كيف نوقف الإرهاب على الشعب الكوردي؟

 جان كورد

بعض مثقفي الكورد يهربون – مع الأسف – إلى أمام، وبعضهم يتخلفون عن الركب، ومنهم من يضع رأسه في الرمال كالنعامة التي تحدق بها الأخطار، والشعب هو الذي يدفع الثمن في كل الأحوال…

اكتشفت قوى الثورة السورية مع الأيام، ولربما متأخراً، أن بعض التنظيمات المسلحة المتطرفة عقيدياً وكذلك بعض المجموعات والشخصيات العلمانية أيضاً ليست إلا جنوداً في جيش النظام يتحركون بأوامره وينسقون مع قادته الميدانيين، فيقتلون المعارضين وينسفون مقراتهم ويهاجمون فصائلهم المقاتلة ويشوهون وجه الثورة السورية، فابتعدت قوى الثورة عنها ودخلت معها متكاتفة أو على انفراد في معارك جانبية فقدت فيها مقاتلين وذخائر وأسلحة ومقرات كانت الثورة في حاجةٍ ماسة إليها.
 ولكن لابد من القول بأنها أحسنت صنعاً لأنه لا يمكن الاستمرار في الثورة وبعض قواها خائنة وتأتمر بأمر النظام وتنفذ مخططاته، وهكذا تنظف الثورة نفسها من أدران الخيانة والارتداد وتتقدم بخطى ثابتة نحو الأمام وتحقق انتصارات رائعة هنا وهناك، رغم الهزائم المريرة في بعض المناطق الهامة.

الواضح تماماً في هذه المعمعة الكبرى هو أن قوى الثورة الحقيقية متفقة على أن العدو الرئيسي لها ليس إلا النظام الأسدي الذي يستخدم فنون المراوغة والتشويه لإظهار الثورة السورية وكأنها “إرهاب في إرهاب!” وقد نجح في ذلك إلى حدٍ كبير مع الأسف. وتحديد العدو الأول والأساسي من أهم شروط نجاح الثورة. إلا أن أحد أعظم القوى السياسية الكوردية السورية هنا (حزب الاتحاد الديموقراطي) لا يعتبر النظام عدوه الأول وإنما يبحث له عن أعداء في صف الثورة السورية التي اعترفنا بأن النظام قد أدخل فيها بعض التنظيمات والشخصيات العاملة على تحريفها عن أهدافها وعلى نسفها من الداخل وتأليب قواها على بعضها وتشويه وجهها. ومنها تنظيم (داعش) الإرهابي، وهنا يكمن الخطأ الأهم، فلو كان هذا الحزب وقواه المقاتلة على تنسيق جيد مع قوى الثورة الحقيقية، لما استطاع أحد اتهام الكورد بأنهم “عملاء النظام!” ولما ابتكروا الذرائع للقيام بالإرهاب ضد الشعب الكوردي. وفي الحقيقة لا نرى مجموعات قتالية هامة وظاهرة للأحزاب الكوردية الأخرى (أيضاً) في صفوف الثورة السورية، على الرغم من أن الكورد شعب محارب، فكيف لاتهم شعبنا الثورة السورية وإنما حقوقه القومية (فقط) وهذه الثورة قد تغير وجه المنطقة بأسرها؟ وكيف يمكن البقاء على الحياد وسط عاصفةٍ قوية لا تبقي ولا تذر؟ بل إن هناك دلائل وشبهات حول هذه النقطة بالذات، وأعتقد أن أحد حجج وذرائع المجموعات الإرهابية في الهجوم على المدن والقرى الكوردية هو “القضاء على الكورد الموالين للنظام!”، وعليه يجب البحث عن كيفية إزالة هذه الحجج الباطلة والاثبات الصريح بأن الكورد مع الثورة ومن ضمنها وهم أعداء للنظام الذي فتك حتى الآن بمئات الألوف من السوريين ودمر بلادهم.
النقطة الثانية هي أن مفهوم (العلمانية) لدى بعض فصائل ومفكري وكوادر حركتنا السياسية الكوردية السورية يعني “العداء المطلق للإسلام” مع الأسف، ولذا فإن تصرفاتهم وأقوالهم وممارساتهم تبدو وكأن حركاتهم منسلخة كلياً عن دين غالبية الشعب السوري، وهذا لا يضر بحركتهم السياسية فحسب، بل بقضيتهم القومية الوطنية إجمالاً، ومثالنا على ذلك هو  الحال التي عليها حزب الاتحاد الديموقراطي الذي يبدو للقريب والبعيد في شكل راياته وأزياء محارباته ووسائل إعلامه و مرجعيته الفكرية ومراسيم دفن مقاتليه الذين يسقطون في المعارك، وكأنه فرع من فروع الحزب الشيوعي الصيني أثناء معارك التحرير أو  أنه قوة من قوى الثورة الماركسية في أمريكا اللاتينية، وليس كحركة تحرر قومي كوردية، فإن كان هذا الحزب ماركسياً – لينينياً في واقع الحال فإنه أخطأ الزمان والمكان استراتيجياً، وإن لم يكن هكذا فلماذا الاستمرار في سياسةٍ تعود إلى القرن الماضي، قرن الشيوعية التي تألقت كنجم الصباح ثم انهارت في العالم كمبنى قديم تقوضت أركانه من جراء زلزال؟ في هذه الحال فإن على الحزب مواجهة أعداءٍ يعتبرون الشيوعية كفراً وشركاً وإلحاداً ويحاربونه بقوة السلاح، كما حدث في أفغانستان مثلاً، وهذا ليس من مصلحة الشعب الكوردي التواق لنيل حقوقه والحياة في حرية وكرامة مع الشعوب المجاورة له، لذا يجب الفصل بشكلٍ حاسم بين الشيوعية وبين الطموح القومي العادل للشعب الكوردي وإزالة مظاهره وراياته ورموزه لأن التمسك بالشيوعية المفلسة يضر بشعبنا ولا ينفعه في هذه المرحلة التاريخية.
النقطة الثالثة التي لن أتطرق بعدها للمزيد من النقاط الأخرى هي أن ثمة قوى سياسية كوردية أحبطت مشروع الاتحاد القومي لحركتنا الوطنية في غرب كوردستان، ثم عادت لتتباكى على مصير شعبنا وتناشد وتطالب بدعمها لأنها الآن –كما يبدو – في خطر نتيجة سياساتها الخاطئة والفاشلة، والخطر قائم على شعبنا أولاً، ولكن هناك أيضاً قوى تعتقد بأنها مالكة الشرعية لقيادة هذا الشعب، وبدونها لا يمكن القيام باي عمل نافع، وأن على سائر القوى الكوردية الأخرى السير   وراء زعاماتها التي لا تستطيع القيام بما هو جاد على أرض الواقع دون الحصول على “إذن مسبق” من سواها من الأحزاب، وعليه فإنها أيضاً في أخطاءٍ جسيمة وفاشلة حتى الآن، وهذا يجب أن يتغير ، في سلوك الأحزاب تجاه بعضها بعضاً وتجاه الشعب أيضاً وتجاه الثورة السورية. فلا انتصار دون وحدة أو اتحاد، وستظل هناك ثغرات رغم كل النوايا الحسنة، مالم تتشكل “جبهة كوردية دفاعية” بكل معنى الكلمة، طالما الخطر محدق بشعبنا، وهذا يعني التنازل عن كثيرٍ من المشاريع الفاشلة والشعارات الزائفة و”المراسيم !!!”  الأمنية، وترتيب البيت الكوردي فكرياً وسياسياً بتحديد (العدو الرئيسي) أولاً وتجديد الحراك التنظيمي وكسب ثقة الشعب حتى لا يترك وطنه ووضع الأولويات السياسية والأمنية والخدمية وتأمين ما يلزم للدفاع عن القضية وأرواح المواطنين والممتلكات…
نحن لسنا بحاجة إلى مؤتمرات في هذا الوقت العصيب وإنما إلى قرارات عملية وسريعة وحاسمة في الطبقات العليا للحركة الوطنية الكوردية، فإن أردأ الإدارات السياسية هي التي تضع العثرات التنظيمية فوق أولوية الدفاع عن الشعب، ولكن علينا الحذر التام من الوقوع في أي فخٍ جديد ينصبه النظام لحركتنا الوطنية الكوردية بتحريكه أحجاره على رقعة الشطرنج… ولذا فإن التنسيق مع قوى الثورة السورية الحقيقية في هذه المرحلة ضروري ونافع بالتأكيد.

