الأمة الديمقراطية والسياسة الزئبقية

محمود برو

لدى مراجعتي لبعض الدراسات العائدة الى أفلاطون بخصوص ديمقراطية أثينا تبين لي كيف كانت أثينا والدول المدينية في اليونان تحكم بواسطة الأساليب القديمة للديمقراطية قبل الميلاد. الديمقراطية كانت أسلوبا من الحكم في اثينا بمعنى حكم الشعب. والشعب المقصود به آنذاك هم طبقة المواطنين الأحرار من الأثينيين  فقط.

النسب المختلفة للعقل والنزعات الكريمة (المروءة) والشهوات الغريزية كانت الأبعاد الثلاثة للإنسان حسب اعتقاد أفلاطون لذلك رأى أن الدولة يلزم أن تحتوي على العقل (المتمثل في النخبة، اي الأقلية الحاكمة) وعلى المروءة المتمثلة في الجنود وعلى الشهوات المتمثلة في الجماهير.
يقال أن حاكما شرقيا سمع عن طريق التجار بديمقراطيات أثينا وروما وما شابهها ، فقرر أن يصطنع لنفسه ديمقراطية مثلها على سبيل التسلية وقتل الوقت ، لكنه أرادها ديمقراطية تتناسب مع تاريخ شعبه وأمته وغير منقولة عن تجارب أخرى.
قام الحاكم بتشكيل مجلس شعب من ثلاثين شخصا وقسمهم إلى مجموعتين متساويتين في العدد. حيث يجلس نصفهم الى يمينه والنصف الآخر الى يساره وهو مجلس دائم الانعقاد ما دام الحاكم يجلس على الكرسي.

وكان الحاكم كلما تعرض عليه قضية أو مشكلة أو اقتراح من الوزراء والمستشارين، كان بعد الاستماع إلى جميع الآراء ، ينظر إلى اليمين، فيقول جميع أعضاء المجلس في هذا الاتجاه : نعم .. بصوت واحد. وكان إذا أراد رفض المقترحات ينظر إلى الشمال ، فيقول جميع أعضاء المجلس القابعين هناك … يقولوا…. لا .
إذ أن دور أعضاء المجلس كان ينحصر – حسب الديمقراطية الشرقية – في قول كلمة: نعم .. إذا نظر الحاكم إلى اليمين، وقول ..لا .. إذا نظر الحاكم للشمال. وسارت الأمور على خير وهدأة بال إلى أن سئم الحاكم من ديمقراطيته تلك.
سئم الحاكم خصوصا بعد أصابته ب(ديسك) في الرقبة جراء التطلع يمينا وشمالا ، فألغى المجلس، وقرر أن يحرق هؤلاء الذين تحولوا إلى تنابل، فوضعهم في دائرة عظيمة وأوقد حولهم النار، فلم يحاول أحدا منهم النجاة، إذ أنهم لا يعرفون سوى قول نعم ولا حسب نظرة الحاكم . وهكذا ظلوا حتى خمدت النار فنجا منهم من نجا ومات منهم من مات. أعجب الحاكم بشجاعتهم وإخلاصهم فجلبهم لإضحاكه وتسليته .
يبدو ان السلطة الحاكمة بالنيابة في غربي كردستان سائرة في نفس الطريق لكن بموديل جديد ومهارة عالية في إقناع الناس من حولهم بالقوة وتقديم المسرحيات المفبركة والأساليب الديماغوجية لشراء عاطفة المواطن الكردي المغلوب على أمره.

بين ليلة وضحاها انقلبت سياستهم وسياسة معلميهم رأسا على عقب، تناغما مع سياسة الكيانات الدكتاتورية الغاصبة لكردستان. ان اسيادهم قدموا الآلاف من الشهداء تحت شعار تحرير وتوحيد كردستان. واليوم يتنازلون عن ذلك الشعار المبدئي والمقدس، بل ويرفضونه شكلا ومضمونا بذريعة وجود شعار جديد الا وهو “الأمة الديمقراطية” والإدارة الذاتية. هذا دون ان يعتذروا يوما واحدا لأمهات الشهداء البررة الذين ضحوا بانفسهم في سبيل تحرير وتوحيد كردستان. هؤلاء يؤمنون بأنهم قادرين على تغيير العالم بأكمله كل ذلك بسبب غرورهم السياسي المتصوف وداء جنون العظمة.
اخي الكردي تصور ان تكون مكرها على مشاهدة مسرحية فريدة الأدوار، غريبة الممثلين، عديمة الإخراج، ناشزة المضامين، فذلك هو الحكم عليك، بتعذيب الضمير، والإعاقة في تقرير المصير.

انه من الصعب جدا ن تكون ملاحظا على تنافس غير شريف، فذلك هو البلاء، والعناء، وقمة الشقاء. 
تستخدم  السياسة الزئبقية فقط  لتحقيق مآرب آنية، وأيا كان الثمن المدفوع من أجل ذلك، وأيا كان الأثر الناتج من وراء ذلك. لم تقتصر ذلك السياسة على ميدان دون آخر، ولا على فئة اجتماعية دون أخرى، فأنت تصطدم بها في دنيا المال والأعمال، وتصدمك في عالم السياسة الحزبية. والأنكى من ذلك أنها أصبحت تلوث حتى عقول فئة كبيرة من شريحة المثقفين.

