية معينة, ولا نخاف الحقيقة إذا قلنا أن هناك أكثر من تنظيم سياسي كوردي, تعرض للانشقاق, بسبب الصراع على مركز الرجل الأول, بعد كل هذا فان المرجعية, التي تريدها الجماهير الكوردية وتتطلع الى تحقيقها بشغف, يجب ان نعبر عن نبض الشارع الكوردي, والذي يجسد في في تطلعاته الآمال والأماني المشروعة لشعبنا الضطهد, وينطلق من حقيقة أن شعبنا الكوردي في سوريا, والذي يبلغ تعداده حوالي الثلاثة ملايين نسمة, ويشكل القومية الثانية في البلاد, يعيش على أرضه التاريخي, وذلك قبل تشكيل الدولة السورية بحدودها الحالية ولا يزال, وهو يناضل منذ أكثر من نصف قرن, لإنتزاع الاعتراف الدستوري بوجوده كثاني مكون أساسي في البلاد، هذا ولكي تبقى المرجعية المنشودة فاعلة, وقابلة للتطور والبقاء والاستمرارية يجب أن تسود فيها الديمقراطية, وإحترام الرأي الآخر, وأن تتحلى كافة الأطراف والتنظيمات المنضوية تحت لوائها بالتفاني والإخلاص وروح التضحية, هذا وبالعودة الى الماضي القريب, يتضح لنا أن هنالك أكثر من أطار تحالفي, لم يكتب له الديمومة والنجاح, بسبب المحاولات المستمرة لدى بعض أصحاب القرار, في التنظيمات المؤتلفة للي عنق تلك الأطر, وتطويعها لخدمة مصالحهم الحزبية الضيقة, وجعل بصمات تنظيماتهم واضحة ومميزة على تلك الأطر, لقد علمتنا التجربة ودروس التاريخ, أن أية مرجعية كي تستطيع قيادة الجماهير بمهارة ونجاح, يجب أن تضع الأحزاب, المشكلة للمرجعية نفسها في خدمة المرجعية, وليس العكس, والتاريخ الكوردي, لاتخلو من أمثلة وشواهد, تبرهن كلها على صحة ما ذهبنا إليه.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…