ممارسات حزب الاتحاد (الديموقراطي!) غير ديموقراطية

جان كورد

          منذ زمنٍ طويل لا أشارك في المظاهرات والاحتجاجات والنشاطات الأخرى التي تقوم بها الأحزاب والجمعيات الكوردية والسورية، لأسباب صحية، ولأنني لم أعد ذلك الكوردي النشيط الذي لم يكن يدع مناسبةً قومية أو وطنية إلا ويحضرها، كما أنني لم أعد أنضم إلى الفعاليات الكثيرة التي تقوم على العمل الجمعي لأسباب عديدة لا مجال لذكرها الآن، وفي الحقيقة فقد كنت لما يزيد عن الربع قرن فعالاً في ألمانيا وأوروبا بما فيه الكفاية، وأرى أن هناك أعداداً كبيرة من شبابنا الآن في مختلف المهاجر  يستغنون عن الكهول من أمثالي ولا يحتاجون سوى إلى شيءٍ من التأييد المعنوي لما يقومون به من أجل قضية قومهم الكوردي وفي سبيل الثورة السورية المجيدة.
          ولكن رغم الآلام التي تنهش أمعائي فجر هذا اليوم أجدني ملزماً بالذهاب إلى مدينة دورتموند التي تبعد عن مكان اقامتي لما يزيد عن المائة كيلو متر، بهدف المشاركة في الاحتجاج الذي تقيمه فعاليات كوردية سورية معاً بمناسبة مرور عامٍ على مجزرة مدينة عاموده الكوردية التي هاجم فيها مسلحو حزب الاتحاد الديموقراطي على شبابٍ أبدوا موقفاً متعاطفاً مع الثورة السورية ومعارضاً لسياسات هذا الحزب، فأطلق “الاتحاديون الديموقراطيون” النار عليهم وأوقعوا بينهم شهداء وجرحى، وبذلك أكدوا على طبيعة آيديولوجيتهم اللاديموقراطية التي تقوم على اقصاء الآخر المخالف وإزاحته من درب ما أطلقوا عليه ظلماً اسم “الثورة!”، وهي على العكس من “الثورة” كلياً، بل لا تختلف في شيء من سماتها عن سياسة القمع والاقصاء والاضطهاد التي مارسها “البعثيون الاشتراكيون” ضد شعبنا، تحت يافطة حماية ” المنجزات التقدمية!”.

          مارس النازيون الألمان ضد مختلف الديموقراطيين والوطنيين الألمان ذات الممارسات التي يمارسها “الاتحاديون الديموقراطيون” اليوم ضد الشعب الكوردي، ومنها خطف أعضاء الأحزاب وكوادرها المتقدمة، تمزيق البيانات السياسية واعتقال الصحافيين وتعذيب المعارضين ومنع الاحتفالات والاحتجاجات التي يقوم بها الأحرار الرافضون لسياساتهم، وتكسير لوحات وكراسي مقرات الأحزاب المخالفة لنهجهم، وحرق الرايات والأعلام، وإغلاق المراكز التي تنطلق منها أصوات معارضة لهم، بل وفرض سياسةٍ إرهابية على كل الذين يمارسون السياسة ويكتبون في السياسة، سوى التابعين لهم على شكل جماعاتٍ مرتزقة، مما دفع بكثيرين من الناشطين الحزبيين والمستقلين إلى ترك الساحة، ليتحول النازيون إلى حزبٍ مستفرد بالقرار السياسي وبالبرلمان الوطني وبكل أسباب القوة العسكرية والأمنية في البلاد.
          كانت ذريعة النازيين أنهم عاملون على تأمين الأمن والاستقرار لألمانيا فلم يأتوا سوى بالحرب والدمار لها، وأنهم سيجدون العمل لكل المواطنين، فسخروهم كالعبيد لبناء الترسانة العسكرية دون مقابل، إلا ما يسد رمقهم، وزعموا أن لألمانيا الحق في أن تكون ذات “مجالٍ حيوي”، كما اتهموا كل جيرانهم بالعداء لحزبهم وقائدهم ولبلادهم، في حين أن النازيين هم الذين هاجموا كل الجيران وأعلنوا عداءهم لكل أحزاب وقادة البلدان المجاورة، واعتمدوا في نشر مزاعمهم الكاذبة على إعلام كاذبٍ ومضللٍ وعدواني، ومعلوم أنهم قدسوا زعيمهم المريض نفسياً وآمنوا بما يطلقه من شعاراتٍ وأكاذيب وأحلام في السيطرة على العالم… وطبيعي أن يجدو لهم “عدواً” داخلياً فجعلوا اليهود عدوهم الداخلي وعملوا على إبادتهم في محرقةٍ يندى لها جبين التاريخ البشري، حيث تم زجهم في معسكرات الاعتقال بالجملة، نساءً وأطفالاً وشيوخ وأجبروهم على العمل الشاق في المزارع والمصانع حتى سقط كثيرون منهم من الإعياء، ورموا بهم في أفران الغاز  وحرقوا جثثهم، أو أطلقوا عليهم النار في خنادق طويلة تم ردمها على من فيها أمواتاً وأحياء.
          جنّد النازيون الصبيان في نهاية الحرب العالمية الثانية للدفاع عن زعيمهم في عاصمته التي كانت تتعرض للقصف المستمر، والاتحاديون الديموقراطيون جندوا الأطفال أيضاً لقتال “دولة الإسلام في العراق وبلاد الشام – داعش”، ولم نسمع عن مساهمتهم في أي قتالٍ لثوار سوريا ضد نظام الأسد الذي دمّر البلاد وفتك بالعباد… بمعنى أنهم يتحركون خارج جسم الثورة السورية على الرغم من أنهم رافضون لاتهامهم بالعمل من أجل القوم الكوردي وحده، دون سائر المكونات السورية الأخرى…
          النازيون كانوا ألماناً يحبون ألمانيا ويتفانون في سبيل الدولة الألمانية وطموحات أدولف هتلر التوسعية، أما “الاتحاديون الديموقراطيون” فهم مع الأسف لا يريدون الدولة القومية الكوردية ويكررون بأنهم ينتمون إلى “الأمة الديموقراطية!” عوضاً عن الأمة الكوردية، في حين كانوا من قبل أعضاء في “الأممية البروليتاريا” حين كانوا يسمون أنفسهم ب”العمال الكوردستانيين”…  ومعلوم أن زعيمهم عبد الله أوجلان ليس مع “الدولة الكوردية القومية” التي يراها “رجعية ومتخلفة”، في حين يقدّس الدولة التركية التي أسسها مصطفى كمال ويعتبره معلماً في الديموقراطية، في حين أن الدولة العثمانية التي دمرها كانت متعددة القوميات والأوطان، بمعنى أنها كانت أقرب إلى أفكار الاتحاديين الديموقراطيين عن “الأمة الديموقراطية”.
          الممارسات القمعية، اللاديموقراطية، ستؤدي بحزب الاتحاد الديموقراطي إلى عزلة بين الشعب الكوردي، وتشمئز من هذه الممارسات سائر مكونات المعارضة الوطنية الديموقراطية في سوريا، بل منها من يعتبره جزءاً من النظام وأداةً من أدواته، لا أكثر  ولا أقل … وهذا ما سيضر بهذا الحزب في المستقبل، ولن يجني من سياساته التي تشبه سياسات النازيين الألمان والفاشيين الإيطاليين والبعثيين العرب سوى الفشل، مثلما تحطمت كل الآلة العسكرية والحزبية والأمنية لأدولف هتلر رغم عظمتها وتنظيما وعدوانها و رغم انخداع شريحةٍ واسعة جداً من الشعب الألماني ببريقها  الساحر…

