من شنكَال إلى دهوك

 ابراهيم محمود

في الأزمات الكبرى أو في الكوارث والأحداث العاصفة، تغدو أماكن السكن استثناء، بينما تصبح الحركة خارجها هي القاعدة.

في الحدث الشنكالي الرهيب والمهيب معاً، ما أسهل القول وأصدقه بأن العين أصبحت في مقام الذاكرة المؤلمة، العين وهي تسجل الصوت والصورة معاً لمسيرة آلاف الكرد الإيزيديين في مأساتهم الشنكالية الآبية الداعشية السبب، مسيرة تصل ما بين نقاط انطلاقتها الشنكالية وتوضعها في دهوك وغيرها.
وإذ أسمّي دهوك، فليس لأنها وحدها المدينة الكردية التي أسهمت في محاولة احتضان كرديها الإيزيدي في إقليم كردستان، إذ إن كل مدينة وناحية وقرية وبقعة أو رقعة أو زاوية أخذت حصتها أو نالتها، وربما إلى درجة التنافس في مؤاساة الحدث الجلل هذا، إنما كوني مقيماً في دهوك، حيث أحمل جرح اللاجئ، همه، فاجعته المكانية، مع فارق المأساة والألم طبعاً .
يستحيل على الناظر، إلا إذا كان مصاباً بالعمى أن يغفل هذا التسابق بين أهل الإقليم، وهنا أسمي الدهوكيين، إذ أكون في وسطهم، وهم ينطلقون في سياراتهم، وهم يحملون ما يستطيعون حمله من شراب وطعام خفيف وأغطية عند اللزوم، ويهرعون إلى استقبال أخوتهم في الانتماء الاثني وليس الديني، حيث يختلطون مع الأسايش ورجالات البيشمركة ، دون نسيان من يصدرون التعليمات في الجهات المتنفذة، وفي نقاط مفصلية، لتسهيل عملية العبور والسير والوصول إلى المواقع المختارة .
برزت وتبرز دهوك وكأنها تنوء تحت ثقل جموع اللائذين بها، وهم بمئات ألوفهم ” أكثر من عدد سكانها “، حيث يستحيل رؤية زاوية خالية إلا وهي تحتضن نازحاً أو هارباً بجلده من رعب داعشي هنا.
ربما هي أشبه بـ” حرب عوالم ” إزاء هذا الانفجار صوب الداخل: بشر يتمازجون، وأيد تمد ما استطاعت حمله، وأخرى تمتد إلى ما هو مقدَّم لها .
صورة مثبتة لألوف من الشنكاليين، بشر في أعمار مختلفة: رجال ونساء، كبار وصغار، وثمة القاسم المشترك الأكبر بين هؤلاء جميعاً: الصدمة التي تعرضوا لها ! كما لو أن هول الحادث وشم المرئي في كل ما يجلوهم، حيث الانكسار النازف في العيون، وسيماء الوجوه الغائرة، إنما أيضاً: الغبار الممزوج بالعرق ذاكرة بصرية أخرى شاهدة عيان عنف فظيعة.
أهل المكان لا يخفون ما عاشوه قبل عقدين من الزمان ونيف: في الهجرة المليونية، إنما وجه الخلاف، هو أن القادمين من شنكال هرباً من عنف داعشي مميت، وجدوا سريعاً من يهتم بأمرهم، هو أنهم رغم فرادة الحدث المرعب، لا يمكن تجاهل من سارعوا إلى الاهتمام بأمرهم على المستوى السياسي الرسمي والشعبي، أنه، مهما أمكن الحديث عن الطعنة القاتلة والجارحة جداً للكردي الإيزيدي هنا، باعتبارها تحتفظ بخصوصيتها، لا يمكن إخراجها عن سلسلة الطعنات التي شهدها الإقليم على أيدي جلاوزة شعوب المنطقة: العراق، والكردي الإيزيدي حلقة مثقلة بآلامها في هذه السلسلة.
بين شنكال الجرح البشري الكردي الإيزيدي النازف، والطرق والدروب والممرات المختلفة التي فُتحت أو انفتحت بحثاً عن ملاذات آمنة لبعض الوقت، ودهوك المدينة التي ترجمت حسن سلوكها، أو ما استطاعت إليه سبيلاً في أداء واجبها الاثني، الاجتماعي، الأخلاقي، الإنساني …الخ، لهؤلاء المكنوبين، كما فتحت جهاتها لغيرهم ومن ألسنة ومذاهب أخرى: عربية وأثورية قبل ذلك، ولكرد روجآفا قبل هؤلاء…الخ، وسلطت أضواءها على هذه الجموع النازفة، بين هاتين الإحداثيتين الجغرافيتين، عملت العين بمبدأ الكاميرا ذات الدائرة الواسعة، ثم استقر بها المقام من خلال توزع المنكوبين داخل دهوك ” مدارس أهلية وحكومية، وبيوت أهلية وغيرها “، وفي محيط دهوك، ترجمة لمجمل الطاقات القائمة والإمكانات التي سخّرت تخفيفاً لمعاناة المنكوبين، وعبر الاهتمام المتعدد المستويات بهم، وتلبية ما يلزم ما أمكن.
بين هاتين النقطتين، تنبسط ذاكرة جغرافية ووجدانية، سياسية وشعبية، على وقع محنة صادمة، لا أظنها خلقت بلبلة، إنما عمقت مشاعر، وأبانت لمن يريد أن يعلم أكثر، ومن لا يعلم، عن دور مأساة كهذه في إبراز حس الكردية ووعيها.

