الخازوق التركي والفرجة الكُردية في الداخل التركي

 ابراهيم محمود  

  
رغم كل المتردد عن التاريخ التركي الأسود
تجاه الكرد، ورغم كل ما يشاهَد راهناً بصدد الموقف التركي من المستجدات في الجهات
الكردية منذ الغزو الداعشي لإقليم كردستان العراق، والنزيف السكاني الكردي الرهيب
من كوباني وجوارها الجغرافي إلى ما وراء الحدود التركية ” سروجي: بيرسوس
“، منذ الغزو الداعش المكثف لها في 15 أيلول 2014 هذه المرة، لازال هناك ما
يقوم بدور المحامي عن الدور التركي ” الإنساني ” بإيجاد المبررات التي
تخفف من وطأة الدور التركي السلبي تجاه الكورد، لا بل وثمة من يرسل النداء المتلفز
وعبر زيارات شخصية لطلب المساعدة من النظام التركي لنجدة ” أخوة الترك ”
لـ” أخوتهم الكرد ” في الداخل السوري، وعلى أعلى مستوى، إلى درجة حصول
تناقضات بين من يطالب بالتدخل العسكري صراحة، ومن يطلب مساعدة عسكرية، ومن يستمر
في اعتبار النظام التركي داعشياً في وجه من وجوهه، بما أن مفهوم إرهاب الدولة
مفعَّل لديه منذ عقود زمنية طويلة، وما يعتمَد في تركيا سياسياً وعسكرياً هو خلاف
المتوخى،
 إذ إن تاريخ بناء الدولة التركية الحديثة ؟ ومنذ
قرابة قرن ” 1923 ” هو تاريخ نفي الآخر، سلب الآخر ميزته الإنسانية
والقومية، وفي الواجهة يكون الشعب الكردي، وأن المتغيَّر هو المتعلق بالهيئة
” غابت القبعة المترَّكة ” عن هامات الساسة الترك، وحتى الكثير من الترك
العاديين، والمفارقة أن هناك نسبة ملحوظة من كردنا لازالوا يحتفظون بها تأكيداً
على طواعيتهم للقانون المسلخي الأمني التركي، وهو تاريخ لا أظنه، رغم المعدَّل في
بنيته بالمفهوم الظاهري، قابلاً للمناقشة حول جوهره، في تمحوره حول خاصية التتريك. 
وفي أوج مأساة الكرد، في كوباني  ثمة من يكيل مديحاً لأولي الأمر الترك، مجاملة
أو اضطراراً، ولكنه لا يحتاج إلى كيل المديح هذا، طالما أنه بعيد عن متناول يدهم،
إلى جانب أن كيل المديح يقوم على مبدأ يفسَّر سريعاً لدى الجانب التركي على أنه
تعبير عن مزيد من الاعتراف بسطوة تركيا كنظام، ومباركة لهذا النظام لأن يبقى
محافظاً على عقيدته الأتاتوركية أصولاً، إلى جانب وعي الساسة الأتراك لما يردَّد
أمامهم بوصفه إطراء لا يخفي جنسية القائم بالإطراء: أي النظر إليه خصماً أو عدواً،
وهي المفارقة الكبرى . 
سوى أن الأكثر إيلاماً، حين يسعى المعنيون
بما يجري في ” روجآفا ” غالباً إلى مناشدة الكرد عموماً، لا بل والإشارة
إلى أن الدفاع عن كوباني واجب مقدس على كل كردي، وأجدني مشدّداً على أهمية أي مسعى
ومتحفز للتوجه إلى الدفاع عن أي كردي مظلوم، لكن للأمر بعداً آخر لا يجب تجاهله
إطلاقاً على طريقة القائل ” نعم أنا أعمى ولكنني أفهم ما يدور!”، إذ إن
الفقاعات الإعلامية تزيد في مأساة الكردي واستحالة الكرد جموعاً مشتتة متحاربة،
تغري حتى العدو الأضعف لأن ينال منهم في أي لحظة، بقدر ما تجعل الكرد أدعى إلى
السخرية أكثر من أي شيء آخر، من باب تمييع الجاري والتهرب من المسئولية. على
الأقل، وأنا أشير إلى أن كرد تركيا الذين يتجاوزون عشرين مليوناً ومتواجدون في كل
المدن التركية ذاتها” استانبول قبل غيرها “، أسهموا في تأجيج النار
أكثر، إذ ماذا يفيد المرء من المسيرات الاحتجاجية ورفع الشعارات، والأسخف: حين
يشاهد الكرد وهم يرقصون، تعبيراً عن صمود كردي. تصوروا.. كيف أن الآخرين من غير
الكرد لم يكتشفوا بعد حكمة الرقص في أوج المأساة، بينما الكرد بمئات ألوفهم
يصرخون، والآلاف يهانون، والنساء الكرديات يتعرضن لكل ما هو مريع وفظيع ” هل
نسمّي ؟”، أي جدوى من المظاهرات التي تملأ الشوارع، حيث أولو أمر ”
الموضوع ” قد عاشوا هذه اللعبة منذ زمن طويل ؟ 
هنا أشير وبالحرف: لو أن بضعة أشخاص ممن
يُستشهَدون على الجبهة في مواجهة داعش ومن مع داعش، وهم يرون ما يجري بأم أعينهم،
قاموا بأعمال انتحارية ودفعة واحدة في مدن تركية، لاقتصدوا في عدد الشهداء الكرد،
وأثمرت جهود أولي أمر الكرد أكثر؟ 
يا للخازوق التركي الذي لم يُزح من مكانه،
ويا لأعداد الخوازيق التركية وغير التركية وأحجامها ومقاييسها ومعادنها وألوانها،
وهي لا تكف عن خوزقة الكرد منذ ما قبل ظهور أتاتورك ، ولعلها ستستمر في خوزقة
الكرد البسطاء والذين يبرّرون لما يجري حتى ما بعد أردوغان، وتبقى الفرجة الكردية
بالعين المجردة، وعلى شاشات التلفزة العالمية. 
ما أهون الخازوق الذي يزهق روح المرء فعلياً،
غير أن الخازوق المؤلم والمشين والمنصوب هنا وهناك، فهو الذي لا يستشعره المخوزق
أحياناً بدءاً من المسئول الكردي، نزولاً إلى الإنسان العادي الأكثر شعوراً بوقعه
وألمه، وهو يتكتم على ألمه، والفارق المطلوب ذكره هو أن ولي أمره مجربٌ خوازيقَ لا
تحصى واعتادها أو أدمنها، ولم يعد يشعر بها، بينما الآخر فهو يعرف حقيقة كل خازوق،
ولا يجد مفراً مما هو عليه، لأنه محكوم بولي أمره أكثر من الآخر : مخوزِقه، بقدر
ما يعيش حالة قدرية سمّم بها، باعتباره مؤمناً بالقدر ” قدر الكرد ”
بوعيه الديني البسيط. 
عندما يمعن المتبصر الكردي في العدد الهائل
من الخوازيق التي تتقاسم كوردستان، سوف يكون على بيّنة من طبيعتها ومنشأها، وطريقة
تصميمها وأساليب انتشارها، وهي تحمل بصمة كردية بالمقابل، وبنسبة ملحوظة لا تخفى
على أي كان يعيش حرارة التاريخ ؟! 
 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس مؤتمرات التفكير بدل مؤتمرات الوحدة الشكلية. ليست مشكلة الحراك الكوردستاني اليوم في غياب شعار الوحدة، بل في الطريقة التي جرى بها فهم هذا الشعار وممارسته. فالوحدة الكوردية كانت، وما تزال، من أكثر الشعارات حضورًا في الخطاب السياسي الكوردي، غير أن كثرة الحديث عنها لم تُنتج، في أغلب الأحيان، واقعًا سياسيًا موحدًا بقدر ما أنتجت سلسلة متكررة من…