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين في شتاء عام ١٩٦٨ وبعد حضوري مؤتمر جمعية الطلبة الاكراد في أوروبا المنعقد في العاصمة اليوغسلافية ( سابقا ) بلغراد ممثلا ( للبارتي الديموقراطي الكردي اليساري – سابقا ) ، وعودتي عن طريق البر ( كمرحلة أولى ) بصحبة السكرتير الأسبق للحزب الديموقراطي الكردستاني الأستاذ – حبيب محمد كريم – الذي مثل حزبه بالمؤتمر والصديق الأستاذ – دارا…

كفاح محمود في منطقتنا مفارقة تُشبه الكوميديا السوداء: أنظمةٌ تُظهر براعةً مذهلة في فتح القنوات مع خصومها الخارجيين، وتُتقن لغة الصفقات حين يتعلق الأمر بالخارج… لكنها تتلعثم وتتصلّب وتُفرط في التعقيد عندما يصل الحديث إلى شعوبها ومكوّناتها، كأن المصالحة مع الآخر البعيد أسهل من التفاهم مع الشريك القريب، وكأن الدولة لا تُدار كمظلّة مواطنة، بل كحلبة لإدارة التناقضات وتأجيل الحلول….

شادي حاجي يُفترض أن يقوم النظام الدولي المعاصر على أسس قانونية وأخلاقية واضحة، أبرزها احترام سيادة الشعوب وحقها في تقرير مصيرها، كما نصّت عليه مواثيق الأمم المتحدة والعهدان الدوليان. غير أن الواقع العملي للعلاقات الدولية يكشف عن تناقض بنيوي بين هذه المبادئ المعلنة وبين آليات التطبيق الفعلي، حيث تتحكم اعتبارات القوة والمصلحة الجيوسياسية في صياغة المواقف الدولية. وتُعد القضية…

انا المواطن محمد امين شيخ عبدي المعروف بـ(( شيخ امين ))، والمقيم في دمشق، خريج سجون حافظ الاسد (( 100 شهر عرفي آب 1973 – تشرين الثاني 1981 ))، عضو المكتب السياسي للبارتي حتى آب 2011، وعضو هيئة رئاسة اعلان دمشق منذ عام 2007. اتقدم بطلبي ودعوتي هذه الى سيادة رئيس الجمهورية احمد الشرع: اولا:اطالب باقالة كل من السادة: اللواء…