أحزاب الكورد والبحث الدائم عن عدو

جان كورد

أثناء فترة الحرب الباردة، كانت الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية تصرف مليارات الدولارات سنوياً على انتاج الأسلحة المختلفة وأجهزة التجسس، إضافة إلى تجنيد الإعلام وتدريب وارسال الجواسيس إلى العالم الشيوعي للقيام بالتخريبات والاغتيالات وتأليب المواطنين على الحكومات الشيوعية، بذريعة أن العالم الشيوعي هو (العدو رقم 1) للعالم الحر الديموقراطي، ولا يمكن التساهل معه أو التأخر عنه في مجال امتلاك السلاح، ومن ضمنه السلاح النووي والكيميائي والجرثومي، على الرغم من أن العالمين المتخندقين في مواجهة بعضهما بعضاً قد تعاونا على دحر النازية الألمانية والفاشية الإيطالية و العسكريتاريا اليابانية في الحرب العالمية الثانية بشكل جيدـ وبما عاد على البشرية بمنافع،

 حيث انهارت الفلسفات العنصرية وتم إحلال سلام طويل الأمد على مساحاتٍ واسعة بين المعسكرين في العالم.  وبالتأكيد فإن النظم الشيوعية كانت تقوم بذات المساعي الهائلة وصرف مبالغ طائلة لاقتناء السلاح وامتلاك أسباب القوة، للقضاء على (العدو رقم 1) المتمثل بالإمبريالية العالمية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها الأوربيون. والمستفيدون من ترويج قصة (العدو الخطير والكبير) كانت على الدوام تلك المؤسسات المالية والصناعية الضخمة التي تنتج السلاح وتهيأ الجواسيس وتستولي على الإعلام، والخاسرون هم شعوب الأرض بلا شك…

وعندما انهار النظام السوفييتي بأكمله ولم يعد هناك ذلك “البعبع!” الشيوعي، فقد جرى البحث والحديث عن (عدو رقم 1) جديد، فتم عن طريق تسخير الإعلام إيجاد هكذا عدو… والقصة معروفة وتثير العديد من الأسئلة والنقاشات، وهذا ليس موضوع كلامنا الآن.  والغريب أن هذه الدول المنتجة لأدوات القتل والفتك والتدمير تبيع أسلحتها للعدو الجديد الذي اكتشفته بعد سقوط الشيوعية وبكمياتٍ هائلة، بل تتنافس في ابرام العقود والصفقات معه، حسب آخر التقارير العالمية عن بيع السلاح في الأسواق الدولية الخاضعة لرقابة الحكومات، وليس أسواق السلاح غير المرخصة فقط.
هناك أحزاب سياسية، منها مع الأسف كوردية أيضاً، تعلم أنها إن لم تحرك جماهيرها يومياً بذريعةٍ من الذرائع، فإنها سترقد وستهمل واجباتها المتمثلة في الإبقاء على “جذوة النضال الشعبي!!!” متقدة، حيث أنها فشلت في اقناع هذه الجماهير بصحة أيديولوجيتها، مثلما فشلت في إظهار نفسها كقوة وحيدة، ثورية وطليعية، على درب الكفاح من أجل “حرية واستقلال” الشعب، مثلما ضعفت في اثبات قوتها “العملاقة” من خلال صناديق الانتخابات، لذلك فإنها تجد لنفسها أو للشعب دائماً (عدواً) تعتبره (العدو الأول) وتسخر للحرب عليه وسائل إعلامها وتحشد الجماهير ضده، وتستخدم سائر  وسائل التحقير  والإذلال والترهيب والتخوين وتبسيط الأمور و”توحيش العدو”، وهذا يعني أن ثمة خبراء في علم نفس الجماهير ضمن قيادة التنظيم أو  من وراء ستار… ومهمة هؤلاء هو تحريك الجماهير حتى لا تهدأ عاصفة “الثورة” ، وفي نفس الوقت يتم تعظيم الذات وتقديس القائد واعتبار  سياسة القيادة هي الأفضل والأحدث والأشد ثورية وبدون القائد والقيادة تقوم الساعة وتنهار المدنية وتنتهي حياة الشجر والبشر والحيوانات والنباتات، وسيضطرب توازن الكون… فلا حياة بدون القائد… بل لا يريد “الشعب” حريته بدون القائد…
ولكن من أجل “توحيش العدو” يجب البدء بابتكار هذا العدو، ولا يهم أن يكون أخاً أو ابن عم أو مواطناً من مواطني الوطن، المهم أن لا تتوقف حركة الجماهير، حتى لا تكسل، وحتى لا تبخل على فائد الحزب بآيات التعظيم وعلى القيادة المقاتلة، الشجاعة، الذكية والتي لامثيل لها في الدنيا بالشباب وبالمال الذي تحتاج إليه للإبقاء على “الثورة!!!” وأي ثورة؟ …
لقد تم اختيار أحزابٍ وشخصياتٍ كوردية لزجهم في خانة (الأعداء الأشد عداءً للثورة الظافرة المنتصرة!!!)، وعليه يتم تحويلهم إلى أهدافٍ للهجوم، بشتى أنواع التهم وإطلاق صفات “شارونية” عليهم، في محاولة لتجنيد “الشعب كله” ضد (ظلم شارون وعدوانه وخيانته!!!)، وشارون في الحقيقة أحد أهم من خدم شعبه ودافع عنه… وهذه هي ذات الأساليب التي تستخدمها الدول والحكومات ضد معارضيها وضد بعضها بعضاً…
وهذا يعني أن بعض السياسيين يتصرفون بميكيافيللية لضمان تسويق انتاجهم جماهيرياً، مستغلين ضعف الوعي السياسي لدى هذه الجماهير الشعبية وظروفها السيئة وطموحاتها في نيل الحرية واستعادة حقوقها المغتصبة… كما يعني أن بعض أصحاب المصالح الفئوية المتحزبين لا يتوانون عن ممارسة أشد الأساليب بؤساً وإضرام النار  في البيت الكوردي، تنفيذاً لأوامر إقليمية ساعية لعرقلة أي تفاعل حقيقي بين حركة شعبنا وحركة المعارضة الديموقراطية السورية والعراقية وللوصول إلى هدفهم المتمثل في تحريك الجماهير  يومياً وربطها بتنظيمهم…  
المسألة مكشوفة للواعين… ولكن الذرائع اليومية الصغيرة المسخرة ل”توحيش العدو” ربما تلقي بعض الضباب على الهدف الأساسي، فينشغل المراقبون بالحديث عن تلك الذرائع والحجج وليس عن الهدف من وراء اختلاقها أو تعظيم شأنها في السياسة العملية…