وباعتباري شاهد عيان على ما جرى وما يجري، كانت هذه الكلمة: الشهادة !

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. مرشد اليوسف عندما يُذكر الكرد في سوريا، يتجه الذهن غالباً إلى مناطق الجزيرة وكوباني وعفرين بوصفها المجال الجغرافي التقليدي للوجود الكردي. غير أن هذه الصورة، على الرغم من أهميتها، لا تعكس الواقع الديموغرافي الكردي السوري كاملاً. فهناك كتلة بشرية كردية ضخمة موزعة في المدن السورية الكبرى مثل حلب ودمشق وحمص وحماة واللاذقية وإدلب وداعا ، تشكل امتداداً تاريخياً…

د. محمود عباس ويكفي التذكير بأن طرفة بن العبد، أحد أشهر شعراء بكر بن وائل في الجاهلية، ارتبطت سيرته بإقليم البحرين التاريخي وبلاط الحيرة، وفي هذا المجال الممتد بين البحرين والحيرة كان الحضور الأشهر لقبيلة بكر بن وائل، لا في آمد ولا في جغرافيتها. وهذا يبيّن أن تحويل اسم ديار بكر اللاحق إلى دليل على حضور…

صلاح بدرالدين بخلاف مايذهب اليه البعض فان الكرد السوريين باجيالهم الثلاثة بشكل تقريبي منذ تقسيمات سايكس – بيكو وضم جزء من كرد المنطقة الى سوريا ، لايتحملون مسؤولية ظهور وتفاقم قضيتهم القومية ، لأنها بدأت منذ تجاهلهم وجودا وحقوقا في اول دستور سوري ماقبل الاستقلال ، والدساتير الأخرى من بعده ، وحتى يوم الثامن من ديسمبر / ٢٠٢٤ ، ثم…

ريزان شيخموس في الرابع عشر من حزيران من كل عام، تستعيد الذاكرة الكردية في سوريا محطة مفصلية في تاريخها السياسي، تتمثل في تأسيس أول حزب سياسي كردي عام 1957. وقد شكّل هذا الحدث نقطة تحول مهمة نقلت العمل القومي الكردي من إطار النشاط الثقافي والاجتماعي إلى مستوى التنظيم السياسي المنظم، الذي حمل مطالب الكرد القومية والوطنية ودافع عنها في مواجهة…