نحو بناء تنظيم سياسي جماهيري فعّال

فيصل سفوك

من السهولة بمكان على المراقب للحياة السياسية للكورد في روزآفا اكتشاف التزايد في عدد الأحزاب وارتفاع نسبتها في الواقع السياسي الكوردي, الذي من شأنه أن يشكل تحدياً للتماسك الاجتماعي وللتقاليد الثقافية الكوردية من جهة, ويعزز من جهة أخرى نشر ثقافة الاختلاف والتناقض والتضاد بين أطياف الشعب الكوردي تصل إلى الكراهية والحقد و ربما المواجهة في بعض الأحيان , ومن هنا تأتي أهمية وضرورة بناء تنظيم سياسي جماهيري كعنصر حاسم في هذه المرحلة الدقيقة من العمل والكفاح والنضال السياسي الكوردي, سيما أن العناصر الجوهرية في بناء هذا التنظيم من مجموعة أحزاب بدون أدنى شك متوفرة في أغلب أحزاب الحركة الكوردية في روزآفا,
وتحتاج فقط إلى فعل سياسي موحد و إرادة قوية تدفعها إلى الأمام , نظراً لعدم وجود خلاف أو اختلاف في المنهج الفكري فيما بينها, حتى أن أحزاباً كثيرة بدت وكأنها صور طبق الأصل عن بعضها البعض ,أدخلت الجماهير في مستنقع من التنظيمات السياسية المتشابهة غالباً ما اعتمدت على شخصيات مؤسسيها بدلاً من التركيز على مناهجها أو برامجها .
لا شك في أن أنجع السبل التي ينبغي أن تسلكها الشعوب الباحثة عن استقلالها و تحررها من القهر و الظلم والاستبداد ,هو بناء حركات سياسية ذات قاعدة جماهيرية واسعة غير مزيفة , تقوم على آليات منهجية و ايديولوجية فكرية منسجمة مع الواقع , تساهم في ديمومة نشاطها و انتشارها .
ولعل من أهم المقومات التى يجب أن تتوافر فى بناء تنظيم سياسي جماهيري على الصعيدين السياسي والتنظيمي كي يكون قادراً على الاستمرار و الممارسة والتأثير الفعال فى المجتمع الكوردي .
خطاب وطني كوردي جامع يرتكز إلى رؤية سياسية معبرة عن القواسم الوطنية والقومية المشتركة بما تحتويه من  استراتيجية لتنفيذ المنهج الفكري تحدد الهدف من النضال والكفاح بشكل دقيق و فهم عميق لمتطلبات المرحلة , يتم ترجمتها من خلال برنامج سياسي يحدد استراتيجية التنظيم بالنسبة للقضايا المصيرية .
تعبئة الجماهير و اقناعها بتوجهات ورؤيا التنظيم وسياساته , وفتح قنوات للتواصل مع مختلف فئات الجماهير,واستقطاب أكبر نسبة منها وتحقيق التفافها حول فكر وأهداف وبرامج التنظيم , وهنا تأتي أهمية دور الكادر السياسي في تزويد التنظيم بالوعي السياسي والثقافة التنظيمية , ومن خلاله يصل التنظيم بأفكاره إلى أوسع دائرة ممكنة ، ويتسع نشاط التنظيم فى مختلف المواقع وعلى مختلف المجالات والأصعدة .
العمل على تعميق وتوسيع علاقات إيجابية ومتوازنة مع كافة التنظيمات السياسية في الداخل والخارج و المنظمات والهيئات المحلية و الاقليمية والدولية وتطويرها في خدمةً القضية الكوردية وعلى كافة المستويات.
الابتعاد عن تكريس مفهوم الانتماء الحزبي الضيق عبر نشر ثقافة الانتماء الوطني الذي يجب أن يؤسس عليه التنظيم لتجنب تحوله تدريجيا في اتجاه بلورته كتنظيم حزبي صرف , وعدم القفز على حقيقة أن التنظيم ملك للجميع وليس لفئة أو جماعة أو نخبة معينة .
مرونة الهيكل التنظيمي عبر ترسيخ وتطوير العمل المؤسسي المتميز المبني على أسس علمية ومنهجية وتأصيل قيمه وتحقيق مبدأ الشفافية والنزاهة والعمل بروح الفريق وتعزيز مفهوم اللامركزية في اتخاذ القرارات .
ديمقراطية التنظيم من خلال الاستناد إلى الأسس والآليات الديمقراطية في مختلف المستويات التنظيمية وعدم ممارسة الإقصاء على الآخر , يعد من أهم مقومات التنظيم السياسى التي تحكم العلاقات داخل التنظيم مما يضمن له الفاعلية والاستمرار والانتشار والقدرة على التأثير .
ديناميكية التنظيم من خلال سرعة التجاوب مع المتغيرات والمستجدات السياسية والقدرة على امتلاك أساليب وأدوات المثابرة والتعامل مع الظروف المحيطة بما تحتويها من اتخاذ القرارات المصيرية والحاسمة , على أن تلتزم الثوابت الوطنية والقومية ومثله وقيمه الأخلاقية .
تقييم القدرات والإمكانات المادية والبشرية المتاحة والاستفادة من الكفاءات والخبرات في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتربوية .. , مع بيان نقاط القوة وتعزيزها للاستفادة منها وتوظيفها الأمثل لصالح إدارة المراحل المختلفة , و كذلك نقاط الضعف حتى يتمكن من التغلب عليها ومعالجتها وبالتالي تفاديها وإزالتها .
من الطبيعي أن الحافز الذي تشكله مجموعة من الاحزاب حول فكرة الوحدة أو الاندماج في تنظيم سياسي جماهيري لا يكفي وحده لاستكمال كافة الظروف اللازمة لهذه الوحدة المتكاملة , ما لم يؤخذ بعين الاعتبار دوماً بأن وضع اللبنة الأولى في بناء أي فكر وحدوي يتطلب حداً أقصى من الإرادة الحقيقية نابعة من المصلحة الوطنية للشعب الكوردي وبالأخص لدى قيادة هذه الفصائل السياسية . ولا تحتاج إلى صرف الكثير من الجهد والوقت في عملية صياغة و وضع خطط وبرامج غير منسجمة مع الواقع تصل إلى حد المغالاة .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…