ردا على ملاحظات بشأن مسيحيي الموصل

 صلاح بدرالدين

     أراك ( * ) في غاية التشاؤم والسوداوية في نظرتك قد أختلف معك كليا في حكمك القطعي على ” دخول الأكراد الى هذا الصراع الديني قريبا ” اذا كان المقصود تورطهم في ممارسة  ماتفعله – داعش – بالموصل وغيرها تجاه المسيحيين في كردستان ( الأسلمة أو دفع الجزية أو الرحيل ) ولكني قد آخذ هواجسك بالحسبان ( اذا كانت مجرد احتمالات ) ومن باب الحذر من مايخبؤه المستقبل من مفاجآت جراء مخططات البعض العدائية من جيران إقليم كردستان تجاه التجربة الديموقراطية نسبيا وتعايش مكونات شعبها السلمي المبني على الشراكة الذي أشاد به الحبر الأعظم بالفاتيكان خلال استقباله السيد مسعود بارزاني رئيس الإقليم قبل فترة
وبحسب معرفتي بالبنية الاجتماعية والأهلية لمجتمع كردستان ولافرازاتها السياسية والثقافية فانني لاأجد أي مؤشر يدل على اندلاع صراعات دينية أو مذهبية لافي الحاضر ولافي المديين المنظور والأبعد لأن عوامل الالتقاء المتشكلة منذ قرون والتفاعل التاريخي والتمازج الحضاري واستخلاص العبر من دروس الماضي أقوى وأصلب عودا من أسباب الاختلاف هذا ان وجدت أصلا  وهذه الحقيقة لاتنفي إمكانية ظهور فتن هنا وهناك أو حتى أحداث ذات طابع إرهابي تصب في مجرى اثارة الغرائز الدينية الجاهلية وقد حدثت مثلها في الماضي القريب من جانب خلايا وجماعات ( أنصار الإسلام والسنة وأتباع القاعدة ) ومارست التفجيرات ضد القيادات الأساسية للحركة الكردية والمسؤولين الحكوميين كما حصل مع شهداء شباط وليس ضد المسيحيين الكردستانيين وكان واضحا أن الصراع كان سياسيا ولكن باسم الدين تماما كما تمارسه الآن – داعش – كجماعة سياسية سنية وتمارسه في الوقت ذاته جماعات سياسية شيعية .
       نعم غالبية الكرد مسلمين ولكن ليس لهذه الغالبية أي ذنب في ماحصل مع المسيحيين من مجازر بأمر من الخليفة العثماني وكذلك الطورانيين وكل الدلائل تؤكد على أن الكثير من العشائر والعائلات الكردية قامت بحماية الأرمن ( ومن بينها عائلتي ) وكذلك السريان خلال الحملة المعروفة ب – سيفو – ولكن الكرد كانوا مغلوبين على أمرهم مثل المسيحيين ولم يكونوا حكاما بل من الرعية وقرار الإبادة جاء من السلطات الحاكمة ولا يستبعد حصول أعمال فردية من جانب بعض من ينتمون الى الكرد لأن البعض من هؤلاء وقفوا أيضا مع السلطات التركية ضد بني قومهم الكرد أيضا تماما مثل الفرسان و” الجحوش ” كما يسمونهم بالعراق وهذا يحصل مع كل شعوب العالم .
    ماحصل قبل سنوات من جانب بعض الجماعات الموتورة في محافظة دهوك كان بالأساس تعبيرا عن موقف سياسي ضد قيادة الإقليم وحكومته بدفع من جماعات الإسلام السياسي الكردية المرتبطة بالخارج كماهو معروف ولكن باسم الإسلام ولم تكن أعمالهم الإرهابية موجهة ضد المسيحيين فقط بل طالت الأكراد الأزيديين أيضا وكانت موجهة بالأساس الى هيبة الحكومة وأمن واستقرار الإقليم .
  في جميع الأحوال لاضرر بل من المفيد وضع كل الاحتمالات بمافيها السلبية قيد البحث والنقاش والأهم هو تكاتف جهود مكونات الإقليم الكردستاني بكل قومياتها وأديانها ومذاهبها وتحمل المسؤولية المشتركة بهذا الظرف العصيب في تعميق هذه التجربة الفريدة وإزالة ماهو ضار وتوسيع المشاركة في السلطة لتطوير عملية البناء والتنمية والاستقرار وكما أرى فان كردستان بمختلف ساحاتها هو البيئة الجغرافية الأوحد في المنطقة في الظرف الراهن الأكثر قبولا للمسيحيين دينا وقوميات ولتفهم حقوقهم لأنهم بغالبيتهم من السكان الأصليين القدامى المتعايشين مع الكرد منذ فجر التاريخ وكلما يمر الزمن تتوفر البراهين الجديدة على أن ” القضية المسيحية ” على الأقل في – ميزوبوتاميا – لن تحل الا ضمن القضية الكردستانية العامة لذلك من واجبات الجميع البحث عن المشتركات والتخلي عن اثارة الشكوك والتطلع نحو المستقبل بمزيد من الآمال .

·   – تعقيبا على رد السيد – حكيم البغدادي – على مقالتي ” الجذورالثقافية لاضطهاد مسيحيي الموصل ” المنشور في موقع – عينكاوة كوم .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…