 لقد تعلمنا من العلوم السياسية أن عالم السياسة يحكمه علم، وتضبطه قواعد، وتسنده أخلاق وقيم، ولكن ما راعنا في عالم سياستنا، إلا هذا الانفلات من كل القواعد، والتحلل من كل القيم والمهم لديهم هو أن الغاية تبرر الوسيلة.

 اذا نحن بصدد سياسة زئبقية موصوفة، وانتهازية ملهوفة، ووصولية مكشوفة.. وإلا كيف تجد تعليلا سياسيا، لمن يغير قناعته المبدأية واستراتيجيته، كما يغير قميصه .
حيث نرى انهم علمانيين صباحا، وايمانيين ظهرا ، ومذبذبين مساءا وهم حافظين تماماً نشرة وأدلة الدفاع عن كل قناعة، بأقنعة جديدة، وأدلة، مهما تكن غير مجدية أو مفيدة.

للأسف الشديد نرى اليوم في غربي كردستان انكل شيء أصبح قابلا للبيع والمساومة في ظل الظروف المأساوية التي تمر بها شعبنا ونتيجة الصراعات الحزبية  المتناحرة والغير شريفة .
لذلك يا بني قومي انني اناديكم ، لا سيما الجيل الجديد شبابا وبناتا، جيل التضحية والفداء، احفاد بارزاني وقاضي محمد وشيخ سعيد وآبوأوصمان ويا رفاق درب مظلوم دوغان الذي ناضل وضحى بنفسه من اجل قناعته في تحرير وتوحيد كردستان، اناشدكم على ان تكونوا يقظين وتتحملوا مسؤوليتكم القومية والاخلاقية اتجاه شعبكم.
وان  تعوا لحقيقة هامة الا وهي إن رأس الفتنة في هذه المحنة الوطنية في غربي كردستان، يكمن في الاعتماد والمراهنة على الأنظمة الغاصبة لكردستان وفي هذه  السياسة الزئبقية ، التي تسللت إلى كل المجالات وعبثت بكل المقدرات.. وهي توشك ـ أن تقضي على ما مضى وما هو آت.
مازلنا في البداية فأسرعوا معا ويدا بيد ودون تمييز في طمس هذه الفتنة المبرمجة التي تهدف النيل من إرادة شعبكم وإلحاقه الهزيمة والدمار والمآسي.
أنكم أبناء شعب واحد وقضيتكم واحدة ومصيركم مشترك وعدوكم واحد، فاتحدوا وناضلوا دون ملل في سبيل الديمقراطية لسوريا والفيدرالية لغرب كردستان.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين من تجربتي الشخصية في مجال الكتابة حول الحركة القومية – الوطنية الكردية السورية، حيث تناولت مبكراً مسألة تشخيص أزمة الحركة وسبل حلها، والإحاطة بعواملها الذاتية والموضوعية، وأسبابها الداخلية والخارجية برؤية نقدية، شعرت بلامبالاة إلى حدود تجاهل معظم النخب المثقفة، بل صدر من البعض رفض قاطع لوجود أية أزمة، وأن الحركة بخير، وكل…

أليسا شابلوفسكايا النقل عن الفرنسية: إبراهيم محمود ” أليسا شابلوفسكايا: معهد باريس للدراسات السياسية (حرم لو هافر الجامعي)” ( يبدو أن قراءة هذا المقال صالحة لقرن قادم وأبعد كُرْدياً. المترجم ) جدول المحتويات 1-“تجنيد” السكان الكُرْد كأصل استراتيجي 2- الكُرْد كقوة موازنة للنفوذ الأرمني المتزايد 3-الكُرْد كآخر على هامش الإمبراطورية 4- خاتمة   رغم أن الاهتمام الروسي بالكرد كان عاملاً…

كفاح محمود في الطب، لا يُعد النزيف مرضًا بحد ذاته، لكنه من أخطر مضاعفات الأمراض والإصابات، فالإنسان قد يحتمل الألم، ويقاوم الحمى، ويتعايش مع كثير من العلل، لكنه لا يستطيع أن يعيش طويلًا إذا استمر بالنزف، والأخطر أن بعض أنواع النزيف تكون داخلية، لا تُرى بالعين، ولا يشعر بها المريض إلا بعد أن يفقد جزءًا كبيرًا من قوته، وهذا ما…

د. محمود عباس إن تعمّد جانب من الإعلام السوري والعربي، وفي مقدمته الجزيرة والعربية والحدث، تصغيرَ ما جرى في سري كانيه وعفرين، وما يتكرر من اعتداءات في مناطق أخرى من غربي كوردستان، مقابل تضخيم إسقاط شابين كورديين للعلم السوري وتحويله إلى «الجريمة الكبرى»، يكشف اختلالًا فاضحًا في المعايير. فالعلم يُفترض أن يكون رمزًا لجميع السوريين، لا راية لجماعة تتوهم أن…