عن ” العلمانيّة “

 اكرم حسين

العلمانيّة هي مبدأ سياسي وفلسفي يهدف إلى فصل الدين عن الدولة والمؤسسات الحكومية ، وتنظيم الشؤون العامة بما يعتمد على المنطق، والعقلانية، والقوانين الوضعية بدون تدخل ديني. يتضمن مبدأ العلمانيّة الحفاظ على حرية الدين والمعتقد للأفراد، وضمان عدم التمييز ضد أي شخص بسبب دينه أو اعتقاده.

تاريخياً ظهرت العلمانية  مع اندلاع الثورة الفرنسية حيث خرجت الطبقة البرجوازية ضد النظام الاقطاعي الذي كان متحالفاً مع الكنيسة ومتخفياً وراءه ، وتطورت  كرد فعل ضد الهيمنة الدينية على الحياة العامة والسياسية ، فهي تعكس مبدأ الفصل بين الدّين والدّولة وتؤكد على أهميتها واهمية المؤسسات غير الدينية في تنظيم الحياة العامة وحفظ النظام والعدالة الاجتماعية.

-علاقة العلمانيّة بالديمقراطية :

تتبنى العلماّنية مفاهيم الديموقراطية والعدالة ، إذ تدّعم حقوق الإنسان وتعتبرها  فوق أي مطالب أو اعتبارات دينية ، فهي تعتبر جميع المواطنين متساوين أمام القانون، ولا يوجد انتماء ديني أو سياسي يعطي مزايا أو عيوباً لاحد ، وتدعم العلمانيّة قوانين المساواة التي تحمي الأقليات في المجتمعات المتعددة  من التمييز الديني ، وتضمن حقوقهم وواجباتهم كما تضمن حقوق وواجبات المؤمنين الدينيين على حد سواء.

مبادئ العلمانيّة :

تقوم العلمانيّة على العديد من الأُسس والمبادئ، ومنها:

1- الفصل بين الدّين والدّولة (مؤسسات الدّولة والمجالات العامّة).

2-الحريّة في الممارسات الدّينيّة والمعتقدات المختلفة دون الإضرار بالآخرين.

3- المساواة بين النّاس، إذ لا تمييز بينهم على أساس المعتقدات الدّينيّة.

فالعلمانيّة تُمثّل اليوم مبدأً حيويًا في الحكم وادارة المجتمعات الحديثة، حيث تسعى إلى فصل الدّولة عن الدّين وتنظيم الشؤون العامة بما يستند إلى المنطق والعقل والعدالة الاجتماعية، دون تدخّل أو تفضيل لأي دين معيّن ، والتحول من دولة دينية إلى دولة علمانيّة يحتاج إلى وعي كبير بأهمية مبادئ العلمانيّة من حقوق وحريّات ومساواة  . لكن التعبئة غير الصحيحة عن العلمانيّة كونت عند شعوب المنطقة  صورة نمطية لا أخلاقية بفعل  محاربة رجال الدّين والأنظمة الإستبدادية التي شوّهت العلمانيّة  واعتبرتها كفراً وزندقة .

تعتبر العلمانيًة  ضرورية في سوريا  لعدة أسباب:

  1. تضمن حق الأفراد في اختيار دياناتهم من  عدمها دون أي تمييز او قيود من الدّولة، مما يساهم في تعزيز المواطنة والتسامح الديني.
  2.  تضمن المساواة بين جميع المواطنين  دون تفضيل أو تمييز بناءً على الديانة.
  3. تشجع على تطوير المجتمعات وتبنّي سياسات تعليمية واقتصادية واجتماعية تستند إلى البحث العلمي والابتكار، مما يعزّز التقدم والازدهار الشامل.
  4. تعمل على تقليل احتمالات التطرف الديني والصراعات الدينية التي قد تؤدي إلى الاضطرابات والعنف في المجتمع .

5-  توفّر بيئة مناسبة لحماية حرية الاعتقاد والتعبير، وتضمن المساواة بين جميع المواطنين بغض النظر عن دياناتهم أو معتقداتهم.

6- تسهم  في تقويض الديكتاتورية وتعزيز نظام الحكم الديمقراطي، حيث يتم فصل السلطات الدينية عن السلطات الحكومية.

7- تُسهم في دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المجتمع.

باختصار، العلمانيّة  إطار ضروري لتعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان، والتعايش السلمي بين مختلف الطوائف والمجموعات في المجتمعات المتعددة الثقافات والاديان .

تحدّيات تطبيق العلمانيّة في سوريا:

  1. تعتبر العلمانيّة تحديًا للقيم والتقاليد الدّينية العميقة التي تسود المجتمع السوري .
  2. تتعارض  مع مصالح القوى التقليدية التي تسعى للحفاظ على النفوذ والسلطة.
  3. عدم فهم وادراك أهمية العلمانيّة وكيفية تطبيقها بفعالية.

