حول استقلالية القرار الوطني السوري

صلاح بدرالدين

  لسنا من طلاب النزعة المثالية ولانبالغ بالتمنيات في عالم الأحلام ولانخترع جديدا عندما ننادي بمبدأ صيانة القرار المستقل لشعبنا السوري في مسألة تقرير مصيره وبناء حاضره ورسم مستقبل أجياله ولسنا نعيش بالأوهام ونجانب الحقيقة في قراءتنا لمسألة الاستقلالية في اطار رؤيتنا الموضوعية لمواقع وأحوال شعوب وبلدان ” معولمة ” تضيق بينها المسافات ليست الجغرافية فحسب بل الاقتصادية والثقافية والسياسية وتحول كوكبنا الى شبه مدينة صغيرة وبينها سوريا التي لم ولن تكون معزولة عن العالم الخارجي مؤثرة ومتأثرة بمايدور من حولها وبموازين القوى في الصراع الدائر بين المحاور الإقليمية والقوى الدولية .
ولكن وبالرغم من تلك الحقائق وعلى ضوء ذلك المشهد نعتقد أن استقلالية القرار الوطني في زمن الثورة أمر ثابت ومبدئي واستراتيجي والتفاعل الإيجابي مع العوامل الخارجية وضغوطاتها ومداخلاتها يأتي في المرتبة التالية ويخضع للشروط الآنية القابلة للتبدل كل لحظة وفي الحالة الوطنية الراهنة يشكل انجاز مهام الثورة في اسقاط نظام الاستبداد سلطة ورموزا ومؤسسات وقواعد واجراء التغيير الديموقراطي وإعادة بناء سوريا تعددية حرة جديدة من ثوابت القرار الوطني أما الطرق والوسائل والمتطلبات لتحقيق ذلك فتندرج في اطار التكتيك اليومي والإدارة السياسية السليمة والعمل الميداني السلس والتعامل مع المحيط الخارجي بأعلى درجات المرونة والتوازن .
وطال ما أكدنا سابقا ونعيد التأكيد مجددا على العلاقة العضوية والشرطية بين تحقيق مبدأ استقلالية القرار وبين انجاز عدد من الشروط والمهام وعلى رأسها وفي راهنية الحالة الوطنية إعادة هيكلة تشكيلات الجيش الحر وقوى الثورة الأخرى التي تؤمن بإرادة الشعب وأهدافه وإنجاز القيادة السياسية – العسكرية المشتركة المنبثقة من المؤتمر الوطني الجامع في ظل البرنامج الوطني الشامل المعبر عن طموحات كل المكونات والتيارات والأطياف وضمن آلية ديموقراطية شفافة .
مناسبة الحديث في هذا الموضوع المصيري الهام ومحاولة الخروج باستخلاصات حوله هي تمادي – المعارضات – في تخطي الخطوط الوطنية الحمر وتجيير القضية السورية لمصالح الغير وعرضها في أسواق المناقصات الإقليمية على وجه الخصوص وإخضاع الثورة لحاجات صراع المحاور ومايقوم به متزعموا – الائتلاف – في هذا المجال تجاوز كل الحدود فالى جانب استهتارهم بشرعية الداخل الثوري وابتزاز قادة الجيش الحر وتفريق صفوفهم واملاء الأوامر والتوجيهات بقوة المال وليس الاقناع تمهيدا لعقد الصفقات السياسية مع النظام والتحاور معه بخلاف الأهداف التي قامت من أجلها الثورة .
مايحدث الآن أن الثورة السورية التي جاءت بإرادة شعبية وطنية مستقلة في سبيل الحرية والكرامة كتعبير موضوعي عن إرادة غالبية السوريين واحدى روافد ربيع الثورات وبسبب تسلط وتسلق من لم يكونوا أبدا مع التغيير الديموقراطي أو في صفوف المناضلين المعارضين منذ عقود تواجه الآن خطر الانحراف عن نهجها والتحول الى حركة أصولية مذهبية تكمل أصولية واستبدادية وطائفية النظام الحاكم نقول ذلك ليس لأن جماعات الإسلام السياسي وخاصة الاخوان المسلمون والنظام في آن واحد استطاعا