‏26‏ آذار‏، 2014

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالجبار شاهين أحياناًعندما ننظر إلى واقعنا السياسي اليوم يصعب تجاهل شعور متراكم بأن الامور لم تعد مجرد اختلافات سياسية عادية. هناك شيء أعمق تشكل مع الوقت نوع من الانقسام الذي تسلل إلى طريقة التفكير نفسها وليس فقط إلى المواقف. كثير من الناس خاصة الاجيال التي نشأت في ظل هذا المشهد أصبحوا يعرفون انفسهم أولا من خلال الانتماء السياسي قبل…

عمر إبراهيم في زمن الانقسامات الحادة والأزمات المتشابكة التي تعصف بسوريا، جاء مؤتمر وحدة الصف والموقف الكردي في روج آفا في قامشلو حدثاً سياسياً مهماً أعاد الأمل بإمكانية تجاوز الخلافات وفتح صفحة جديدة من العمل المشترك. وقد أتى انعقاد المؤتمر في مرحلة كانت سوريا تعيش فيها حالة من الفوضى الأمنية، وانتشار السلاح، وتصاعد موجات العنف وعدم الاستقرار، ولا سيما…

حسن قاسم يتردد في الآونة الأخيرة الحديث عن تشكيل مرجعية سياسية للكورد في سوريا، وهي فكرة تستحق الاهتمام والدعم إذا ما جرى التعامل معها بجدية ومسؤولية وطنية، لأن الشعب الكوردي يعيش منذ سنوات حالة من التشتت السياسي وخيبة الأمل نتيجة فشل معظم المشاريع والمحاولات السابقة، بدءاً من الاتفاقات البينية، مروراً بالمبادرات المختلفة، وانتهاءً بكونفرانس نيسان الذي لم يحقق ما كان…

اكرم حسين   عامٌ مضى على كونفراس وحدة الصف والموقف الكردي، كاشفاً بامتياز حجم التحديات التي تعترض العمل القومي الكردي، وفي الوقت ذاته مدى الحاجة الملحة إلى مشروع وطني كردي جامع يتجاوز الحسابات الضيقة ويؤسس لمرحلة جديدة من الفعل السياسي المسؤول. لقد قيل الكثير في نقد الكونفراس ، وربما كان في بعض هذا النقد جانب من الحقيقة، لكن الإشكالية…