4- التشويه المتعمد لمفهوم العلمانيّة واظهاره كانه  نفي لوجود الله

بالتالي، فإن تبني العلمانيّة في سوريا يمثل خطوة حيويّة نحو بناء مجتمع متقدم يستند إلى المواطنة والعدالة الاجتماعية، ويساهم في تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة بشكل عام.

العلمانية وعلاقتها بالقضية الكردية :

تمثّل القضية الكردية في سوريا  أحد التحدّيات الكبرى التي تواجهها  سوريا ، وتتعلق بحقوقها القومية والديمقراطية ، ولهذه القضية  تأثير كبير على الديناميات السياسية والاجتماعية والاقتصادية فيها ، وبالنسبة للعلمانيّة وعلاقتها بالقضية الكردية، يمكن التطرق إلى عدة نقاط:

  1. العلمانيّة تدعو إلى فصل الدين عن الدولة، وهذا يمكن أن يخفف من التوترات الدينية والعرقية في سوريا بما في ذلك القضايا المتعلقة بالشعب الكردي في سوريا.
  2. تعتبر العلمانيّة إطاراً قانونياً يمكن من خلاله حماية حقوق الأقليات العرقية والثقافية، بما في ذلك الكرد، وضمان ممارسة حقوقهم بدون تمييز.
  3. من خلال دعم العلمانيّة، يمكن تعزيز المشاركة السياسية الشاملة لجميع السكان بما في ذلك الكرد، وضمان حقهم في اتخاذ القرارات السياسية والمشاركة في الحياة العامة بحرية.
  4. تعزز العلمانيّة التعايش السلمي بين مختلف المجموعات الدينية في سوريا، وتسهم في تعزيز الوحدة الوطنية بين جميع المواطنين.

وفي هذا السياق تواجه  سوريا  تحديات كبيرة في معالجة القضية الكردية بسبب التوترات السياسية والنزاعات الداخلية ، وضرورة تحقيق التوازن بين حقوق الكرد والحفاظ على الوحدة الوطنية   مما يتطلب  استراتيجيات سياسية شاملة ودقيقة .

ومع كل ما تقدم تظل العلمانيّة إطاراً هاماً لفهم ومعالجة القضايا الدينية والقومية والاجتماعية في سوريا، بما في ذلك القضايا المتعلقة بالقومية الكردية، وتقديم حلول مستدامة تعزّز العدالة والسلم الاجتماعي في البلاد.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس خسارة غربي كوردستان ليست المأساة الأكبر، لماذا بقيت كوردستان غائبة عن العالم؟ تناولتُ في الجزء الأول العوامل الداخلية والخارجية التي أدت إلى تآكل تجربة غربي كوردستان، من أخطاء الإدارة الذاتية والانقسام الكوردي، إلى الاجتياحات الإقليمية وتقلب المصالح الدولية. لكن الوقوف عند خسارة هذه التجربة وحدها قد يحجب السؤال الأكبر: لماذا تبقى كل تجربة كوردية عرضة للعزلة والتراجع؟…

تداولت بعض المنصات المؤدلجة ووسائل التواصل الاجتماعي المرتبطة بها خبر مفاده انني عارضت تعليم اللغة الكردية في المدارس في المناطق الكردية حين لقاء وفد البرلمانيين الكرد مع السيد وزير التربية والحقيقة هي كانت كالتالي أنا اقترحت ان نعمل على مسارين بنفس الوقت هما الحفاظ على اللغة الكردية وتطويرها بين الطلبة مع الحفاظ على مستوى تعليم متقدم ومتطور ولتحقيق الهدفين معا…

حسن قاسم تمر الحركة السياسية الكوردية في سوريا بمرحلة تختلف جذرياً عن المراحل السابقة، سواء من حيث طبيعة التحولات الإقليمية والدولية أو من حيث المتغيرات الداخلية في سوريا. ومن هنا، فإن استمرار العمل بالأساليب التقليدية لم يعد كافياً لمواجهة التحديات الراهنة، بل قد يؤدي إلى مزيد من التراجع وفقدان فرص التأثير. أول ما ينبغي الإقرار به هو أن المرحلة قد…

تنكزار ماريني بداية اعتذر لكل القراء وخاصة قراء كتاباتي وقراء الأخ ابراهيم اليوسف على الكتابات التي كنت ارد فيها على كتاباته. برأيي انها تدخل في بوتقة المدح الشخصي وعرض العضلات وخلق عداوات وهمية وأنا بغنى عن ذلك. أخي سالار واستاذي رزو لم يعلمانني هكذا فاعتذر لهما على مابدى مني وأعلم أن مهمتي تقديم مادة للقارئ ليحولها الى سؤال وليس الكتابة…