اغراق الساحة السورية والمعارضة بالذات بكل ماهب ودب من ارهابيي القاعدة ومجاميع فاشية مرتبطة بالنظام وايران وحكومة العراق تحت الشعارات الدينية والمذهبية والقومية من العرب والكرد تتخذ القتل والتدمير وإلغاء الآخر المختلف وسيلة للبقاء فحسب بل لأن – الائتلاف – بات التعبير السياسي عن مصالح تلك الدولة الخليجية الأكبر في صراعها المذهبي مع الدولة الإيرانية الشيعية ولم تعد قضايا الشعب السوري في أولويات – الائتلاف – بل تحولت الى جزء من الكل السائد في المشهد الشرق أوسطي .
المملكة السعودية التي كانت تتابع المعاناة السورية ومنذ ثلاثة أعوام لم تحرك ساكنا بل كانت جزءا تابعا في إدارة الأزمة السورية رغم إمكاناتها العسكرية والمالية الكبرى وذلك انطلاقا من مصالحها الخاصة وتخوفا من انتصارات الجيش الحر وقوى الثورة في اسقاط النظام والاتيان ببديل ديموقراطي غير تابع ومستقل ولكن وبعد التأكد من أن – الائتلاف – أصبح – بالجيبة – ولاخوف من مفاجآت – المشاغبين – وأن الحالة السورية اقتربت من التماثل مع الحالة اليمنية وأن – المعارضة السورية أو الائتلاف – بدأت تشكل ذراعا لسياستها كما تيار المستقبل بلبنان على سبيل المثال عندها قررت حسم مسألة الدعم لمتزعمي الائتلاف وليس للثورة السورية بل لنصرة – الجربا – ضد معارضيه من الوطنيين والثوار وكان قرارها بتزكية رجلهم لدى إدارة – أوباما – لاستقباله والايعاز لاعلامها بتفخيمه ألم يطلق عليه – عبد الرحمن الراشد – لقب رئيس السوريين ؟ .
نعم الثورة السورية كمثيلاتها لن تمر بخط مستقيم وستلاقي تحديات الردة المضادة بين الحين والآخر وقد تحدث ثورات أخرى على الثورة كما حصل في مصر من دون توقف وكما هو الحال في ليبيا وكما يستشف من الحالة التونسية .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدو خليل Abdo Khalil وفق أحدث تصريحات إلهام احمد تقول بدم بارد ( قد تندلع حرب جديدة).. بينما من المفترض أن الأمور تسير على مهل في الحسكة و القامشلي وكان آخرها كمؤشر على تقدم الأستقرار، إعادة تأهيل مطار القامشلي.. ولكن على ما يبدو لا يمكننا البتة الفصل بين التحضيرات العسكرية الأمريكية التي تمضي على قدم وساق ضد إيران وبين ما…

خالد حسو   تُعبّر العزة القومية عن وعي جماعي بالهوية والوجود والحقوق التاريخية والثقافية لشعبٍ ما، وهي مفهوم سياسي وقانوني يرتكز على مبدأ الاعتراف المتبادل بين المكونات داخل الدولة الحديثة. ولا تُفهم العزة القومية بوصفها نزعة إقصائية أو مشروع هيمنة، بل باعتبارها تمسكًا مشروعًا بالكرامة الجماعية، ورفضًا لأي أشكال التهميش أو الإنكار، ضمن إطار يحترم التعددية والمساواة في الحقوق والواجبات….

عدنان بدرالدين تدخل الأزمة الإيرانية في أواخر فبراير 2026 مرحلة اختبار جديدة، من دون أن تقترب فعليًا من نقطة حسم. المهلة التي حدّدها الرئيس الأميركي دونالد ترامب تقترب من نهايتها، والمفاوضات غير المباشرة في جنيف تستعد لجولة جديدة، فيما تعود الاحتجاجات الطلابية إلى جامعات طهران ومشهد. ورغم هذا التزامن بين الضغط الخارجي والغضب الداخلي، لا تبدو مؤشرات السقوط الفوري أقوى…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…