صلاح بدرالدين نشرت صحيفة – جمهوريت – التركية مؤخرا عن ” لقاء كل من مظلوم عبدي ، والهام احمد بعبدالله اوجلان في ايمرلي بشهر آذار المنصرم ” ، في وقت تجري تحضيرات للقاء جديد بعد ، تلميحات وتصريحات سابقة عن علاقات حسنة بين مسؤولي جماعات – ب ك ك – السورية من جهة والسلطات التركية من الجهة الأخرى ، ومنذ…

حاوره: عمر كوجري قال محمد إسماعيل سكرتير الحزب الديمقراطي الكوردستاني- سوريا، ورئيس المجلس الوطني الكوردي في سوريا إن فشل كونفرانس «وحدة الموقف والكلمة الكوردية» هو نتيجة تراكمات سياسية وتنظيمية عميقة. من أبرز هذه الأسباب غياب الإرادة السياسية الحقيقية وروح الشراكة لدى بعض الأطراف، حيث بقيت الحسابات الحزبية الضيقة متقدمة على المصلحة القومية العامة، فقد تمّ الدفع بما يسمّى…

اكرم حسين تشكل القضية الكردية في سوريا أحد أبرز التحديات السياسية والاجتماعية التي تواجه سوريا الحديثة، وهي قضية متجذرة في التاريخ وتعكس تعقيدات التركيبة الديمغرافية السورية. فالقضية الكردية ليست مسألة أقلية عرقية تبحث عن الاعتراف بهويتها ، بل هي قضية وطنية بامتياز تمس نسيج المجتمع السوري وتؤثر على مستقبل الدولة السورية ككل. إن فهم البعد الوطني لهذه القضية يتطلب تحليلا…