14.04.14

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالجبار شاهين أحياناًعندما ننظر إلى واقعنا السياسي اليوم يصعب تجاهل شعور متراكم بأن الامور لم تعد مجرد اختلافات سياسية عادية. هناك شيء أعمق تشكل مع الوقت نوع من الانقسام الذي تسلل إلى طريقة التفكير نفسها وليس فقط إلى المواقف. كثير من الناس خاصة الاجيال التي نشأت في ظل هذا المشهد أصبحوا يعرفون انفسهم أولا من خلال الانتماء السياسي قبل…

عمر إبراهيم في زمن الانقسامات الحادة والأزمات المتشابكة التي تعصف بسوريا، جاء مؤتمر وحدة الصف والموقف الكردي في روج آفا في قامشلو حدثاً سياسياً مهماً أعاد الأمل بإمكانية تجاوز الخلافات وفتح صفحة جديدة من العمل المشترك. وقد أتى انعقاد المؤتمر في مرحلة كانت سوريا تعيش فيها حالة من الفوضى الأمنية، وانتشار السلاح، وتصاعد موجات العنف وعدم الاستقرار، ولا سيما…

حسن قاسم يتردد في الآونة الأخيرة الحديث عن تشكيل مرجعية سياسية للكورد في سوريا، وهي فكرة تستحق الاهتمام والدعم إذا ما جرى التعامل معها بجدية ومسؤولية وطنية، لأن الشعب الكوردي يعيش منذ سنوات حالة من التشتت السياسي وخيبة الأمل نتيجة فشل معظم المشاريع والمحاولات السابقة، بدءاً من الاتفاقات البينية، مروراً بالمبادرات المختلفة، وانتهاءً بكونفرانس نيسان الذي لم يحقق ما كان…

اكرم حسين   عامٌ مضى على كونفراس وحدة الصف والموقف الكردي، كاشفاً بامتياز حجم التحديات التي تعترض العمل القومي الكردي، وفي الوقت ذاته مدى الحاجة الملحة إلى مشروع وطني كردي جامع يتجاوز الحسابات الضيقة ويؤسس لمرحلة جديدة من الفعل السياسي المسؤول. لقد قيل الكثير في نقد الكونفراس ، وربما كان في بعض هذا النقد جانب من الحقيقة، لكن الإشكالية…